• ×

12:40 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ اهتم أهل اللغة من لغويين ونحاة وصرفيين وعروضيين بالحركات والسكون إيمانًا منهم لما تحمله من دلالات لها الأثر الكبير في لغتنا العربية وما لها من أسرار ربت باللغة العربية إلى مكان عال لا يمكن أن تصل إليه لغات العالم البشري الأخرى، فالحركة والسكون والحرف واللفظ والجملة كل منها له أثر فردي وآخر جماعي في إبراز المعاني وتصويرها.

■ الحركة لغة : ضد السكون ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : آمنت بمحرف القلوب، وفي رواية بمحرك القلوب، قال الفراء : المحرف : المزيل، والمحرك المقلب (1).
وفي اصطلاح القراء : عَرَضٌ يحل الحرف لإمكان اللفظ والتركيب (2).

● أولاً : الضمة ـــُــ .
وهي : عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق بالحرف فيحدث عن ذلك صوت خفي مقارن للحرف، فإن امتد كان واوًا، وإن قصر كان ضمة، وصورتها عند حذاق الكتاب صورة واو صغيرة؛ لأنها بعض الواو (3).
و : ُ

● ثانيًا : الفتحة ـــَــ .
وهي : عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف، وحدوث الصوت الخفي يسمى فتحة ونصبة وإن امتدت كانت ألفًا، وإن قصرت فهي بعض ألف، وصورتها كصورة ألف صغيرة (4).
ا : ــَــ

● ثالثًا : الكسرة ـــِــ .
وهي : عبارة عن انجرار اللحي الأسفل عند النطق بالحرف، وحدوث الصوت الخفي يسمى كسرة، وإن امتدت كانت ياءً، وإن قصرت فهي بعض ياء (5).
ي : ـــِـــ

● السكون لغة :
ضد الحركة، واصطلاحًا : عبارة عن خلو العضو من الحركات عند النطق بالحرف، فلا يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك : أي ينقطع، فلذلك سمي جزمًا اعتبارًا بانجزام الصوت، وهو انقطاعه.
انظر : محمد يكتبُ الدرس .. محمد لم يكتبْ = يكتبُ × يكتبْ = و = ْ
ولك أن تتبين الجزم بصورة أوضح في مثل : هم يقولون خيرًا. هم لم يقولون خيرًا. هم لم يقولوا خيرًا.

■ وخلاصة ما سبق نوجزها في ما يلي :
إن الضم إنما سمي ضمًا : لأنه ينشأ من ضم الشفتين أولاً، ثم رفعها ثانيًا.
وسمي الكسر كسرًا؛ لأنه ينشأ من انجرار اللحي الأسفل إلى أسفل انجرارًا قويًا، ولذلك يسمى إضجاعًا أو تضجعًا.
وسمي الفتح فتحًا؛ لأنه يتولد من مجرد فتح الفم، وبناء على ذلك يتبين أن :
قولنا : فتح وكسر وضم وجزم جاء أصلاً اعتبارًا بالعضو حيث تولد الضم من ضم عضو الشفتين، وتولد الكسر من انجرار اللحي الأسفل، وتولد الفتح من مجرد فتح الفم.
أما السكون فتولد من انقطاع الصوت بالحرف وسكون العضو عند ذلك.
وأقوى الحركات : الضم ثم الكسر ثم الفتح. وهذه القوة مردها المجهود الذي يبذل في الحركة حيال تحريك العضو بها.
قال ابن جني : وإنما سميت هذه الأصوات الناقص حركات؛ لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به وتجتذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها، فالفتحة تجتذب الحرف نحو الألف، والكسرة تجتذبه نحو الياء، والضمة تجتذبه نحو الواو، ولا يبلغ الناطق بها مدى الحروف التي هي أبعاضها فإن بلغ بها مداها تكملت الحركات حروفًا (6).

■ وسوف نختصر البيان هنا على الدلالة المعنوية للحركات الثلاث وأسرارها البلاغية.
1- الفتح :
ينبئ عن الكثرة، ويشار به إلى السعة يدلك على ذلك أن الأخرس إذا أخبر عن شيء كثير فتح شفتيه، وباعد بين يديه.
حركة الفتح : أي التأثير على العالم الخارجي وهو عمل صادر عن الإرادة مثل : (ضَرَبَ - فَعَلَ - أَكَلَ - خَرَجَ).
وكلها أفعال مفتوحة العين لأن الفتحة تدل على العمل الصادر عن الفاعل بإرادة منه حقيقة أو مجازًا.

