• ×

04:44 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ أهمية انتقال أثر التعلم :
تكتسب ظاهرة الانتقال أهمية بالغة في ميدان التربية، لأن عملية الانتقال تؤدي إلى تسريع التعلم والنضج المبكر للفرد. وكذلك فإن الانتقال يجعل عمليات التفاعل بين الحضارات المختلفة وأشكال التأثير بين أنظمتها المتباينة والاتصال من جميع الأوجه في داخل كل حضارة، ولا سيما عملية نقل الخبرة من جيل إلى جيل أمراً ممكناً.
ولا يكاد يوجد في التعليم موضوع أهم من موضوع انتقال أثر التعلم لأن الانتقال هدف من أهداف المدرسة، ومن أهم مسوغات وجودها، لذا تكمن كفاية التعليم وارتباطه بالبيئة في قدرته على تحقيق الانتقال داخل مؤسساته وخارجها وفي توفير أفضل الشروط الممكنة للوصول إلى هذه الأغراض.

■ تعريف الانتقال :
لانتقال أثر التعلم تعريفات متعددة نذكر منها ما يلي :
1- انتقال أثر التعلم هو تأثير تعلم الفرد لموقف أو لشكل من أشكال النشاط في قدرته على التصرف في مواقف أخرى أو في قدرته على القيام بأنواع أخرى من النشاط.
2- هو تأثير تدريب أو خبرة تعليمية سواء أكانت عقلية أم حركية أم انفعالية في مجال ما على ناحية أخرى أو مجال آخر غير المجال الأصلي الذي جرى فيه هذا التدريب أو تلك الخبرة التعليمية.
ويمكن أن نسوق كثيراً من الأمثلة الدالة على الانتقال نذكر منها ما يلي :
إن تعلم قيادة سيارة من نوع معين يساعد على قيادة سيارة من نوع آخر وبالقدر نفسه من الإتقان تقريباً . كما أننا نستعمل يومياً قدرتنا على القراءة والكتابة في قراءة مواد وكتابة موضوعات لم يتفق أن وقفنا عليها من قبل . ومثل هذا صحيح عن تسهيل دراسة التاريخ فهم المشكلات السياسية الحاضرة.
ولكن نتائج التعلم الماضي كثيراً ما تتداخل مع التعلم الجديدة وتعوقه ومن أمثلة ذلك ما نجده من صعوبة في نطق لغة أجنبية بطريقة صحيحة بسبب الأسلوب الذي تعودناه في نطق الأصوات في لغتنا القومية.
إذاً فإن آثار الانتقال قد تكون إيجابية، وذلك حين يُسهِّل التدريب على وظيفة معينة التدريب على وظيفة أخرى. وقد يكون انتقال أثر التعلم أو التدريب سلبياً. وذلك حينما يعوق التدريب على وظيفة معينة أو نشاط معين التدريب على وظيفة أخرى أو نشاط آخر، ويحدث هذا حينما نبدأ في كتابة لغتين أجنبيتين في وقت واحد. وهناك أيضاً الانتقال الصفري : وهو ما يحدث عندما لا يؤثر التدريب على عمل معين في أداء عمل لاحق أو سابق له.

■ نظرية التدريب الشكلي :
تستند نظرية التدريب الشكلي إلى نظرية الملكات العقلية التي ترى أن العقل مكون من مجموعة ملكات أو قوى عقلية هي : الذاكرة، والمحاكمة، والإرادة، والانتباه، والإدراك، والخيال, والتفكير, والمزاج, والخلق, .. الخ. وهي قوى مستقلة ومنفصلة الواحدة عن الأخرى، ولقد كان فلاسفة التربية يرون أن أهم غرض من أغراض التربية هو تدريب هذه الملكات وتقويتها وشحذها، لأن تدريب الملكات وتمرينها يجعلها قادرة على العمل بكفاية عالية في أي مجال آخر غير المجال الذي تم فيه التمرين والتدريب.
ولذلك لم تكن الموضوعات التي توضع في المنهاج موجودة بسبب المعرفة التي تقدمها والتي يمكن استعمالها فيما بعد، ولكن لقيمتها الترويضية كأدوات لشحذ العقل. وقد نجم عن هذا تدريب وتعليم مواد ومقررات لا تمت بصلة إلى حاجات التلاميذ واستعداداتهم وميولهم.
وبالرغم من أن نظرية التدريب الشكلي قد ثبت بطلانها بالبحوث العلمية الحديثة، وبالرغم من أنها لم تعد مقبولة عند علماء النفس ومعظم المربين في الغرب، فإنها لم تزل تتجلى في عدة أمور منها : إن بعض المعلمين ما زالوا يصرون على تحفيظ طلابهم قوائم وجداول لا علاقة لها بحياة هؤلاء الطلاب الحاضرة أو المقبلة. والتعليم في مدارسنا العربية ما زال متأثراً بهذه النظرة بصورة عامة.
لكن هل يعني ذلك أن العقل لا يمكن تدريبه ؟
إن تدريب العقل أمر ممكن. ولكن هذا التدريب لا يتم بشكل جمبازي، وإنما يتم عن طريق التفكير المنظم المنطقي، ومواجهة المشكلات مواجهة منهجية ونقدية فتعويد التلاميذ عادات التفكير الموضوعي، والتفكير المنظم، والتفكير النقدي، وامتلاك منهج صحيح في تناول المشكلات ومعالجتها هو الذي يساعد على النمو العقلي.
فتدريب العقل في النهاية هو تحسين في التفكير، وهذا يعتمد على اكتساب طرائق التفكير المناسبة . أي العدول عن الاهتمام بمواد معينة إلى طرائق تفكيرية معينة ومناسبة . وهذا الأمر يقع في جوهر العملية التربوية ويشكل النقطة المحورية والأساس في فعالية هذه العملية.

■ الأسس التجريبية لنظرية انتقال أثر التدريب :
إن الأعمال الأولى التي استهدفت التحقق من صحة مزاعم أنصار نظرية الملكات العقلية أو خطئها هي الدراسات التجريبية التي قام بها (وليم جيمس) عام 1890 حول تحسين الذاكرة بالتدريب. وقد عمل من أجل أن يتحقق ما إذا كان التدريب على حفظ عدة مقطوعات شعرية لشاعر ما يزيد في القدرة العامة على حفظ الشعر.
وقد استنتج (جيمس) من هذه التجارب أنه لا يوجد تحسن في قوة الحفظ بسبب التدرب وإنما يعود التحسن في الذاكرة إلى تحسن في طرائق التعلم وأساليب التذكر. وكان هذا احتجاجاً قوياً ضد نظرية الترويض العقلي وفاتحة لبحوث علمية لاحقة أكثر رصانة واتقاناً ودقة وشمولاً، ومن هذه الدراسات والبحوث تلك التي قام بها (ثورندايك) و(دورث) و(سليت) و (فراكر) و (ودروه) وغيرهم.

■ تجارب (ثورندايك) و (ودورث) : (انتقال أثر التدريب في الإدراك) :
استنتج كل من (ثورندايك) و (ودورث) انطلاقاً من تجاربهما أن انتقال أثر التدريب لا يحدث إلا إذا وجدت عناصر متماثلة في الأعمال والمهمات المؤثرة والمتأثرة. وهكذا فإن الملاحظة والحكم لا يمكن أن ينموا نتيجة التدريب على عمل واحد ولا يمكن أن يفيدا على قدم المساواة في الأعمال التي تختلف عن العمل الذي جرى عليه التدريب.

