• ×

11:10 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ اليوجا، والتاي شي، والماكروبيوتيك، وغيرها، رياضات عقلية وبدنية فلسفية، انتشرت الدعوة إليها في الآونة الأخيرة، في بعض البلاد العربية وغيرها، وأقام بعض دعاتها مجموعات ومدارس لتعليمها، وألفوا أو ترجموا في سبيل نشرها والدعوة إليها العديد من المؤلفات، وهي وإن كانت رياضات فلسفية قديمة، إلا أن شهرتها زادت بالترويج لها عبر وسائل الإعلام الحديثة من قنوات فضائية وإنترنت.
ولا عجب من رواج تلك الرياضات لدى غير المسلمين في الغرب أو الشرق، وإنما العجب من اغترار بعض المسلمين بها، إلى درجة نصح بعضهم للآخرين بها والدعوة إليها، بعبارات براقة، وتحت مسميات مختلفة، مثل الوصول إلى قوة التركيز ونقاء النفس وصحة البدن والوقاية والعلاج من الأمراض.
وبإطلالة سريعة على أصول تلك الرياضات يتبين أنها ليست تمارين عقلية وبدنية مجردة، بل هي في الأصل طقوس وعبادات وثنية لديانات وفلسفات صوفية وكهنوتية، لها تصوراتها الباطلة عن الخالق والإنسان والكون، غير أنها تختلط ببعض ما يكتسبه البشر من خبرات علاجية وصحية، من تمارين وحركات رياضية، قد تفيد أو لا تفيد من الناحية العقلية أو البدنية، وهذا الجانب هو الذي ترتكز عليه الدعاية لتلك الفلسفات الباطلة، فيغتر بعض الجهلة ظناً أنها مجرد أنشطة بدنية وعقلية بحتة، لا علاقة لها بالعقيدة، فيطمع في أن تساعده على التركيز وصفاء النفس واستجماع الطاقة الذهنية والبدنية، ثم يجد نفسه بعد ذلك منخرطاً في عقائد تلك الرياضة الفلسفية وما تفرضه من طقوس وعبادات وتصورات، لا يمكنه فصلها عن ممارسة تلك التمارين.
وكعادة بعض وسائل الإعلام، في عدم التمييز بين حق وباطل فيما تعرضه على المسلمين، تقدم تلك الفلسفات والرياضات على أنها رياضات نافعة للبدن والعقل، متجاهلة أن تلك الرياضات الفلسفية مبنية على تصورات وعقائد باطلة، وأن تلك التمارين البدنية والعقلية والتأملات تمثل جزءاً من طقوس تلك الفلسفات والديانات وعباداتها، ومن يقوم بها فهو يقوم بعبادات تلك الديانات الباطلة.
ففي قناة فضائية مشهورة عرض برنامج شامل عن رياضة اليوجا، فيما يشبه الترويج لها، وبعض القنوات تتبنى نشر فلسفة الماكروبيوتيك، وتفتح المجال لدعاته والمروجين له، كما كثرت الدعوة إليها في بعض مواقع الإنترنت العربية، ويتناقلها بعض أعضاء المنتديات جهلاً بخطورتها، وتجد مثل هذه العبارات : هل تشعر بالقلق. اليوجا هي الحل، اليوجا ملاذ الرجال الذين يعانون من ظروف عمل صعبة، اليوجا دواء لكل داء.
فأين المسؤولية الإعلامية لدى تلك القنوات ؟ وأين أمانة الكلمة لدى هؤلاء الذين ينقلون لغيرهم الباطل في المنتديات وغيرها من المواقع ؟ مع أن نقل مثل هذه الأشياء قد يتسبب في تضليل بعض الناس وفتنتهم عن دينهم !
يتضح من خلال النظر في تلك الرياضات الفلسفية، على اختلاف أنواعها وأسمائها، أن بينها عقائد وطقوس مشتركة، لأنها تعود في الغالب إلى الفلسفات والديانات الهندوسية والبوذية، منها وجود طاقة أو قوة كامنة في الإنسان منبثقة من قوة الخالق، وهو ما يعرف بعقيدة (وحدة الوجود)، وتلك الطقوس كلها تسعى، بأشكال مختلفة، إلى إخراج تلك الطاقة بالتوحد مع الذات العالية، وإيجاد التناغم بين الجانبين السلبي الإيجابي اللذين يتكون منهما الوجود، والاستفادة من ذلك في التركيز والصحة وعلاج الأمراض، من خلال تصفية النفس، والصمت والاسترخاء والتأمل، لكنها تختلف فيما بينها في باقي العقائد والطقوس.
