• ×

05:27 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ في السنوات الاخيرة ابتعد الاطباء النفسيين وعلماء النفس عن استخدام مصطلح المرض النفسي واستبدلوه بمصطلح الاضطراب النفسي، فلا يتحدثون عن امراض نفسية وإنما اضطرابات نفسية، لماذا ؟ تعبير مرض نفسي يحمل الكثير من الكنايات والمعاني السلبية في المجتمع والتي لا تساعد المريض، وهنا أيضاً لابد أن نفرق بين ثلاث مصطلحات : المرض، العلة، والوصمة الاجتماعية، العلة هو ما يراه الطبيب، والمرض هو ما يراه المريض، والوصمة هي ما يراه المجتمع.
فالعلة هي التفسير الطبي لحالة جسم الشخص، فمثلاً قد يجد الطبيب أن السكر أو الضغط عالي عند شخص ما مع إنه لا يشتكي من أي اعراض، فيحدث كثيراً أن يجد الطب أن الشخص يعاني من علة في جسده مع أنه لا يشعر بأي خلل.
المرض هو ما يشعر به المريض، كأن يشعر بصداع أو دوخة أو ألم، فهو يشعر أنه مريض وليس على ما يرام، فيذهب إلى الطبيب وقد يجد الطبيب العلة وقد لا يجد به أي علة، فكم مرة زار شخص الطبيب شاكياً من الآم في الجسم ويخبره الطبيب بعد الفحص أنه بخير ولا يوجد عنده مرض ! فلا بد أن نعرف أن هناك فرق بين ما يشعر به المريض وما يراه الطبيب، فليس كل العلل لها اعراض يشعر بها المريض وليس كل الاعراض هي لعلل واضحة، فقد يشكي الشخص من اشياء جسمية ناتجة عن مشاكل نفسية.
أما الوصمة الاجتماعية فهي ردة فعل المجتمع لمرض الشخص ونظرتهم له، فردة فعل المجتمع لمريض السرطان تختلف عن ردة فعله لمريض الإيدز أو للمريض النفسي، فكل مجتمع لديه تراث ثقافي يفسر به اسباب الامراض المختلفة ومدى مسؤولية الشخص عن حدوثها والمعاني الاخلاقية أو الدينية المرتبطة بها، فالاعتقاد السائد هو أن مريض السرطان بريء وغير مسؤول عن حدوث مرضه عموماً بينما يلام مريض الإيدز على سلوكه ويلام المريض النفسي على ضعفه أو ضعف إيمانه أو تفسر حالته على أنها مس أو عين أو غيره، وكثير من هذه التفسيرات خطأ ولكنها متوارثه في المجتمع، فكم من طفل اصيب بالإيدز، وكم من زوجة عفيفة نقل لها زوجها المرض، فالإيدز مثال للامراض التي تتداخل فيها الاحكام الدينية مع الاخلاقية مع الطبية، وفي مثل هذه الحالات يعاني المريض من الوصمة الاجتماعية بالاضافة لمعاناة المرض نفسه، ونتيجة خوف الشخص من هذه الوصمة فإنه لا يزور الطبيب للكشف عن الحالة كما يحاول بكل جهد أن يبعد الوصمة عن نفسه بانكار وجود المشكلة حتى لو ظهرت اعراض عليه، وللمرض النفسي مثل هذه الوصمة خصوصاً في المجتمعات العربية، وذلك ناتج عن ضعف الثقافة النفسية وتقاعس الاعلام والمدارس عن توعية المجتمع بالمشاكل النفسية، فكثير من السلوكيات الغريبة من حولنا والتي لا نفهمها أو تزعجنا هي مجرد اعراض لاضطرابات نفسية معروفة عند الاخصائيين ولكن غائبة عن المجتمع لنقص الثقافة النفسية، فالتفسيرات الاخلاقية لانحراف السلوك غير كافية احياناً ولا بد من وضع احتمال وجود اضطراب نفسي وراء السلوك، فقلة من المرضى النفسيين "يكلمون انفسهم" ويمشون في الشوارع بملابس ممزقة، فغالبية من يعانون اضطراباً نفسياً هم اناس عاديون، اذكياء وخيرون ويشاركون بشكل عادي في بناء المجتمع ولكنهم يعانون لفترة ما من اضطراب في احد الجوانب التي يمكن في حالات كثيرة علاجها، فكلمة اضطراب توحي بان الخلل مؤقت بينما كلمة مرض قد توحي باستمرارية المشكلة، فلا بد من ازالة هذه الوصمة حتى يمكننا بناء مجتمع صحيح، يعرف كيف يفسر مشاكله ويعالجها ويمنعها قبل أن تستفحل وتنتشر في المجتمع وتظهر وكأنها أمور عادية وهي في حقيقة الأمر امراض عقلية ونفسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. ماجد عشي .

 0  0  3558
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:27 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.