• ×

11:07 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ إن مما لا يخفى على كل ذي لب أن المرأة هي العمود الفقري للأسرة، وكما قيل : وراء كل عظيم امرأة تربى في حجرها.
إن عمل المرأة في بيتها إن ظنه البعض صغيراً فهو كبير تلتقي فيه كثير من التخصصات ويحتاج لما تحتاج له دول، يحتاج للعلم والفكر، يحتاج الدقة، يحتاج الإدارة، يحتاج الاقتصاد، يحتاج الرقة والإحساس، يحتاج لسمو المبادئ.
إن المرأة التي تنظر لعمل البيت نظرة استصغار لدليل على أنها لم تفهمه حق الفهم، ومن ثم لن تقوم به، كذلك الذين يرون أنها معطلة في بيتها إما أنهم لا يفهمون هذا العمل، أو أنهم يفهمونه ولكن في قلوبهم مرض.
هل يصح أن نقول : إن المرأة إذا تفرغت للعناية بالأسرة تبقى معطلة ويخسر المجتمع نصف طاقاته ؟
إن العمل في اللغة : هو المهنة والفعل، يقال : عمل عملاً أي فعل فعلاً عن قصد وفي الاقتصاد هو مجهود يبذله الإنسان لتحصيل منفعة [1].
وبتأمل عمل المرأة المنـزلي نجده يدخل ضمن مفهوم العمل بمعناه اللغوي والاقتصادي، بل إن الاقتصاديين يعدون صراحة العمل المنـزلي عملاً منتجاً، حيث يقول الدكتور عبدالرحمن يسري أحمد : (إن إهمال تقدير خدمات وأعمال ربات المنازل عند حساب الناتج القومي يؤدي إلى كثير من المغالطات) [2] ويؤكد التقرير الصادر من الأمم المتحدة عن القيمة الاقتصادية لعمل المرأة في البيت فيقول : (لو أن نساء العالم تلقين أجوراً نطير القيام بالأعمال المنزلية، لبلغ ذلك نصف الدخل القومي لكل بلد، ولو قامت الزوجات بالإضراب عن القيام بأعمال المنزل لعمت الفوضى العالم : سيسير الأطفال في الشوارع، ويرقد الرضع في أسرتهم جياعاً تحت وطأة البرد القارس، وستتراكم جبال من الملابس القذرة دون غسيل، ولن يكون هناك طعام للأكل ولا ماء للشرب. ولو حدث هذا الإضراب. فسيقدر العالم أجمع. القيمة الهائلة لعمل المرأة في البيت).
ويمضي التقرير فيقول : (عمل المرأة المنزلي غير منظور لدى الكثيرين. وإن المرأة لا تتلقى أجراً نظير القيام بهذا العمل. إن هذا العمل حيوي وعلى جانب عظيم من الأهمية. غير أن هذه الساعات الطويلة من عناء المرأة لا يدركه الكثيرون لأنه بدون أجر).
ثم يقول التقرير : (إن المرأة لو تقاضت أجراً لقاء القيام بأعمالها المنزلية لكان أجرها أكثر من 14500 دولار في السنة. وإن النساء الآن في المجتمعات الصناعية يساهمن بأكثر من 25% إلى 40% من منتجات الدخل القومي. بأعمالهن المنزلية) [3].
ولكي نجعل الأمر أكثر وضوحاً نتساءل عن رأي أصحاب هذا المصطلح في المربيات والخادمات ممن يعملن بأجر في المنازل هل يشملهن مفهومهم للعمل أم لا ؟
وأحسبهم لا يجيبون إلا بنعم لذا فإننا نقول : إن المرأة في بيتها تقوم بكل هذا وزيادة، فلماذا لا يشملها مفهوم العمل عندهم ؟ [4].

■ وبقاء المرأة في بيتها له ثمراته العظيمة .. فمن تلك الثمرات :
1 ـ طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم :
إن أعظم ثمرات بقاء المرأة في بيتها أنها أطاعت بذلك ربها، ونفذت أمر رسولها صلى الله عليه وسلم، فالتوجيهات الشرعية أوصت أن تبقى المرأة في بيتها، وتتولى رعاية مملكتها، وتدبير شؤونها، وقد وعد الله تعالى بالأجر العظيم لمن أطاع.
ويكفي أن نعلم قول الله تعالى : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء : 69) فأي منزلة أسمى من هذه المنزلة، وأي رفعة أعلا من هذا المكانة ؟ أن يكون الإنسان مع صفوت خلق الله تعالى، وخيرته من خلقه.

2 ـ القيام بحقوق المنزل :
قرار المرأة في عرين وظيفتها الحياتية - البيت - يكسبها الوقت والشعور بأداء وظيفتها المتعددة الجوانب في البيت : زوجة، وأمـَّا، وراعية لبيت زوجها، ووفاء بحقوقه من سكن إليها، وتهيئة مطعم ومشرب وملبس، ومربية جيل.
وقد ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) [5].

