• ×

09:20 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ متى ينجح المربي أو المعلم في أدائه التربوي ؟
■ الإجابة باختصار :
عندما يتفهم ويستوعب مرتكزات العملية التربوية، ويستحضرها جيداً في ذهنه قبل وأثناء وبعد انتهاء عمله. أي : حينما يزاوج بين رصيده الفكري الثقافي المعرفي كإطار نظري، وبين جهده الأدائي المهاري كإطار عملي لأن شرارة الإبداع تنقدح لحظة معانقة الطرح النظري التدريب العملي، ومن أهم مركبات العملية التربوية التي ينبغي أن تكون أكثر وضوحاً لدى المربي ما يلي :
1) تحديد الهدف :
من الحصة أو الدرس أو اللقاء التربوي، والمثل المشهور "إذا لم تحدد هدفا تتجه إليه، فقد تتجه اتجاهات أخرى" وبعبارة أوضح قد تنحرف عن السكة، وهذا ينسحب على أمور الحياة كلها ولأمر ما قال تعالى : (واقصد في مشيك) جزء من (آية 19 سورة لقمان) وقد ورد في تفسيرها احتمال المشي بقصد، وأن لا يسترسل استرسال البهيمة، وفي الحديث الشريف : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" رواه مسلم في صحيحه، فكل عاقل ذو ثقافة وعلم وفكر ووعي لا شك ينجز عمله بقصد وعلى بصيرة، ووفق رؤية واستراتيجية. إن الارتجالية في العمل التربوي خاصة غموض وضبابية، وتيه في صحاري مهلكة. تأمل ما قاله الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، أول ما استلم مقاليد الحكم في البلاد قال بصريح العبارة : "سأطفئ نار الفتنة، سأنعش الاقتصاد الوطني، سأرفع راية الجزائر خفاقة" كل عبارة تدل على هدف محدد. إن الذي يتحدث بلغة الأهداف إنسان منظم في شؤون حياته، أما الذي يتحرك دون التزام منهج، أو خطة واضحة، ويبذل جهدا غير منظم وغير هادف، قد يحقق إنجازات لكنها لا ترتقي إلى المستوى المطلوب إلى مستوى الطموحات، فهو لا يحقق إلا النزر اليسير من المردود.
إن أول سؤال يطرح نفسه بإلحاح على ذهن المعلم، قبل مرحلة التقديم، لماذا هذه الحصة ؟ أي ما الذي يتوجب أن يكون المتعلم قادراً على فعله في نهاية اللقاء ؟ ويشترط عند صياغة الهدف الخاص من الدرس جملة من الشروط، نوجزها في المفردات التالية : (الاختصار الدقة الوضوح القابلية للتنفيذ).

2) وضوح المحتوى :
أو المضمون، أي أن ينطلق من نص ما، (مقاربة نصية) بغض النظر عن نوعه، تراثي أو حداثي، علمي أو أدبي، نثري أو شعري حسب المقرر الدراسي، أو البرنامج الرسمي الذي وضعته الوزارة الوصية. إذ لا يمكننا أن ننطلق من فراغ فالأهداف المسطرة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال المضامين المحددة سلفاً فهناك توافق كبير وانسجام وتناغم بين مكونات العمل التربوي الهادف والمثمر، إننا نحكم على تجربة أي نظام تربوي من خلال قراءاتنا المتفحصة لمناهجه التعليمية بصفة عامة، ومن خلال التفاصيل التي تتضمنها هذه المناهج وهذه البرامج.

3) تنوع الطرائق :
يسأل سائل ما هي أحسن طريقة يحبذ اعتمادها والتمرس بها في عمليتي التعليم والتعلم ؟ في الحقيقة ليست هناك طريقة مثلى يمكن الإشارة إليها، فأحسن طريقة ما يتطلبها الموقف التربوي، أو الوضعية التعليمية التعلمية، وما يستوحى من روح المناسبة. وحسب طبيعة النشاط والمادة، والمفاهيم العلمية المدرجة، فمنهجية علوم الطبيعة والحياة مثلاً تختلف عن طريقة التناول في العلوم الإنسانية، والتربية الفنية وما إلى ذلك. والتربية على القيم والأخلاق تختلف عن تدريس الرياضيات فلكل مادة شخصيتها المميزة، وطرائقها وأساليبها ووسائلها، ومنهجيتها الخاصة بها وكلما كان التنويع في الطرائق كان أفضل. أحياناً يجد المعلم أو الأستاذ نفسه مضطراً لاستعمال الطريقة الحوارية التفاعلية، وأحياناً الإلقائية التلقينية الإخبارية، وأحياناً أخرى يوظف الطريقة الاستقرائية الاستنتاجية، وأحياناً أخرى طريقة المهام والعمل بالأفواج، وهكذا دواليك.