2- الضم :
ضد الفتح حيث ينبئ عن الضيق والقلة والتمكن والقوة والدوام والثبات يدل على ذلك أنك تجد المقلل للشيء يشير إليه بضم يد أو فم كما فعل رسول الله عليه السلام حين ذكر ساعة الجُمُعة وأشار بيده يقللها، فإنه جمع أصابعه وضمها ولم يفتحها.
كما يدل على الجمع والقوة واللزوم والثبوت والتمكن والدوام كما يظهر من صيغة (فعُل) في لزوم الفعل لموصوفه وثبوته وتمكنه لأنها تدل على الغرائز والسجايا والصفات الثابتة اللازمة لموصوفها، وكذلك نجدهم ضموا مصدر (حُبَّ) واستغنوا به عن مصدر (أحب) وكان يالضم دون الفتح لإفادة قوة المعنى وتمكنه من نفس المحب وقهره وإذلاله إياه حتى انه ليذل الشجاع الذي لا يذل لأحد فينقهر لمحبوبه ويستأسر له" (7).
ومن هنا جعلت العرب الضمة علامة العمد لقلتها حيث لا يكون الفاعل إلا واحدًا، والفتحة علامة الفضلات لكثرتها.
أمثلة : (حسُن - خشُن - كبُر - صغُر - قرُب).

3- الكسر :
وهي وسط بين الفتحة والضمة مخرجًا ومعنى، وبين الاتساع والضيق، وهي تدل على التواضع واللين والرقة وإظهار الضعف.
يدل على ذلك أنها حركة المؤنث قصيرة كانت كما في نحو : أنت ِ و رأيت ِ الأمهات ِ.
وطويلة نحو : أنت ِ تقومين وتركعين وتسجدين (8).
ويستثنى من ذلك دخول الباء وغيرها من حروف الإضافة على اسمه تعالى وصفاته فإنها تكون للاستعانة في نحو : (بِسم الله) وللاستحقاق في نحو : (الحمد لِله) وللملك في نحو (لله مافي السموات) كما تدل الباء في نحو : استعنت بالله على إذلال ما سوى الله تعالى (9).
وحركة الكسر تدل على التأثر الذي يحصل للفاعل من طرف العالم الخارجي :
(فالكسر والخسر والقصر والخزل) كلها بمعنى حصول الشيء للفاعل المغلوب المقهور، فالفعل المكسور العين (فعِل) يدل على كل ما يحصل للفاعل بدون إرادة منه حقيقة أو مجازًا مثل : (مرِض - علِم - فرِح - سقِم - غرِق).

■ خاتمة :
إذا قال القدماء بخفة الفتحة وثقل الضمة والكسرة فمرد ذلك إلى ظاهرة الجمال الصوتي حيث الكلام المفتوح يروق لما يوحي به من حركة ونشاط وحيوية وإرادة بالنسبة إلى الكلام المكسور الذي يشير إلى الانهزام والخضوع. وأما بالنسبة إلى الضم الذي يدل على التراكم والتفاقم والسكون والرقود، يوضح كل أولئك مادة (شرُف) التي جاءت منها الأبنية الثلاثة :
(شرَف) بفتح العين : غلبة في الشرف.
(شر ِف) بكسر العين : الرجل دام على أكل السنام بمعنى غلبت عليه شهوة أكل السنام.
(شرُف) بضم العين : صار ذا شرف : أي في حالة ارتفاع وعلو ثبتت فيه وأصبح يتصف بها (10).
والآن يمكن لأي شخص فقه ما تقدم ذكره أن يتبين معاني الحركات الثلاث ودلالاتها في جمهرة خطب العرب (11).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : التاج 7 / 19 - مادة (حرك).
(2) انظر : نهاية القول المفيد في علم التجويد ص 28، للشيخ محمد مكي نعيم.
(3) نتائج الفكر في النحو للسهيلي ص 83 وما يعدها.
(4) المرجع السابق، ص 83 وما بعدها.
(5) المرجع السابق، ص 83 وما بعدها.

(6) انظر : سر صناعة الإعراب : 26، 27.
(7) انظر : بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية، 2 / 87-88.
(8) الإنصاف في مسائل الخلاف للأنياري، ص 536.
(9) رسالة الصبان محمد بن علي على البسملة، 19 - 32.

(10) انظر مجلة اللسان العربي مجلة دورية ص 66 : 71 المجلد العاشر ـ الرباط، مقال : أحمد الأخضر غزال.
(11) جمهرة خطب العرب، أحمد زكي صفوت، ص 213-214.

 0  0  23540
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:40 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.