■ تجارب (سليت) : Sleight
أجرى سليت اختباراً لمجموعة أطفال لقياس قدرتهم على التذكر, وأجراه مرة أخرى بعد أن دربهم على حفظ معلومات مختلفة كالشعر والنثر وغيره. وكانت النتيجة : التدريب المتواصل لم يؤد إلى تحسن في الذاكرة، لأن الذاكرة ليس لها وظيفة عامة، وإنما تقوم بوظائف عديدة بحيث يمكن القول : إن هناك ذاكرات عديدة أي أن التحسن في نوع معين من التذكر لا يستدعي حتماً تحسيناً في نوع آخر من التذكر بعيداً عنه.

■ تجارب (ودروث) :
أجرى (ودروث) تجارب قارن بوساطتها بين التدريب المرافق بإعطاء تعليمات عن أحسن طرق الحفظ والتدريب غير المرافق بمثل هذه التعليمات. وقد دلت نتائج هذه الدراسة على أن الانتقال يحصل حتماً عن طريق تحسين طرائق التعلم، وهكذا فإن الطريقة التي يتبعها الفرد في التذكر والحفظ هي السبب الذي يفسر حدوث الانتقال وتقرير مداه ونوعيته، إذ كلما كانت الطريقة المعتمدة في الحفظ قائمة على الفهم وإدراك المعنى أدت إلى نتائج إيجابية في الانتقال وكلما كانت ألصق بالطريقة الآلية والتكرار الحرفي اقتربت آثار الانتقال، من الصفر، وقد تقود أحياناً إلى انتقال سلبي.

■ نظرية العناصر المتماثلة :
قدمها (ثورندايك)، وملخصها أن انتقال أثر التدريب يحدث بين موقف من مواقف التعلم وموقف آخر على أساس ما يوجد من عناصر متماثلة في الموقفين، وكلما زادت هذه العناصر زاد انتقال أثر التعلم وكلما قلت قل هذا الانتقال.

■ موضوعات الانتقال :
إن ما ينتقل من موقف إلى آخر هو كل ما يدخل في الموقف التعليمي ويؤلف كل عناصره أو بعضها. وفي الواقع إن ما ينتقل دوماً هي المعارف والحقائق والمهارات والطرائق والمبادئ والاتجاهات والقيم.
أ- انتقال المعارف : يكون الانتقال بالمعارف إيجابياً حين يتم الانتقال من المعارف التي اكتسبت بعد صوغها على شكل مبادئ وقوانين وتطبيق هذه المبادئ واستعمالها في الحياة اليومية أو في مجال معرفي آخر. وهكذا فحين يساعد تعلم الهندسة على تعلم الفن فإن يكون ثمة انتقال من المعرفة إلى التعلم، وكذلك حين تؤدي معرفة المثل الأخلاقية إلى تطبيقها في الحياة اليومية نقول : إنه حدث انتقال من المعرفة إلى السلوك.
ب- انتقال الطرائق : نقصد بالطرائق أمرين :
1- الطرائق في عمل الأشياء، أو ما نسميه المهارات الحسية الحركية. فالمهارة في الجري مثلاً تساعد على كرة القدم.
2- ونقصد بالطرائق أيضاً الجانب الرمزي والمجرد. كطرائق حل المشكلات، والتفكير المنهجي، واكتساب طريقة البحث العلمي، والتفكير النقدي.
ولقد أجريت تجارب أثبتت نتائجها أن تعلم قذف الكرة باليد اليمنى يسهل تعلم خبرة قذفها باليد اليسرى, وهذا ما يسمى التربية المتصالبة.
ج- انتقال المثل والمواقف : يحدث انتقال المثل الأعلى حين يطبق هذا المثل في أوضاع مختلفة. أي يحدث الانتقال إذا تأثر سلوك الشخص بمثله ومواقفه. فالإنسان قد يعبر عن عطف شديد تجاه الفقراء, ومع ذلك لا يفعل شيئاً من أجل الفقراء، وقد يقوم آخر بالعمل على تأمين حياة كريمة لبعض الفقراء, فنقول إن ثمة انتقالاً في المواقف والمثل حين تتجلى هذه المواقف والمثل في السلوك، أما إذا كان سلوك الفرد غير منسجم مع مثله ومواقفه فإنه يكون قد فشل في نقل هذه المثل والمواقف إلى سلوكه.

■ العوامل المساعدة على الانتقال :
تنقسم العوامل المساعدة على الانتقال إلى عوامل تتعلق بالمتعلم وما يتمتع به من صفات وخصائص، وعوامل تتعلق بطبيعة موضوع التعلم، وعوامل تتصل بطرائق التعلم، وعوامل أخرى. وفيما يلي عرض لأهم العوامل المتعلقة بالمتعلم :
1- التهيؤ أو التأهب : يسمح التهيؤ للمتعلم باستنفار قواه المختلفة والقيام بالتحضيرات المناسبة، بما يؤدي إلى استبعاد عنصر المفاجأة ويدرأ عن المتعلم مختلف أشكال التوتر والقلق الناجمة عنها، ويجعله أقل عرضة للفشل والإحباط، إضافة إلى أن التهيؤ المسبق ينمي الاتجاه الإيجابي حيال العمل ويزيد الثقة في النفس.
2- النشاط الإدراكي وفاعلية التمييز : أعطى الغشتالت للإدراك أهمية كبيرة في عمليات التعلم وفي نواتجها، ذلك لأن إدراك العلاقات التي تؤلف نمطاً أو تركيباً معيناً عن طريق الاستبصار هي التي تحدد مصير التعلم، وما يترتب عليه في المستقبل من احتفاظ ونقل وغيره.
3- الذكاء والقدرات العقلية : يتناسب الانتقال من حيث المدى والنوعية طرداً مع درجة ذكاء المتعلم. فمن الملاحظ أن التلاميذ الأذكياء أقدر على تعلم المبادئ والطرائق، وأكثر قدرة على نقلها وتطبيقها، وبالتالي هم أقدر على تكوين التعميمات وإصدار الأحكام وإدراك العلاقات.
4- الحاجات والدوافع : عندما يعمل التعلم على إشباع الحاجات والدوافع للتلاميذ, وعندما يعمل على تعزيز الأعمال الناجحة ومحو الخاطئة, وعندما يراعي ميولهم ورغباتهم، فإنه يترسخ ويمكن الاستفادة منه ونقله من وضع إلى وضع آخر.
5- مستوى الطموح : يقصد بمستوى الطموح، ذلك المستوى أو الهدف الذي يرسمه الفرد لنفسه، ويسعى إلى الوصول إليه . وهناك علاقة بين مستوى الطموح والإنجاز المدرسي. فكلما كان مستوى الطموح أعلى كما هي الحال عند الطلاب المجدين انعكس ذلك إيجاباً على العمل المدرسي، والذي يعد الانتقال أحد مظاهره الهامة .
6- الموقف من التعلم : يعد موقف الطالب من المدرسة والموضوعات المدرسية ذا شأن هام في عمليات التعلم والاحتفاظ والانتقال . فعندما لا يقدِّر الطالب العمل المدرسي, ولا ينظر إليه باحترام فإنه من غير الممكن أن يستفيد من المدرسة الفائدة المرجوة، وبالتالي فإنه لا يستطيع أن ينقل ما تعلمه في المدرسة إلى الحياة خارج المدرسة . لذلك يجب تكوين اتجاه إيجابي لدى الأطفال نحو المدرسة والموضوعات الدراسية، ونحو كل الفعاليات التي يقوم بها التلاميذ في المدرسة وربط ذلك كله بضرورة الإعداد للحياة المقبلة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منصور, علي : التعلم ونظرياته . مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية, منشورات جامعة تشرين, اللاذقية, 1421هـ-2001م.

 0  1  24480
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:44 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.