• ×

11:06 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ الشرك بالله.
المشرك يكذب حاله وعمله قوله، فإنه يقول : لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله ! ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضب لله ! ويستبشر بذكرهم ويتبشبش بهم، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات وكشف الكربات وقضاء الحاجات وأنهم باب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحن قلبه وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده، لحقته وحشة وضيق وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك (1) .
رأينا والله منهم هذا عيانا ورمونا بعداوتهم وبغوا لنا الغوائل والله مخزيهم في الدنيا والآخرة.
ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم : عاب آلهتنا فقال هؤلاء : تنقصتم مشايخنا وأبواب حوائجنا إلى الله تعالى ! وهكذا قال النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، لما قال لهم : إن المسيح عبدالله، قالوا : تنقصت المسيح وعبته ! وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد تقصد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله، قالوا : تنقصت أصحابها ! فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً) (الكهف : 17).
وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعا قطعا يعلم من تأمله وعرفه : أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا، فهو : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون)َ (العنكبوت : 41).
فقال تعالى : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ {22} وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سبأ : 22 - 23).
فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع : إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكا، كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له، كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا متنقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواداه لمن عقلها.
ولعمر الله، إن كان أولئك قد خلوا وذهبوا، فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان.

● القسم الثاني من الشرك (الشرك الأصغر) :
كيسير الرياء والتصنع للخلق ... والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من حلف بغير الله فقد أشرك) (2)، وقول الرجل للرجل : ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنا، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وبأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل قال له : ما شاء الله وشئت : أجعلتنى لله ندا ؟! قل : ما شاء الله وحده)(3) ، وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/ 418 420) .
(2) : رواه أحمد (2/34و58 وغيرهما)، وأبو داود (2/242)، والترمذي (4/110) وحسنه .
(3) : رواه أحمد (1/224 و 283 و 347) وابن ماجه (1/684) وحسنه الألباني في الصحيحة (/216) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1466
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:06 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.