4) توظيف الوسائل :
والوسائط التربوية مهم للغاية، وخاصة في التعليم الابتدائي القاعدي، إذ النجاح في الدرس مرهون بتوفير الوسيلة المناسبة، حيث لا ينفع معهم التجريد والترميز، والاستغراق في الطروحات النظرية بل ينفع معهم تبسيط المعارف والمفاهيم العلمية قدر المستطاع، إضافة إلى توظيف الوسيلة في الوقت المناسب، والتدرج معهم من البسيط نحو المركب، ومن المحسوس الجماعي إلى المحسوس الفردي إلى شبه المحسوس، مع ضرب الأمثلة، وتكثيف التمارين والتطبيقات وتنويعها، لتعميق الفهم لديهم.

5) التقييم المستمر :
العمل التربوي يقوم بمعنى تصحيح اعوجاج وتعديل مسار، ويقيم بمعنى إطلاق حكم قيمة، وتثمين الجهود والأعمال والأنشطة، التي ينتجها وينجزها المتعلمون. إذ لا معنى لأي جهد يبذل دون تقييمه والتقييم أنواع (تشخيصي، وتكويني، وتحصيلي) نتمرس به قيل وأثناء وبعد العملية التعليمية التعلمية، وللتقويم التشخيصي والتكويني وظيفتان أساسيتان، أحدهما بيداغوجية وهي الأهم وتعني الوقوف على مواضع الخلل والقصور عند المتعلمين، إن على المستوى الشفهي أو الكتابي أو المهاري، ومحاولة تصحيح الأخطاء وسد الثغرات، فننتقل بهم من حال إلى حال أحسن، من تلاميذ يشكون عجزاً في التحصيل إلى تلاميذ تمكنوا من التحصيل، من نقطة انطلاق إلى نقطة وصول. أما الوظيفة الاجتماعية وتتمثل في معرفة أصحاب المواهب والقدرات الخاصة، والتكفل بهم. أما التقويم التحصيلي أو الختامي فله وظيفة واحدة مؤسسية، ولست مبالغاً إذا قلت : إن كانت الأهداف رأس العملية التعليمية، فإن التقييم روحها الذي يسري في كل أعضائها فهو مهم إلى درجة كبيرة وكل المربين يدركون هذا الأمر. أما ماذا أقيم ؟ وكيف أقيم ؟ ومتى أقيم ؟ ولماذا أقيم ؟ فأسئلة بحث كبرى تحتاج إلى مقام آخر لبسطها ومناقشتها وإثرائها من طرف الإخوة المربين.

6) أهمية اكتساب مهارات وكفاءات :
العمل التربوي لا يكفي فيه مجرد بذل الجهد الواعي الهادف، دون الالتفات إلى نشاط المتعلم والاهتمام بتنمية ملكاته وقدراته العقلية والوجدانية والحسحركية كتنمية القدرة على الاستيعاب في المجال الذهني الفكري بمختلف المعارف (معرفة محضة)، وتنمية القدرة على اتخاذ موقف في المجال السلوكي (معرفة سلوكية)، وتنمية القدرة على الاستخدام (معرفة فعلية) وبمساعدة من المربي، ومن خلال وضعيات ومواقف تعليمية تعلمية، يجند المتعلم معارفه السالفة الذكر، (معارف، مواقف، مهارات) ويدمجها مع بعضها البعض في تناغم وانسجام، وبالدربة والتكرار يكتسب كفاءة قاعدية قابلة للتطوير.

7) إشكال ينبغي أن يزال :
إن المتأمل في الممارسات التربوية الكلاسيكية التي يتمرس بها المعلمون في حجرات الدرس، يجدهم يركزون على المعرفة المحضة ويهملون المعارف الأخرى، أو قل يختزلونها في المعارف المحضة. أي يركزون على صب المعارف وحشو الأذهان، ومطالبة التلاميذ باستظهارها عند الاختبارات ليس إلا. وأي مبرر للاستغناء عن المعارف السلوكية أو المعارف الفعلية ياترى ؟ أليس الإنسان مادة وروح، فكر ومشاعر، بدن وعقل ؟ وهل يعقل أن ينمى الفكر، وتترك العاطفة، ويغفل عن حركات الجسم ؟ وقد ورثنا التصور السالف الذكرسلبيات كثيرة، كعدم قدرة المتعلم على التحليل والتركيب والتقييم، واصطباغ الفعل التربوي بسطحية مقيتة، وجفاء في المعاملة، وعجز فادح في مجال المهارات الحركية واليدوية كما أن لكل مادة أو نشاط طبيعته الخاصة، فتدريس التربية العلمية والتكنولوجية يختلف عن تدريس القواعد، وتدريس هذه الأخيرة يختلف عن تدريس التربية اإسلامية وهكذا، إننا نريده فكرا يحلل، ونفس تزكو، وروح تسمو، ويد تعمل، فهو كالغيث أينما وقع نفع.