3 ـ بناء النفس إيمانياً :
ومن ثمرات القرار في البيت وجود الوقت الكافي لبناء النفس إيمانياً، فتجد ما تحفظ به كتاب الله تعالى وتقرأه، وتصلى لله ما شاءت من النوافل، وتقرأ ما رغبت من كتب أهل العلم والإيمان، وتنظر فيما تريد من كتب المعرفة والثقافة.

4 ـ الأجر والثواب :
إن من ثمرات بقاء المرأة في بيتها أن الله تعالى يثيبها على بقاءها، ويضاعف لها الأجر والحسنات إذا احتسبت البقاء وقصدت به طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بل إن الله تعالى يكتب لها أجر المجاهدين في سبيل الله، الذين يخوضون المعارك. ويقتحمون الصعاب ويرون الموت أمامهم وهي جالسة في بيتها بين أولادها لا تخاف موتاً. ولا تخشى بطشاً لها أجر المجاهدين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن يا رسول الله : ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله أفما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مهنة إحداكن في البيت تدرك به عمل المجاهدين في سبيل الله) [6].

5 ـ الراحة النفسية .. والسعادة القلبية :
فالمرأة التي تقر في بيتها احتساباً وإيماناً تجد راحة نفسية، وسعادة قلبية لا تشعر بها النساء اللاتي يخرجن للعمل أو لغيره كما قال الله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل : 97) وقد انتهى الباحثون الأمريكيون أنفسهم إلى أن المرأة العاملة قد يعترض زواجها العمل، وأنها إذا جمعت بينهما ـ أي الزواج والعمل ـ تتأزم نفسيتها نتيجة لصراع الأدوار، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألق السمع وهو شهيد.

6 ـ عفاف المرأة وطهرها وحياؤها :
فالمرأة إذا بقيت في بيتها بقي حياؤها، وصانت عفافها، وحفظت فرجها، فقد ثبت من خلال الدراسات أن النساء العاملات يتعرضن لتحرشات جنسية من عبارات أو لمسات أو نحوها، يقول العلامة بكر أبو زيد في كتابه حراسة الفضيلة في بيان ثمرات بقاء المرأة في بيتها : (تحقيق ما أحاطها به الشرع المطهر من العمل على حفظ كرامة المرأة وعفتها وصيانتها، وتقدير أدائها لعملها في وظائفها المنـزلية) [7].

7 ـ تربية الأجيال وإعداد الرجال :
كشفت الدراسات الحديثة كعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما من العلوم عن أهمية بقاء المرأة في بيتها وأثره الفاعل في صلاح الذرية، ومن هنا قرر علم النفس الحقائق التالية :
1ـ أجمعت تجارب الناس على ما للتربية في الأسرة من أثر عميق خطير يتضاءل دونه أثر أية منظمة اجتماعية أخرى في تكوين الشخصية وتشكيلها، خاصة خلال عهد الرضاعة المبكرة أي السنوات الخمس أو الست الأولى من حياة الفرد.
2ـ لا يخضع الطفل في هذه السن لسلطان جماعة أخرى غير أسرته.
3ـ يكون سهل التأثير سهل التشكيل شديد القابلية للاتجاه وللتعلم.
4ـ في حاجة دائمة إلى من يعوله ويرعى حاجاته العضوية والنفسية المختلفة.
5ـ وضعه هذا يجعله دائم الموافقة والانصياع للحصول على التقبل والاعتراف [8].
وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة في أوربا وأمريكا أهمية الأم في نشأة الطفل الصحيح لبدن التام النمو، السليم العقل. فقد أجريت دراسة على مجموعة من الأطفال متنوعة؛ مجموعة ترعاهم مربية، ومجموعة أطفال ترعاهم أمهاتهم، ووضع الجميع في ظروف متماثلة، وقد لحظوا بعد مدة سنتين من المراقبة أن لأطفال المحرومين من عطف الأم وحنانها لم ينجحوا في تعلم الكلام ولا المشي، ولا تناول الطعام بمفردهم، بينما نجح الآخرون الذين تحيطهم عواطف أمهاتهم في ذلك، ثم كان الأشد من ذلك والأمر أنه لم تقع أي حادثة وفاة بين الأطفال الذين ترعاهم أمهاتهم بينما مات من الآخرين 37% سبع وثلاثون بالمائة في مدة السنوات الخمس التي استغرقتها التجربة.
هذا فضلاً عن التخلف النفسي، الذي يكون أشد من تخلف النمو الجسدي، فالإجرام والعنف العصبي والتعقيد النفسي والتصرفات الاجتماعية الشاذة وغيرها من اضطرابات السلوك يمكن تفسيرها جميعاً بالحرمان الذي يكون قد عاناه الشخص وهو صغير في فترة طفولته [9].
فدور المرأة في الحياة عظيم يتركز بصفة أساسية في تربية الأجيال، وإعداد الرجال، لتحقيق الاستخلاف في الأرض، وتلك مهمة شاقة لابد من القرار في البيت لأدائها، وليست المرأة المتبذلة المخالطة للرجال الأجانب عنها في ليلها بنائلة هذه المكانة العليّة التي اختص الله بها المرأة المسلمة، الوقورة في سمتها وشخصيتها واتزانها.

