قراءة تحليلية في قصيدة "باب الدار" للشاعر طارق يسن الطاهر.


■ النص: باب الدار.
وحين رأيتُ باب الدار سالتْ •=• دموعُ العين في الأنحاء نهرا
وها أنا كنتُ أستبقي حديثا •=• يردد دائما في الروح ذكرى
فقلبي في التوجع ذاب حزنًا •=• وروحي بعد فقد الأم حيرى
فهل لي من حديثٍ أرتجيه؟ •=• فقد ملأ الخواءُ الدارَ طُرا
هنا كانت تصلي الفرض دومًا •=• وتقرأ سورة [الإخلاص] جهرا
وتجلس للسجود -هناك- سهوا •=• وتتلو وِرْدها - في السرِّ- فجرا
هنا تحكي لنا ما قد أتاها •=• يمرُّ حديثها للقلب مَرًّا
وأسمع ضِحكةً في الأفْق تسري •=• فبابُ السعد في الأرجاء مسرى
تُضمِّخ مجلسا بالود تحكي •=• وتنضح في بخور العطر عطرا
تَجَمّعَ حولها من كل صوب •=• وفودُ الناس يلتفون عصرا
فواجعُ، تكتوي كلُّ الحنايا •=• وشوقي يُنبِتُ الآلامَ جمرا
فبيني والحبيبة بضعُ خطوٍ •=• ورِجْلي تبتغي للمشيِ جَرّا
تطول بي المسافة حين أمضي •=• أقدِّم خُطوةً وأجُرُّ أخرى
وأرسم لوحةً بالحب تسمو •=• وأكتب في الهوى سطرًا فسطرا
أتوه وقد علاني الهمُّ دوما •=• وغابت نشوة الأفراح دهرا
فيا وجع القصيدة حين تروي •=• فراقًا صار في الأحشاء مُرَّا
فحسبي أنها أمٌّ رؤومٌ •=• بها تزهو الحياة تتيه فخرا
مضى كلُّ البهاء بلا رجوعٍ •=• كأنْ لم نقضِ في الأفراح دهرا
وغابت نجمة الإسعاد عنا •=• فكيف أطيق بعد الآن صبرا؟
■ طارق يسن الطاهر.

■ القراءة:
تعد قصيدة "باب الدار" للشاعر طارق يسن الطاهر مرثية وجدانية تقطر شجناً وهي نص يعتمد على (نوستالجيا المكان) لاستحضار صورة الأم الغائبة رحمها الله وغفر لها وأسكنها الفردوس الأعلى من الجنة..
يتجاوز الشاعر فيها مجرد البكاء إلى رصد التفاصيل اليومية التي تحولت من عادات بسيطة إلى طقوس تكاد تكون مقدسة
بعد الفراق والرحيل إلى بارئها.

● ويمكننا النظر لهذه القصيدة الرثائية الرائعة من زوايا متعددة:
♦ أولا : العتبة والنص (باب الدار).
اختار الشاعر "الباب" عنواناً ومنطلقاً للرؤية فالباب هو الفاصل بين عالمين: عالم الألفة بوجود الأم وعالم الفقد بعد رحيلها. رؤية الباب كانت هي "المفجر" للعاطفة حيث تحول الجماد إلى استحضار حي للذكريات.
♦ ثانيا : البناء الشعري واللغة.
- البحر الشعري: كُتبت القصيدة على بحر الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) وهو بحر يمتاز بالليونة والقدرة على استيعاب النبرة الحزينة الممزوجة بالتدفق العاطفي مما جعل النص يبدو وكأنه زفرة واحدة ممتدة.
- اللغة: اتسمت بالبساطة والوضوح مبتعدة عن التعقيد اللفظي لتفسح المجال لصدق العاطفة ولتفاعل المتلقي والقارئ.
حيث استخدم الشاعر مفردات ذات طابع واقعي يجعل المتلقي يشعر بالتأثر (الخواء، التوجع، الحيرة، الجمر) لترسيخ حالة الفقد.
♦ ثالثا : ثنائية (الحضور والغياب).
اعتمد الشاعر تقنية الاستحضار البصري والمكاني للأم من خلال ظرفي المكان "هنا"
و "هناك":
- هنا كانت تصلي: استحضار الجانب الروحي والإيماني للأم.
- هناك تجلس: تجسيد للحضور المادي الذي يملأ زوايا البيت.
هذا التكرار لاسم الإشارة يعكس حالة "التيه" التي يعيشها الشاعر فهو يبحث عنها في تفاصيل البيت (سورة الإخلاص، البخور، الضحكة)، لكنه لا يجد سوى "الخواء".
♦ رابعا : الصورة الفنية والخيال.
الصور في القصيدة مركبة تجمع بين الحس والمجرد - سالت دموع العين في الأنحاء نهراً
مبالغة مقبولة في سياق الفقد لبيان حجم الصدمة.
- تضمخ مجلساً بالود:استعارة مكنية جعلت الود عطيراً يملأ المكان مما يبرز دور الأم كجامعة للقلوب ومصدر للأمان الاجتماعي.
- رِجلي تبتغي للمشيِ جَرّا :صورة تشخص العجز الجسدي أمام هول الفجيعة فالقدم التي كانت تسعى للأم بخفة أصبحت الآن ثقيلة بفعل الهم.
♦ خامسا : العاطفة والأثر النفسي.
تتدرج العاطفة من الصدمة (عند رؤية الباب).
إلى الاسترجاع (تذكر تفاصيل العبادة والمجلس) ثم إلى الاستسلام والوجع (الاعتراف بمرارة الفراق).
يظهر الوجع في أوج صورته عندما يصف الشاعر القصيدة نفسها بأنها متوجعة: (فيا وجع القصيدة حين تروي.. فراقًا صار في الأحشاء مُرَّا).
وكأن الكلمات تعجز عن حمل هذا الثقل فتصاب القصيدة بـ "عدوى الحزن" من كاتبها.
♦ سادسا :ا لخاتمة (فلسفة الفقد).
تنتهي القصيدة بتساؤل وجودي حزين: فكيف أطيق بعد الآن صبرا؟! وهو سؤال لا ينتظر إجابة بل يعلن نهاية زمن البهاء واحتجاب نجمة الإسعاد..
الشاعر هنا لا يرى الأم كفرد غادر بل كمنظومة من الجمال والضياء انطفأت برحيلها.

● الخاتمة :
قصيدة باب الدار هي نص رثائي كلاسيكي في بنائه رومانسي في تدفق عاطفته. نجح طارق يسن الطاهر في تحويل البيت من جدران صماء إلى كائن يشاركه العزاء مجسداً برّ الابن في لوعة الكلمات..
وأتقدم بخالص الشكر للشاعر طارق يسن على قصيدة باب الدار فهو نص يفيض صدقاً ويوجع رقياً. وقد وجدت نفسي في خضم هذا التوجع بجميع تفاصيله لأنني مررت به …
شكرًا لأنك ترجمت مشاعرنا التي عجزنا عن وصفها ودامت حروفك منبراً للجمال والوفاء.
■ عبدالصمد زنوم المطهري.