■ النص:
هل تذكرين الوعدَ أمْ متناسيهْ = ملّ اللقاءُ من الوعود الواهيهْ
ما حيلةُ المشتاقِ غيرَ دموعهِ = فقد الصباحِ حنينهُ ومراميهْ
وأتى المساء تجرّهُ آلامهُ = وسماؤنا يا ليل كانت غافيهْ
وسرى النسيمُ بعطرها فأصابني = سهمٌ توجّهَ من كنانةِ كاذيهْ
فهرعتُ أبحثُ والظلام يلفّني = لكنها سبقتْ نداءَ أياديه
عجبي على سهمٍ تخضّبَ وارتوى = مني ولم يسمع حنين مناديه
قمرٌ بدا والبدر ضمّ سحابةً = متدثرًا خجلًا وغاب علانيهْ
أعيا الظلامَ ضياؤها فتبسّمتْ = ولّى الظلام فأشرقتْ في ثانيهْ
لله ما عيني رأتْ أحقيقةٌ = قمرٌ أرى يمشي هناكَ أماميهْ !
قمرانِ قد لبس السحابةَ واحدٌ = أما الأخير هنا وعيني واعيهْ
قمرٌ قطفتُ الورد من وَجناتهِ = وعصرت من شفتيهِ دمع لياليهْ
ونسيتُ كل مرارةٍ قد ذقتها = لمّا تكلّم.. ما فطنتُ لحاليهْ
فكأنها الدنيا وكل نعيمها = دلفتْ فؤاديَ عانقتْ أحضانيهْ
ومضى الظلامُ.. كذا مضتْ أيامهُ = وتكلمتْ من صمتها أحلاميهْ
وتبسّمتْ كل الحروف كأنها = تشدو.. وكان اللحن من ألحانيهْ
من أنتِ يا ذات الدلال ؟ سألتها = فتبسّمتْ.. أنا كاذية.. أنا كاذيهْ
■ الشاعر الدكتور / حسن الأمير.
■ القراءة:
بث الشاعر مشاعره، ونثر رؤيته عن هذه الـ"كاذية" وأجرى معها حوارا، استمع لها وحدثها، وبادلها الإحساس، وشخّصها؛ حيث تعامل معها بوصفها إنسانا يحس ويشعر، ويعقل ويدرك، ويسأل ويجيب، ومارس معها أنسنة الطبيعة في أبهى صورها.
عنوان القصيدة "كاذية"، وكاذية وكاذي هو اسم علم عربي، يشير إلى زهر، وأيضا يُقصد به دهن عطري طيب الرائحة، وشجر عظيم من الفصيلة الكاذية، رائحة زهره جميلة، كما يُطلق الكاذي –أيضا- على اللون الأحمر.
مطلع القصيدة يجعل المتلقي متشوقا لمعرفة ما سيلي؛ إذ يبدأ شاعرنا قصيدته متسائلا: هل تذكرين الوعدَ أمْ متناسيهْ
وذلك يجعل المتلقي ينتظر جواب الاستفهام، ويتحرى إجابة السؤال، لـيكمل – بعدها -النص وهو في شوق عارم لمعرفة ما يلي ذلك.
برع الشاعر في دقة اختيار المفردات، ومن ذلك كلمة "متناسية" بمعنى ادّعاء النسيان، ولم يقل: "ناسية"؛ لأن النسيان يغلب على الفرد دون تعمد، وحينئذٍ يُعذر، أما التناسي فيكون تعمّدًا، ولا يُعذر صاحبه.
حشد الشاعر في نصه عددا كبيرا من الصور البلاغية ومنها:
الاستعارة في قوله:
ملّ اللقاء
إذ شبه اللقاء بإنسان، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو "ملّ" على سبيل الاستعارة المكنية.
وأيضا:
وتبسّمتْ كل الحروف
و
ومضى الظلام
ولعل من أروع الصور تلك التي جاءت في قوله:
وأتى المساء تجرّهُ آلامُه
وسماؤنا يا ليلُ كانت غافيهْ
وغيرها كثير في النص.
واستخدم الشاعر أسلوب القصر على طريقة النفي والاستثناء كما في قوله:
ما حيلةُ المشتاقِ غيرَ دموعهِ
وهنا استثناء مفرغ خرج إلى معنى الحصر
أي حيلة المشتاق دموعه
كما ورد القصر بصيغة أخرى، وهي تقديم ما حقه التأخير، كما في قوله:
أعيا الظلامَ ضياؤها فتبسّمتْ
فقدم المفعول به "الظلام" وأخّر الفاعل "ضياؤها"
وأيضا في:
لبسَ السحابةَ واحدٌ
والحصر والقصر يفيدان الاهتمام والتخصيص، فهنا يقول الشاعر الدموع هي حيلة المشتاق، ولا حيلة في يده غيرها.
ووردت الكناية أيضا، ومنها كناية عن موصوف، كما في قوله" ذات الدلال":
من أنتِ يا ذات الدلال ؟ سألتها
فتبسّمتْ.. أنا كاذية.. أنا كاذيهْ
حفل النص بعدد مقدر من الحقول الدلالية ومنها الحقول الدلالية للزمان، ومن ذلك ( الصباح – المساء – ليل...)
والطبيعة : ( الظلام – قمر – النسيم – السماء ...).
وتناوُل الحقول الدلالية المتعلقة بالطبيعة أمر موفق، وذكاء من الشاعر؛ إذ إنه يتحدث عن "كاذية" فمن الحصافة أن يتوافق هذا مع ذاك.
وظف الشاعر التضاد كثيرا بما يخدم المعنى ويؤدي إلى توضيحه وذلك كما بين: الصباح والمساء/ والظلام والضياء/ بدا وغاب..
كما استخدم الترادف الذي يؤكد المعنى كما بين: القمر والبدر/ وسرى ومضى..
والتكرار الذي يؤكد المعنى ويثبته أكثر فقد كرر كلمة "قمر" ثلاث مرات في ثلاثة أبيات متتالية.
جاءت القصيدة على بحر الكامل التام، بتفعيلته "متفاعلن" المتكررة ثلاث مرات في كل شطر.
ويحدث فيها الإضمار -أحيانا- وهو تسكين الثاني المتحرك فتصبح متْفاعلن، والإضمار من الزحافات الجائزة والمقبولة والمستحسنة.
هل تذكرين الوعدَ أمْ متناسيهْ
هل تذكري نلوعدأم متناسيه
/0/0//0 /0/0//0 ///0//0
متْفاعلن متْفاعلن متَفاعلن
والكامل من البحور المرنة سهلة الاستعمال، وإيقاعه متميز وواضح.
تنوعت الأساليب في النص بين الأسلوب الخبري والإنشائي
وخير مثال لهذا التنوع والمزج هو مطلع القصيدة:
هل تذكرين الوعدَ أمْ متناسيهْ
ملّ اللقاءُ من الوعود الواهيهْ
حيث استخدم الأسلوب الإنشائي الطلبي، وهو الاستفهام في الشطر الأول ثم الخبري في الشطر الثاني.
ولم يغب الإنشاء غير الطلبي المتمثل في التعجب كما في قوله:
لله ما عيني رأتْ أحقيقةٌ
وكما بدأت القصيدة بالاستفهام خُتمت به، وهذا آخر بيت منها:
من أنتِ يا ذات الدلال ؟ سألتها
فتبسّمتْ.. أنا كاذية.. أنا كاذيهْ
وغلب الأسلوب الخبري على الإنشائي في النص، وهذا منطقي؛ لأن فكرة القصيدة كما أسلفتُ قائمة على وصف مشاعر الشاعر، وبيان أحاسيسه تجاه" كاذية".
كما تنوعت الجمل في النص بين الاسمية كما في:
وسماؤنا يا ليل كانت غافيهْ
قمرٌ بدا والبدر ضمّ سحابةً
من أنتِ يا ذات الدلال ؟
والفعلية كما في:
وأتى المساء تجرّهُ آلامهُ
وسرى النسيمُ بعطرها فأصابني سهمٌ
فهرعتُ أبحثُ والظلام يلفّني
وبرزتْ غلبة الجمل الفعلية على الاسمية، وهذا موفق من الشاعر، فالنص حركي، وموضوعه يستدعي ذلك، فالجملة الفعلية -كما هو معروف- توحي بالتجدد والحدوث، خلاف الجمل الاسمية التي توحي بالثبات، وقد وظفها الشاعر حسبما يقتضيه السياق ويفرضه المعنى، فكان الشاعر حصيفا في اختياراته، دقيقا في استخداماته، فأدرك المعنى المطلوب، واختار له ما يناسبه؛ ليعبر به عنه.
وقد أضاف الأسلوب الحواري حركة مستمرة للنص، ومنحه دهشة غالبة كما تمثل في:
من أنتِ يا ذات الدلال ؟ سألتها
فتبسّمتْ..أنا كاذية .. أنا كاذيهْ
وظف الشاعر الظواهر الصوتية في نصه، ومن ذلك حشد عددا من الحروف ذات الخصائص المتطابقة، مثل حرفي السين والصاد في قوله:
و سرى النسيمُ بعطرها فأصابني
سهمٌ توجّهَ من كنانةِ كاذيهْ
والسين والصاد من حروف الهمس والصفير التي تمنح جرسا موسيقيا أنيقا يمتع الأذن ويبهج النفس.
وفي بيته الرائع هذا:
لله ما عيني رأتْ أحقيقةٌ
قمرٌ أرى يمشي هناكَ أماميهْ !
ذكّرني ببيت لي في قصيدة عن مدينتي "كَسَلا" بعنوان "زهرة الأفياء"؛ حيث جعلتُ البدر يمشي أيضا، كما فعل شاعرنا في صورتين تتناصان معا؛ حيث قلت:
والشمس من قُنن الأجبال مطلعها
والبدر في أرضنا يمشي على قدمِ
■ هذه وقفات -ليست كافية- حول هذا النص المتفرد، أرجو أن تكون قد أرسلت إشارات لمزيد من القراءات المتأنية، والوقفات العميقة، فهو نص عميق لشاعر متفرد يستدعي التحليل أكثر.