فاليوجا (Yoga) مذهب فلسفي هندوسي، يهدف إلى السيطرة التامة على الجسد، وضبط القوى الحيوية، وبلوغ الكمال، ومن ثم الاتحاد بالروح، وذلك بالتصوف والتنسك، كالجلوس طويلاً من دون حركة إطلاقاً، والتأمل.
وجاء في (معجم ديانات وأساطير العالم) أن "يوجا" (Yoga) كلمة "سنسكريتية تعني : "النير" أو "الاتحاد"، وهي مدرسة هامة في الفلسفة الهندوسية، أثّرت بقوة في الفكر الهندي، نصوصها الأساسية هي "سوترا اليوجا"، والجانب العملي في هذه الفلسفة أهم من النظري : ضبط النفس، والجلوس في وضع معين، الامتناع عن ممارسة الجنس .. إلخ
و"التاي شي شوان" رياضة طاوية كهنوتية صينية، تتكون من سلسلة من الحركات الدائرية، وتشبه الرقص، ويفضلون أن تمارس في الهواء الطلق، وهي طقوس رياضية لكهنة الطاويين، ترجع جذورها إلى القرن الحادي عشر، وتنسب إلى المفكر الطاوي "شانج سان"، حيث يقال إنه خرج يبحث عن طريقة لتطوير الروح بعيداً عن خوض المعاناة والقسوة، فشاهد أفعى تروغ من غراب مكوّنة شكلاً دائرياً، فصارت هذه الحركة أساساً لرياضة القبضة التي تسعى إلى امتلاك الإنسان نفسه والسيطرة عليها، ثم تطورت تلك الرياضة، وصارت طقوساً يمارسها رهبان الديانة الطاوية في معابدهم.
لكنها انتشرت بعد ذلك خارج المعابد بزعم أن لها فوائد صحية وعلاجية، وتقوم فلسفة هذه الرياضة، كما يقول "لي جوان"، أحد الأساتذة الصينيين المتخصصين فيها، على الصبر والتدبير والقدرة على التأقلم والتغير، وإعادة التوازن لطاقة الحياة المعروفة "تشي" بهدف سيطرة الإنسان على حالته الذهنية والوجدانية والطاوية هي الديانة الثانية في الصين، وتقوم على عقيدة اتحاد الخالق بالمخلوق (وحدة الوجود)، ويؤمنون بقانون سماوي هو أصل الحياة والحركة في السماء والأرض، وأن على "الطاوي" أن يتجرد من الماديات ليصبح روحاً خالصاً، وأعلى مراتب التصوف عندهم هي مرحلة الوحدة التامة بين الفرد والقانون الأعظم، بحصول اندماج المتصوف بالذات العليا لتصيران شخصية واحدة، وعندما يصل الإنسان إلى المعرفة الحقة يستطيع أن يصل إلى الحالة الأثيرية حيث لا موت ولا حياة، وتتركز الفضيلة لديهم على ترك العمل والاقتصار على التأمل داعين إلى الحياة على الجبال المقدسة وقرب الجزر النائية، ويهاجمون الشرائع والقوانين والعلم وما إلى ذلك من مظاهر المدنية ويرون أنها تفسد الفطرة، ويسعون إلى تحقيق طول العمر رغبة في الخلود، ويزعمون أنه يمكن الوصول إلى الخلود بواسطة تدريبات ورياضات خاصة جسدية وروحية - كما يزعمون -.