8) خاتمة :
العملية التربوية جد معقدة، وليست من السهولة بمكان، خاصة إذا علمنا أنها ليست مجرد خدمة أو مهنة كباقي المهن الأخرى، إنها رسالة وكفى. وإذا كان الفلاح يتعامل مع الأرض، والعامل في المصنع مع الآلة، فإن المعلم والأستاذ وبالأحرى المربي يتعامل مع نفسية وعقلية، مع فكر ومشاعر، مع ذات كرمها الله عز وجل في كل كتبه ورسالاته قال تعالى : (ولقد كرمنا بني آدم ..) (من 70 من الإسراء) حري بمن أوكل الله له هذه المهمة أو الأمانة أن يرتقي إلى مستواها قدوة وأخلاقا فاضلة، ورحمة وعلما وحكمة.
ورحم الله أمير الشعراء شوقي حين قال :
قم للمعلم وفه التبجيلا ● ● ● كاد المعلم أن يكون رسولا

 5  0  2510
التعليقات ( 5 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1432-05-12 07:11 مساءً عبدالله ابوعلي الغوانمة الشوشة :
    وجرب شوقي التعليم ساعة لقضى الحياة بكاء وعويلا
  • #2
    1432-05-12 07:14 مساءً عبدالله ابوعلي الغوانمة الشوشة :
    المعلم جندي مجهول لا احد يهتم به اذا اردنا التقدم علينا البدء من المدرسة والمناهج والاهتمام بالمعلم الذي نستأمنه على فلذات اكبادنا
    وعلى مجتمعاتنا العربية والاسلامية المطالبة بتحسين وضع المعلم وتخفيف الاعباء عنه واحترامه في المؤسسات والدوائر لانه اذا شعر بذلك سينتج لنا جيلا فريدا واما اذا كان العكس فتلك المصيبة لان فاقد الشيء لايعطيه
  • #3
    1432-05-12 07:15 مساءً عبدالله ابوعلي الغوانمة الشوشة :
    ولكم التحية من غزة المحاصرة
  • #4
    1432-05-13 07:10 مساءً فاطمة نجم :
    االى السيدعماري جمال الدين
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    ما تقدمت به في موضوع خواطر مربي (2).هو جد مهم لانك
    لخصت ما يقوم به المعلم او ما يجب القيام به في نقطك السبع.لكن الدي اثار انتباهي هو اتخادك لمقولة الرئيس بوتفليقة:"ساطفئ نار الفتنة...
    سارفع راية الجزائر خفاقة"كمثل يحتدى به,ادا كنا نقول مالا نفعل,وهدا هو الدي ساري به العمل
    ببلداننا العربية. وتجده متفشي بين بعض المعلمين اد يحدد هدفا ولا يحاول الوصول اليه واسلوب هؤلاء اثر في مسارنا التعليمي واصبح الطالب يعاني و المعلم لا يبالي .
    شكرا جزيلا وافدنا من علمك وخبرتك.
  • #5
    1432-05-14 12:22 صباحًا عماري جمال الدين :
    رد على تعليق الأخت فاطمة نجم.
    أختي الفاضلة فاطمة، أشكرك على تعليقك والمشاركة في النقاش التربوي الواعي والهادف والمثمر بإذن الله.وبعد:تقولين بأن استشهادي بمقولة للرئيس الجزائري أمر قد أثار انتباهك، وأننا في العالم العربي نقول ما لا نفعل.أختي الكريمة كل إنسان حر في أن يستشهد بمقولة من يشاء،واعتقادي لو استشهدت بمقولة لنابليون بونابرت ما كان الأمر ليثيرك،وهذه عقدة نقص عند الكثير من المنهزمين ثقافيا ،المنبهرين بحضارة الغرب وهم من أبناء جلدتنا، وأمنيتي أن لا تكوني واحدة منهم.وظني بك لو استشهدت بمقولة للرئيس الأمريكي كندي حين قاللا تقل ماذا قدم لي وطني،بل قل ماذا قدمت أنا لوطني؟)- وهي لا شك مقولة إيجابية، نتبناها جميعا، انطلاقا من الأثرالحكمة ضالة المؤمن، فأنى وجدها فهو أولى بها)- ما كنت لتعترضين علي.على كل حال أختي الكريمة فاطمة.أنا جزائري،من رجال التربية والتعليم،موجه تربوي، أقدميتي العامة في المهنة 32 سنة.مهتم بالشأن التربوي الفكري الثقافي الدعوي.أحاول في هذه الخواطر تقديم بعض الإسهامات التي قد تفيد زملاءنا الأساتذة والمعلمين في الساحة التربوية،واستشهادي بمقولة الرئيس على أساس أنها ثلاث عبارات تحمل ثلاثة أهداف لتأكيد فكرة ضرورة تحديد الهدف التربوي كأول معطى في العمل التعليمي التعلمي ليس إلا،فالموضوع تربوي بحت ولا علاقة له بالسياسة،والمقام مقام تربية وتعليم وأعتقد أنه ليس هناك ما يمنع من الاستشهاد بمقولة أي مثقف أو مفكر أو سياسي عربي أو غير عربي.
    - أما قولك بأن هناك من المعلمين الذين يرسمون الهدف ثم لا يبذلون جهدا في تحقيقه،فأمرهم لا يعنينا وهم مخطئون على كل حال.فالعملية التربوية لها ثلاثة مراحل لا يمكن الاستغناء عن أي منها، وهيالتخطيط -التنفيذ - التقويم)

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:20 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.