• ×

06:53 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ ما جاء في تفسير القرطبي : باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أو لا ؟
■ لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب; كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط، واختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب; فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب والطبري وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه، وأن القرآن عربي صريح، وما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم، وذهب بعضهم إلى وجودها فيه، وأن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربياً مبيناً، ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه. فالمشكاة الكوة، ونشأ : قام من الليل; ومنه : إن ناشئة الليل (المزمل : 6) ويؤتكم كفلين (الحديد : 28) أي ضعفين. وفرت من قسورة (المدثر : 51) أي الأسد; كله بلسان الحبشة. والغساق : البارد المنتن بلسان الترك، والقسطاس : الميزان; بلغة الروم. والسجيل : الحجارة والطين بلسان الفرس. والطور : الجبل. واليم : البحر بالسريانية. والتنور : وجه الأرض بالعجمية.

قال ابن عطية : فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه، وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات، وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، وكسفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة; فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى (فاطر) إلى غير ذلك. قال ابن عطية : "وما ذهب إليه الطبري رحمه الله من أن اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة فذلك بعيد; بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر; لأنا لا ندفع أيضاً جواز الاتفاق قليلاً شاذاً".
قال غيره : والأول أصح، وقوله : هي أصل في كلام غيرهم دخيلة في كلامهم، ليس بأولى من العكس، فإن العرب لا يخلو أن تكون تخاطبت بها أو لا، فإن كان الأول فهي من كلامهم، إذ (ص : 71) لا معنى للغتهم وكلامهم إلا ما كان كذلك عندهم، ولا يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم، وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة، فإن قيل : ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه. قلنا : ومن سلم لكم أنكم حصرتم أوزانهم حتى تخرجوا هذه منها; فقد بحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحوية، وأما إن لم تكن العرب تخاطبت بها ولا عرفتها استحال أن يخاطبهم الله بما لا يعرفون، وحينئذ لا يكون القرآن عربياً مبيناً، ولا يكون الرسول مخاطباً لقومه بلسانهم، والله أعلم.

■ باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه).
روى مسلم عن أبي بن كعب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف; فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين; فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف; فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا. وروى الترمذي عنه قال : لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل فقال : يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتاباً قط فقال لي يا محمد القرآن أنزل على سبعة أحرف. قال هذا : حديث صحيح. وثبت في الأمهات : البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله في آخر الباب مبيناً إن شاء الله تعالى.

■ وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال :
● الأول : وهو الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبدالله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم : أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو أقبل وتعال وهلم. قال الطحاوي : وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال اقرأ على حرف; فقال ميكائيل : استزده; فقال : اقرأ على حرفين; فقال ميكائيل : استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف; فقال : اقرأ فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة; على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل. وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : للذين آمنوا انظرونا (الحديد : 13) : للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقبونا. وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ : كلما أضاء لهم مشوا فيه (البقرة : 20) : مروا فيه، سعوا فيه، وفي البخاري ومسلم قال الزهري : إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام.
قال الطحاوي : إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم; فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات; ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذ (ص : 53) كان المعنى متفقاً، فكان كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها. قال ابن عبدالبر : فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد.
روى أبو داود عن أبي قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا أبي إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل على حرفين فقيل لي على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معي : قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال : ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعاً عليما عزيزاً حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب. وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر من كلام ابن مسعود نحوه. قال القاضي ابن الطيب : وإذا ثبتت هذه الرواية - يريد حديث أبي - حمل على أن هذا كان مطلقاً ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسما لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف.

● القول الثاني - قال قوم : هي سبع لغات في القرآن من لغات العرب كلها; يمنها ونزارها، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجهل شيئاً منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم; وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطابي : على أن في القرآن ما قد قرئ بسبعة أوجه، وهو قوله : وعبد الطاغوت (المائدة : 60) وقوله : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب (يوسف : 12) وذكرها وجوها، كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف لا كله. وإلى هذا القول - بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، على سبع لغات - ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد : وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذكر حديث ابن شهاب عن أنس أن عثمان قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف : ما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإنه نزل بلغتهم. ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال : نزل القرآن بلغة الكعبين; كعب قريش وكعب خزاعة. قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأن الدار واحدة. قال أبو عبيد : يعني أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم.
قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه : معنى قول عثمان فإنه نزل بلسان قريش، يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش، وقد قال الله تعالى : (إنا جعلناه قرآنا عربيا) (الزخرف : 3) ولم يقل قرشياً; وهذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب، وليس لأحد أن يقول : أنه أراد قريشاً من العرب دون غيرها، كما أنه ليس له أن يقول : أراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر; لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولاً واحداً.
(ص : 54) وقال ابن عبدالبر : قول من قال إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب، والله أعلم; لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطية : معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل القرآن على سبعة أحرف أي فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ، ألا ترى أن "فطر" معناه عند قريش : ابتدأ فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس; حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها; قال ابن عباس : ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى : فاطر السماوات والأرض (الأنعام : 14) وغيرها. وقال أيضاً : ما كنت أدري معنى قوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق (الأعراف : 89) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك; أي أحاكمك. وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى : أو يأخذهم على تخوف (النحل : 47) أي على تنقص لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالكإذ سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة : والنخل باسقات (ق : 10) ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر إلى غير ذلك من الأمثلة.

● القول الثالث : أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مضر; قاله قوم، واجتمعوا بقول عثمان : نزل القرآن بلغة مضر، وقالوا : جائز أن يكون منهالقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضبة، ومنها لقيس; قالوا : هذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب; وقد كان ابن مسعود يحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر. وأنكر آخرون أن تكون كلها من مضر، وقالوا : في مضر شواذ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها، مثل كشكشة قيس وتمتمة تميم; فأما كشكشة قيس فإنهم يجعلون كاف المؤنث شيناً، فيقولون في جعل ربك تحتك سريا (مريم : 24) جعل ربش تحتش سريا; وأما تمتمة تميم فيقولون في الناس : النات، وفي أكياس : أكيات. قالوا : وهذه لغات يرغب عن القرآن بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شيء.
وقال آخرون : أما إبدال الهمزة عينا وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود : ليسجننه عتى حين; ذكرها أبو داود; وبقول ذي الرمة : فعيناك عيناها وجيدك جيدها ولونك إلا عنها غير طائل (يريد إلا أنها).

● القول الرابع : ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال : تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا : منها ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته، مثل : هن أطهر لكم وأطهر، ويضيق صدري ويضيق. ومنها ما لا تتغير صورته ويتغير (ص : 55) معناه بالإعراب، مثل : ربنا باعد بين أسفارنا (سبإ : 19) وباعد ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله : ننشزها وننشرها. ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه : كالعهن المنفوش وكالصوف المنفوش. ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل : وطلح منضود، وطلع منضود. ومنها بالتقديم والتأخير كقوله : وجاءت سكرة الموت بالحق وجاءت سكرة الحق بالموت. ومنها بالزيادة والنقصان، مثل قوله : تسع وتسعون نعجة أنثى، وقوله : وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، وقوله : فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم.

● القول الخامس : أن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال. قال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن هذا لا يسمى أحرفاً، وأيضاً فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تغيير شيء من المعاني. وذكر القاضي ابن الطيبفي هذا المعنى حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة; ومنه قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف (الحج : 11) فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك. وقد قيل : إن المراد بقوله عليه السلام : أنزل القرآن على سبعة أحرف القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة; لأنها كلها صحت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه.

 0  0  2313
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:53 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.