أما الماكروبيوتيك، فمصطلح، مكون من ألفاظ يونانية قديمة، يعني فن الصحة، ويعد الفيلسوف الياباني "أوشاوا" هو أول من استعمل هذا المصطلح في العصور الحديثة، وتهدف فلسفته عموماً إلى تحقيق الصحة والصفاء وإطالة الحياة بفلسفة خاصة مقتبسة من بعض الديانات الوثنية والفلسفات الهندوسية والطاوية والبوذية وغيرها، وتعتمد على فكرة وحدة الوجود، والعمل على إيجاد توازن بين الجانب السلبي والإيجابي في الحياة، للحصول على حياة صافية نقية بعيدة عن الآلام والأمراض، والتحكم في الطاقة الكامنة في الإنسان، ولكي يتم نشر هذا الفكر وما وراءه من معتقدات، يُظهرون تلك الفلسفة على أنها تهتم بالوصول إلى النقاء وصحة البدن باختيار الأطعمة الطبيعية المناسبة، وتنظيم تناولها.
وهذه في الظاهر دعاية يغتر بها من لا يعرف حقيقة تلك الفلسفة الباطلة، لأن الحقيقة هي أنها تنتهي بمتبعيها إلى الخروج من دين الإسلام، لأن هذه الفلسفة تضع لهم نظماً تحكم حياتهم وأفكارهم، تخالف الإسلام، كتحريم تناول اللحوم والأجبان والعسل، وتلزمهم بطرق مبتدعة في مضغ لقمة الطعام تصل إلى 40 60 مرة قبل بلعها، وللمريض 200 مرة، ثم تتعدى نطاق الغذاء الذين يدعون إليه علناً، لتصل، في محاضراتهم وتعليماتهم التي يلقنونها أتباعهم ويدربونهم عليها، إلى اعتقاد أن القرآن محرف من التوراة، وكره النبي صلى الله عليه وسلم، وعبادة الله تعالى بالطريقة التي يراها كل إنسان، والانطلاق في كل شيء من القناعة، ومن ثم يترك الشاب الذي يتبعهم كثيراً من دينه، وتتخلى المسلمة عن حجابها، لأنها ولدت لديهم عدم قناعة بتلك التعاليم والعقائد الإسلامية، ولا يتسع المقام لعرض سائر ضلالاتهم.
ويشبه الماكروبيوتيك، إلى حد كبير، فلسفة المهاريشي، التي هي مزيج من اليوجا وغيرها من الفلسفات الهندوسية والبوذية إضافة إلى الفلسفة الإشراقية لأفلوطين، وفلسفة فرويد في التحليل النفسي، ظهرت المهاريشية في أمريكا على يد فقير هندوسي اسمه (مهاريشي)، نشر تلك الفلسفة الهندوسية بين الشباب الضائع الذي أنهكته الحياة المادية، وبقي 13 عاماً يدعو إليها حتى صار له الكثير من القصور والأتباع والأعوان والخبراء، سافر بعدها إلى أوروبا لنشر دعوته هنالك، كما حاول أتباعه نشرها في بعض الدول العربية.
وتشير دلائل كثيرة إلى صلة هذه جماعة المهاريشية بالماسونية والصهيونية التي تسعى إلى تحطيم القيم الدينية وإشاعة الفوضى العقدية والانحلال.
وباختصار شديد لا تؤمن هذه الجماعة بالله تعالى، ويتخذون المهاريشي إلهاً وسيداً للعالم، ويكفرون بجميع الأديان، لكنهم يظهرون للناس أهدافاً براقة لديانتهم، مثل (علم الذكاء الخلاق)، الذي يزعمون الوصول إليه عن طريق (التأمل التجاوزي)، والذي يتحقق بدوره عن طريق الاسترخاء والصمت، يتم ذلك عبر 4 جلسات موزعة على أربعة أيام، كل جلسة مدتها نصف ساعة، مع عدم إلزام النفس بأي شيء يحول بينها وبين شهواتها.
أيها الأحبة لا يتسع المقام هنا إلى التفصيل في عرض الأسس العقدية التي قامت عليها تلك الرياضات الفلسـفية، لكن يلاحظ مما سبق، على وجه العموم، أن تلك الرياضات الفلسفية تقوم على عقائد باطلة، تتعارض مع عقيدة الإسلام تعارضاً صريحاً واضحاً، وأن حركاتها وتمارينها البدنية والعقلية لا تعتمد على أسس علمية معروفة ومعتمدة، بل تقوم على محض خبرات بطبيعة البدن وعلاج بعض الأمراض، قد يصح بعضها وقد لا يصح، مبنية على عقائد وتصورات باطلة تماماً عن الخالق والكون والحياة، فممارسة تلك الرياضات الفلسفية واتباع تعاليمها وطقوسها التي تعارض عقائد الإسلام وتخالف وأحكامه، كما هو ظاهر، قد يصل بمتبعيها إلى الانحلال من دين الإسلام.
