• ×

01:29 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ الإنسان يمر بمراحل في حياته منذ ولادته مروراً بمرحلة الشباب ثم الهرم وإلى أن يلقى ربه تعالى وقد أخذ كل ما كتب له وما كان مقسوماً من رزق وزوجة وذرية .. الخ، ومع ذلك فهو لم يمنع من القيام بتحسين وضعه المادي إلى الأفضل، طالما أنه يقوم بذلك في اطار المباحات التي يزهد بها عن كل ما يوقعه في غضب الله تعالى والذي يفضي إلى محق البركة والعقوبة الدنيوية والأخروية. والعمل الدؤوب لم يخصص لفئة محددة دون الأخرى، فالشاب يعمل، والكهل يعمل والمرأة تعمل في ظل ضوابط الشرع، بل إن البذل مطلوب حتى آخر لحظة من العمر، وهذا ما يلمح إليه الحديث الشريف : (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل) مسند أحمد. والمتأمل في هذا الحديث الشريف قد يعجب للمعنى الذي يقتضيه، إذ كيف يكون طريق العمل والبذل لا يزال مفتوحاً وقد قضي الأمر ؟! ولكن ذلك ما أراده الله تعالى، وقد نستخلص من ذلك النقاط الآتية :
الجد والمثابرة في طلب الرزق الحلال وعدم الاستكانة والاستسلام للكسل، لأن الوقوف عند حد الرضى بالدونية يؤدي إلى الجمود والتكلس في الفكر ونشاطات الجسم ثم إلى المرض والموت المبكر.

الله جل وعلا يعلمنا التجديد ويحثنا عليه، ويعرض لنا ذلك في ذاته تبارك وتعالى وهو يقول : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن : 29)، أي كل ما يختص بالكون من إحياء وإماتة وخلق وتصريف للأمور، وإعزاز وإذلال وتسخير للرزق، كل ذلك يجريه تبارك وتعالى على مخلوقاته، وهو عز وجل قادر على أن يجعل الكون كله على هيئة واحدة ولكنه لم يرد ذلك لحكم نجهلها نحن لأن قصور عقولنا يحول دون أن نعرف الأسباب، إلا ما أراد لنا معرفته فسخر لنا العلم الخاص الذي يدلنا على الحقيقة.

المسلم لا ييأس ولا يقنط من رحمة الله تعالى، مهما ضاقت عليه سبل العيش وتكالبت عليه الهموم، لأن كل حرمان يعيشه الإنسان هو عطاء بذاته، كيف ؟ لم يمنع الله شيئاً عن أحد إلا لعلمه بما هو أصلح له منه، ولم يؤخره إلا لأنه يعلم تعالى متى يكون أنفع له، والإنسان بطبعه عجول ! إلا من وفقه الله ورزقه صبراً يقترب من منزلة الصبر الجميل،أو يبلغه، فلا يضجر ولا يشتكي، بل يشكر الله تعالى ويدعوه، ومن منا لا يريد أن يكون كذلك ؟ ولنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مثال غاية في الجمال والعبرة، عندما كان بصحبة الخضر - عليه السلام - وما كان من الخضر عليه السلام من قتل الغلام الغض، الذي دعا موسى عليه الصلاة والسلام للاستنكار على الفعل، ولكن عندما أبان الخضر له الحكمة من ذلك، أدرك موسى عليه الصلاة والسلام بأن الله تبارك وتعالى هو من أذن للخضر بالقيام بكل ما رآه موسى ومن جملته قتل الغلام، لأن الله تبارك وتعالى هو علام الغيوب، وهو أرحم بعباده وبالأبوين الذين كانا أولى بغلام رحيم عطوف مؤمن بار، من ذلك الذي كان يمكن أن يرهقهما بالطغيان والكفر والعقوق !

الكثير من الناس يظن أنه ببلوغ سن متقدمة هو إيذان بنهاية الحياة وبداية للركود والخمول وقطع الآمال، واستقبال للوجه الآخر من الحياة الذي قد تراكمت عليه التجاعيد والتعرجات ! وكل ذلك غير صحيح، وإن كان مما فيه من الضعف الجسدي والتراجع في القوى وشيء من خيانة للذاكرة إلا أن تلك قد لا تشكل عائقاً بارزاً بالمعنى الواسع للكلمة، فهناك من الناس من تفرغ بعد سن التقاعد مثلاً للقراءة المنظمة أو الكتابة والتأليف، أو بمباشرة عمل تجاري، قد لا يرمي من وراءه الربح المحض ولكن لقضاء الفائض من الوقت حتى لا يقف عرضة لسهام الملل واليأس والتي قد تبث فيه افرازات من الضيق والبرم, لكل ما يواجه من مستجدات قد تكون في صالحه، فيراها نوعاً من التحديات !

المؤمن لديه قبسات من أنوار تشع أمامه لا تفوته وهو حريص على الأخذ منها بقدر ما يستطيع، هي أوقات يبتهل فيها إلى ربه ويتضرع له في سجود طويل، يستلذ فيه بمناجاة خالقه، قد لا يشعر في غير تلك الأوقات بالسعادة والرضى، بالقدر الذي تتنزل عليه رحمات الله في تلك اللحظات، عندها يتجدد نشاطه وأمله، وتزول من على قلبه رواسب الهم والأكدار.
عمر الإنسان قصير بالنسبة إلى الأحداث والتغيرات التي تعتري الحياة، وتعتريه فهو لا يلبث إلا أن يرى بعض الآثار، لأحداث قد بدأت من أزمنة سحيقة، وعلى سبيل المثال : فإن الناظر إلى السماء قد يرى نجوماً تتألق في صفحتها، وهي في حقيقة الأمر قد تلاشت من الوجود منذ مئات السنين ! - بحسب ما توصل اليه علماء الفضاء - وتموت أجيال وتأتي أخرى ويتكرر نفس الحال، والذي نعنيه من هذا، هو محاولة الإنسان المسلم اغتنام الفرص لتذوق مباهج الحياة التي وهبها الله تعالى له، ليترسخ في نفس هذا الإنسان عظم معرفة خالقه جلت قدرته، فيشكره على عظيم فضائله، ويرتقي بحياته لأنه أولى بها، لطالما أنه يحيا في رضا الله، إلى أن يلقاه فيوفيه جزاءه الذي قد أعده له تعالى، من نعيم مقيم في جنات القربات، والله ولي الأمر والتدبير.

 0  0  5046
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:29 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.