8 ـ الحفاظ على أنوثتها :
بقاء المرأة في بيتها يجعلها تحافظ على أنوثتها الحقيقة، فالمرأة التي تكثر من الخروج تفقد أنوثتها تدريجياً كالقسوة في التعامل، والغلظة في الألفاظ وقد قال أحد الذين جربوا العمل جنباً إلى جنب مع المرأة في غير هذه البلاد : وصل الحال ببعض العاملات معنا أن تحلف بالطلاق ! وتتحدث المرأة مع الرجال كأنها رجل مثلهم ولذلك سماها الفقهاء في كتبهم بالمرأة البرزة.
وكما هو معلوم فإن الرجل يميل إلى المرأة التي يغلب عليها صفات الأنوثة من الرقة والرحمة والحنان ولين الجانب وحسن الكلام وكل هذه الصفات يجدها في المرأة التي تقر في بيتها ولا تعرف الخروج إلا إذا دعت الحاجة.

9 ـ سلامة المجتمع من الفتن وانتعاش اقتصاده :
كما هو معلوم أن المرأة فتنة فإذا بقيت في بيتها زالت الفتنة بإذن الله تعالى وخفت، وكلما كثر احتكاك المرأة بعالم الرجال كلما كثرت الفتن وهذا أمر معلوم أثبتته الدراسات والوقائع، كما أن بقاءها في بيتها يفتح الكثير من المجالات لعمل الرجال الذين هم بأمس الحاجة إلى العمل للقيام بالواجب المنوط بهم وهو الإنفاق على الأهل والأولاد، وهذا فيه مصلحة كبرى لها ولأولادها وزوجها بل وللبلد كله، فإن انتشار البطالة في المجتمع إيذاناً بكثرة الجرائم لكثرة الفراغ لدى الشباب وإذا وجد الفراغ ولم يوجد المال ولا العمل فإنه سيضطر إلى سلوك طرق الانحراف للحصول على المال ليلبي رغباته وملذاته. كل هذه المنافع وغيرها تحصل إذا بقيت المرأة في بيتها واحتسبت الأجر والثواب من الله تعالى.

10 ـ القضاء على مخططات الأعداء :
فمن ثمرات بقاء المرأة في بيتها القضاء على مخططات الأعداء،لأنهم يسعون جاهدين لإخراج المرأة لكل مجالات الحياة، فهم يريدونها أن تؤدي ما يؤديه الرجال من الأعمال، ومن هنا في نظرهم كان عليها أن تفتش عن عمل أيا كان : في دوائر الحكومة، في الشركات، في المكاتب التجارية، في المخازن. عليها أن تعمل بائعة أو محاسبة تبيع الجرائد، تنظف الشوارع، تمسح الأحذية، تجمع القمائم، تقطع تذاكر الركاب في السكك الحديدية، تنظف المراحيض، تحرس الأبنية والممتلكات في الليل أو النهار، تحمل الأثقال، تشقى في المناجم ومصانع الصلب والحديد. هكذا يريدون.
فلتقارن المرأة المسلمة بين ما هي عليه من كرامة ورفعة وبين ما يريده دعاة تحرير المرأة من المشاركة في جميع ميادين العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المعجم الوسيط، د .إبراهيم أنيس وآخرون. المد الثاني.
[2] التحليل الاقتصادي ص 28.
[3] رسالة إلى حواء (3/73 ).
[4] انظر : عمل المرأة. سالم السالم ص 53-54.
[5] رواه البخاري (893) ومسلم (1829) وهو جزء من حديث طويل أوله : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
[6] أخرجه المروزي في (السنة) ورقمه (123) قال في المجمع (4/304) : (رواه أبو يعلي (3415، 3416) والبزار (1475) وفيه روح بن المسيب وثقه ابن معين والبزار وضعفه ابن حبان وابن عدي) قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1041) : هذا حديث لا يصح.
[7] انظر : حراسة الفضيلة ص 89-94.
[8] عمل المرأة وموقف الإسلام منه 142.
[9] عمل المرأة واختلاطها، د نور الدين عتر : ص 45.

 0  0  2894
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:07 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.