وينبغي هنا التحذير من مزلق خطير، قد يقع فيه بعض المخدوعين بتلك الرياضات، حتى يسوّغ لنفسه اتباعها والعمل بتعاليمها، وهو سعي بعض المتبعين لتلك الرياضات إلى تأصيلها بأدلة شرعية، ومحاولة تشبيه بعض الأفكار فيها والنصائح الطبية وغيرها بما ورد في الكتاب والسنة، وهذا مسلك غير صحيح، لأن المسميات إن كانت واحدة فإن مضمونها يختلف تماماً، فمعنى كلمة إله ومدلولها لدى المسلم، مثلاً، ليس هو المعنى والمدلول نفسه لكلمة إله لدى الهندوسي، مع أن الكلمة واحدة، وهكذا.
وأما ما يوجد لديهم من تصورات أو أفكار قد يكون فيها بعض الصحة من بعض الجوانب، فهذا لا يعني أنها دليل على صحة فلسفتهم كلها، وإلا لصحت جميع عقائد غير المسلمين كلها لوجود اتفاق في بعض مفرداتها مع ما يفهم من القرآن الكريم، وهذا لا يقول به عاقل، كما لا يعني أن فلسفتهم وديانتهم صحيحة؛ لأنهم يقرنون بهذا التصور أو المعنى الصحيح تصورات باطلة، ويتحدثون عنها ويقدمونها كشيء واحد لا يفرقون فيه بين صحيح وباطل؛ لأنه كله صحيح عندهم، فلا يصلح إذن أن يستدل أحد على صحة تلك الرياضات الباطلة بالكتاب والسنة.
وخير لمن يحاول الاستدلال على صحة تلك الرياضات الفلسفية الباطلة بالكتاب والسنة أن يريح نفسه ويتبع الكتاب والسنة، ولا ينظر إلى غير الإسلام، الذي جعله الله تعالى شاملاً لخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى : "إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم ُ..." [الإسراء : 9]، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : "إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد" ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فهدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أكمل الهدي وأحسنه، في كل شيء، سواء في الإيمان والعبادة، أو في تهذيب النفس وتزكيتها، أو في الطعام والشراب، أو النوم واليقظة، أو الصمت والكلام، أو الحفاظ على الصحة والعلاج .. كل جوانب الحياة، وكثير من الدراسات والبحوث، لا سيما التي يقوم بها غير المسلمين، تكشف ذلك لغير المسلمين وتؤكده ولا تزال.
وما يدعونه من وجود منافع في تلك الرياضات الفلسفية الوافدة، لا يُبيح للمسلم أخذها والعمل بها ودعوة الآخرين إليها؛ لما فيها من اعتقادات باطلة وما يترتب عليها من مخالفات شرعية وفلسفات تحكم حياة الإنسان وتوجهها بعيداً عن عقيدة الإسلام وشريعته، وحين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه) (التوبة : 31) قال عدي بن حاتم : "يا رسول الله، إنهم لم يعبدوهم"، فقال عليه الصلاة والسلام : "بلى؛ إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم".
وإذا كانت هذه الفلسفات الرياضية تنتشر لدى غير المسلمين، فذلك لما في قلوبهم من فساد إيماني، من وثنية وشرك وكفر، وانكباب على الشهوات، يؤدي بهم إلى الاضطراب والقلق والحيرة والإحساس بالضياع، وغير ذلك من الأمراض العقدية، فوجدوا أمامهم تلك الفلسفات الضالة التي لن تصل بهم إلى ما يريدون، إلا أنها سترميهم في مزيد من الضلال والعمى، ولن تروي حاجتهم إلى الإيمان الصحيح، فنقاء النفس والسعادة وراحة القلب والاطمئنان لا تنبت إلا في حقل الإسلام، بالإيمان بالله وتوحيده وذكره والعمل بشريعته، قال تعالى : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً) (الإسراء : 82)، وقال تعالى : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت : 44)، وقال تعالى : (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد : 28).

 0  0  2188
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:10 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.