• ×

10:47 صباحًا , الإثنين 4 شوال 1439 / 18 يونيو 2018

◄ القرآن والمجتمع «9» : التجارة مع الله عز وجل.
التجارة عمود البناء المجتمعي، فهي ليست مدخلا اقتصاديا فحسب، بل هي تعزيز حضاري ومسْتجْلب فكري، يرفع الأمم ويجعلها في موضع السيطرة وكراسي السلطة والهيمنة، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى التجارة في القرآن الكريم في أكثر من موضع وبأكثر من صورة، وتناولنا لها هنا كونها علاقة إنسانية ترتبط بالمجتمعات وتعطي مؤشرا واضحا على مكوناتها، وقبل أن يذكر الله التجارة حذّر ونهى عن التعاملات المشبوهة القائمة على الابتزاز واستغلال حاجات الناس وضعفها.
قال تعالى : (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) تشبيه مخيف ينقل الإنسان من حالة الاتزان إلى حالة الانهيار النفسي والعصبي والبدني، نتاج التطاول على قوانين الله عز وجل في أرضه، فالجرأة على تحليل الحرام لا ينجم عنها مجرد الارتكاب للخطأ، بل سيتطور الأمر إلى دفاع عنه وترويج له وتزيين ارتكابه، وهذه مسألة متكررة قد نلحظها في كثير من التعاملات التي تأخذ صيغة الإباحة قسرا.
قال تعالى : (وأحل الله البيع) حث وتوجيه لفتح آفاق بديلة منتجة تقوم على الكد والاكتساب، وهذا حال الدين مع الناس يوجههم لمنافعهم ولما فيه توظيف لطاقاتهم وقدراتهم، فالتجارة عمل وحراك وتخطيط يختلف تماماً عن الركون الذي نشهده والذي يمارس أحيانا باسم التجارة، فهنا تضاد تام بين التجارة النافعة وبين الربا الماحق، وهناك تجارة أسمى وهي التجارة مع الله عز وجل (ويربي الصدقات)
إن لتفشي الربا قطبان أساسيان، قطب الحاجة لدى طالب المال وقطب الطمع لدى المرابي، وأوعز القرآن الكريم لقارئه بالحلول التكافلية والتي تضمن توفير الحاجة وسد أبواب الطمع، من خلال القرض الحسن والعطاء المتزن القائم على حفظ الحقوق وأداء الأمانات، فصاحب المال الفائض لن يستخدمه دفعة واحدة وهي فرصة كي ينتفع به غيره منفعة مؤقتة تجلب له سببا من أسباب الرزق أو تغلق بابا من أبواب اليأس.
قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) آية الدين ورد فيها القواعد القانونية والتي تكفل حق الطرفين وتجعل المداينة معاملة متداولة بين أفراد المجتمع، فورد فيها المكاتبة والشهادة والاستدعاء للأداء، وتم التنبيه إلى ضرورة نبذ المجاملات التي تجلب الضرر وتغلق بابا من أبواب الخير، كلها تعاملات مجتمعية راقية تحرص على توفير الاستقرار.
قال تعالى : (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مَقْبُوضَة) إقرار لأسلوب ائتماني تم إغفاله في واقعنا الاقتصادي رغم جدواه ومنافعه القائمة على مبدأ عدم الإضرار، وتوجه لإيقاظ النفس البشرية السوية (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته) فما أروع هذا الدين الذي اهتم بكل هذه التفاصيل والذي حرص على صناعة مجتمع حضاري واعٍ.
■ اللهم اجعلنا شهداء بالحق وللحق أينما كنا.
 0  0  2600
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:47 صباحًا الإثنين 4 شوال 1439 / 18 يونيو 2018.