في الرد على من أنكر قول : "عفوا" تعقيبا على "شكرا"

طارق يسن الطاهر.
1611 مشاهدة
في الرد على من أنكر قول : "عفوا" تعقيبا على "شكرا".
وردت رسالة في الوسائط هذا نصها : "ملحوظة لغوية هامة .. إذا قيل لك (شكرا) فمن الخطأ أن ترد بكلمة (عفوا) لأن هذا الرد لا يخلو من ركاكة، فكيف تعفو عمن شكرك!
والصواب : أن يكون الرد على كلمة (شكرا) بكلمتي (حبا وكرامة). فلم يرد في لغة العرب (عفوا) بعد (شكرا)، وهو خطأ منتشر بين الجميع وصلاح الحال من صلاح الألسن". ــ انتهى نص الرسالة.
● ● ●
■ وأقول –مستعينا بالله – في تفنيد هذا الزعم :
حجة المنكرين لاستخدام كلمة "عفوا" في الرد على من قال : شكرا، أنك تقول عفوا لمن ارتكبتَ خطأ بحقه؛ فتطلب منه أن يعفو عنك. وأنت لم تخطئ، فلماذا تطلب العفو ممن شكرك؟!
قد ضيّق هؤلاء واسعا، وهم لا يعلمون أن اللغة تنزاح، وفيها من توسيع المعنى الدلالي ما يتسع للكثير.

● العفو لغة : عَفَا يَعْفُو عَفْوًا، فهو عافٍ وعَفُوٌّ، والعَفْوُ هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله المـحو والطمس، وعفوت عن الحق: أسقطته، كأنك محوته عن الذي عليه "لسان العرب لابن منظور".
كما وردت بمعنى الأرض البيضاء التي لم توطأ ولم يمر بها أحد.

● العفو اصطلاحًا : هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب.
وردت في القرآن في مواضع كثيرة بمعاني شتى .. على سبيل المثال :
(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف : 199]. وتفسير "خذ العفو" في الآية : يا أيها الرسول خذ منهم ما سمحت به أنفسهم، ولا تكلفهم ما لا يطيقون.
(ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) [البقرة : 219] أي ما يزيد عن حاجتكم.
(فمن عفا وأصلح فأجره على الله) [الشورى : 40] بمعنى من تجاوز وسامح وأسقط مظلمته ولم يؤاخذ من أساء إليه.
وغيرها كثير بجميع الاشتقاقات.

● في التراث الأدبي وردت في مواضع كثيرة :
بمعنى المكان الذي لم يوطأ. ولم يمر عليه أحد، ولم يَسِرْ عليه كائن. وقد أدرك الشاعر الأخطل هذا المعنى حين قال :
قبيلة كشرك النعل دارجة • • • إن يهبطوا العفوَ لا يوجدْ لهم أثَرُ
أي إنهم قليلو العدد لا يؤثّرون في الأرض؛ فالمكان الذي يحلّون به كأنه لم يوطأ.

ويمضي معنى «العفو» إلى الأرض التي لا زرع فيها. كالأرض الصخرية، فلا يوجد مَن يسير عليها، ولا مَن يزرع فيها. هذان المعنيان يدلان على اندراس الشيء وزواله. وقد جاء ذلك في معلقة لبيد :
عفت الديار محلّها فمُقامها • • • بمنًى تأبّد غَولُها فرجامُها
أي لم يعد يسكنها أحد.

♦ إعرابها :
عفوا :
لها إعرابان حسب أصلها :
• مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره : اعفُ، إذا كانت بمعنى العفو عن الذنب.
• حال منصوب، إذا كانت بمعنى الأخذ من غير كلفة ولا مزاحمة، نحو : تكلمت عفوا.
• أما شكرا فإعرابها : مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره : أشكرك،

إذن يتبين لنا أن قول "عفوا" لمن قال لك "شكرا" مشروع ولا حرج فيه ؛ مثلا قد تكلّف صاحبك أن يشتري لك حاجة، يشتريها ويجلبها لك، فتقول له: شكرا. فإن أجابك: عفوا، فإنما يعني أن تعفيه من الشكر لأنه لم يقم إلا بواجبه تجاهك، على الرغم من أن ما قام به ليس واجبا، بل هو فضل منه وتفضّل. ولكن سموّ نفسه، جعله يعتبر عمله ممحوّا، ولا وجود له كتلك الأرض الجرداء «العفو».
أما البديل الذي اقترحوه في الرسالة، وهو حبا وكرامة، فلا بأس به، ومعناه : هذا العمل ليس واجبا عليه وإنما قام به حبا لك وإكراما، ولكنه لا يمنع الرد بكليهما : عفوا، حبا وكرامة.
والله أعلم.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :