• ×

04:59 صباحًا , الخميس 5 ربيع الأول 1439 / 23 نوفمبر 2017

◄ الكمال الميت.
يخطئ البعض إذ يظن أن الاستعداد العادي مع درجة كبيرة من التدريب المتواصل قد يهيئ صاحبه إلى ظهور موهبة لديه وبالتالي نستطيع أن نطلق عليه موهوباَ، هذا ما يذهب إليه الكثير ممن اعتنقوا الفن التشكيلي كستار يغضي على نفوسهم المريضة بداء العظمة والغطرسة والبحث عن الذات وما تحبه من أنانية، ساعدهم في هذا الكم الهائل من الأساليب والمذاهب الفنية الحديثة التي تفي في الكثير من الأحيان باحتياجات هؤلاء المعنيين من تغطية على إمكانياتهم المحدودة في التعامل مع الأثر الفني مع ما يتخذونه من شعارات لفظية لعبارات رنانة وجمل متشدقة يطلقونها كعيارات طائشة على كل من يحاول الاقتراب أو فهم ماهيتهم الفنية، حاملين على صدورهم نياشين الموهبة الفذة وما يقدمونه من إبداعات لا تصل إلى فهم المشاهد أو إعجاب الناقد، في غمرة غياب الوعي الفني الصادق والفهم الحقيقي للموهبة الفنية، التي هي نوع من الفوارق الفردية التي لا غنى عنها في المجمع لما لها من إفرازات إبداعية ترفع من شان الثقافة والفكر والتطور لهذا المجتمع لمواكبة تحديات العصر، وهي قدرة غير عادية وهبها الله سبحانه وتعالى لإنسان معين ذا صفات وقدرات خاصة قال تعالى (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخرياَ ورحمت ربك خير مما يجمعون) (سورة الزخرف : 32).
والحقيقة إن الاستعداد العادي والتدريب المتواصل قد يهيئ صاحبه لاجادة أو حبكة صنعة، ولكن هذه ليست موهبة، بل هي الوصول بالاستعداد إلى حد أقصي من الممارسة العملية المستمرة في إتقان صحيح جاد لأصول الصنعة الفنية، فبعض الشباب يستطيع أن يصقل إنتاجه وبحذقه ويوصله إلى نوع من الإتقان في الإخراج والحبكة الصناعية بحيث يجده كاملاَ في إنتاجه من ناحية الإحكام في استخدام الأصول الفنية ولكن هذا النوع كتفسير للموهبة يمكن التشكيك فيه لأنه لا يستند في جوهره على إدراك مميزات الشخصية وإنما يحاول أنصار هذا التفسير تقنين النتائج في صور من المهارة التكنيكية المحكمة أو الأداءات الحرفية الصناعية.

إن ما نسميه بالكمال الميت وهو ممارسة الأصول الفنية دون مساهمة شخصية أو توفر العوامل التي تمثل التجربة الجمالية الفردية، ويصب العمل أداء من غير روح أو فهم من غير إحساس، ويخرج بهذا عن كونه موهبة أصيلة. إذا فليس معنى الموهبة هي القدرة الأدائية أو الحبكة الفنية التي لها مقاييس وقوانين تدرس، وليست هي المقدرة الفائقة في النقل والمحاكاة للواقع بكل تفاصيله الدقيقة أو نوع من الحذق في الصنعة، بل هي القدرة على التعبير والاستيعاب السريع للمدركات ومعالجة الأشياء ووضعها في صياغات وتركيبات جديدة لها منطلق يطابق إلى حد كبير الشيء الذي نقلت منه ولها شخصيته المستقلة للفرد وأصالته الذاتية، وقد تقل وتنمو هذه الموهبة بالثقافة والاطلاع الدؤوب، حيث يقول في هذا الصدد الدكتور البسيوني (إن الموهبة الفنية بدون ثقافة لا جدوى منها بل لابد أنها تتعطل أو تنحرف أو يردد صاحبها محفوظاته ترديداَ آليا بدون نمو، ولكن الثقافة إذا أتيحت لأي مستوى من الاستعدادات فأنها حتماَ ستؤثر فينم هذا الاستعداد وتوسله على القدر الذي يتناسب معه وتفتح آفاق جديدة قد لا تخطر ببال صاحب الموهبة أو أستاذه، فالثقافة معين لا ينضب لتنمية الموهبة).
فالموهبة الممتزجة بالثقافة الفنية يكون صاحبها قادراَ على التطور بأدائه الفني والارتقاء إلى مستوى مميز ولديه القدرة على حل مناسب للمشكلات والمعضلات التي تواجهه أثناء عمله الفني، ولو اقتصرت الموهبة الفنية على الحبكة الصناعية أو الإجادة الأدائية لأصبح جميع الناس مبدعين وغدا الفن شيء من الممارسات اليومية المعتادة.
 0  0  1879
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )