• ×

05:06 صباحًا , الثلاثاء 4 صفر 1439 / 24 أكتوبر 2017

◄ من يكره أو يرفض التغيير والإصلاح والسلام ؟
من يكره الكرامة والأمان ؟
من يكره المحافظة على حقوقه ؟
كانت هذه الكلمات أول ما خطر على بالى ردا على سؤال عويص وهو هل إرادة ‏الشعوب هي التي أدت بها إلى هذا الكم الهائل من الفساد والخوف والضعف والفرقة ‏والإرهاب وعدم الثقة والسلبية وامتهان الكرامة وضياع الحقوق ؟
ونظرا لأنني فرد ‏من العامة ولا أتحمل غليظ الكلمات والنظريات الفلسفية والرؤى المستقبلية بعيدة ‏المدى والتي لا يراها إلا العلماء لما لديهم من أجهزة بصرية ووسائل إحصائية ‏وخواطر ربانية ما انزل الله لها من سلطان, فلم يكن لي سبيل يهديني للحقيقة أو ‏الرد سوى المنطق العقلي الفطري الذي هدى سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى الله ‏سبحانه وتعالى رغم غيبيته.
هذا العقل الفطري المنطقي الذي نلجأ إليه عندما تنعدم ‏الرؤية الصادقة، فأجبت : "بالطبع لا، لا يمكن أن يختار شعب طريق انهياره بيده" ‏وعجبت من رد المسؤولين على جميع المستويات العلمية والقيادية والممثلين للإرادة ‏الشعبية ليؤكدوا أن طبيعة تكوين وأساس الناس هي كده وليس في الإمكان احسن ‏مما كان، الناس أخلاقها (وحشه) .. الخ.‏
فخليت إلى نفسي، وهذا الرد عالق بذهني، وراجعت طبيعة وخصال الناس (الوحشة) التي ‏عاشرتهم خلال سنوات عمري (طفل شقي لا يفكر إلا في اللعب - شاب منحرف لا ‏يفكر إلا في كافة أنواع المخالفات - رجل فقير - حرامي - سارق - نصاب - مرتشي - كاذب‏ - تاجر - غير أمين - ‏عامل غير أمين - رجل شاذ - موظف بسيط فاسد - موظف كبير فاسد - مسؤول ‏امني أو قضائي فاسد - رجل دين متطرف باختلاف الملل - رجل صالح وله نقائصه ونقائضه، وكذلك هي الحال بالنسبة للنساء، والقائمة تطول).
فكرت كثيرا في كل هؤلاء وسألت نفسي هل هم ‏فعلا أناس طبيعتها هكذا، ولا يمكن تغييرها ؟ وللأسف وجدت أن كلا منهم له قصة تختلف ‏عن الأخر، وأسباب للانحراف لو توفرت لأي فرد أخر في نفس مكانهم وزمانهم لكان ‏له نفس رد الفعل السلوكي. والاختلاف الوحيد بين من يتمكن من ممارسة الانحراف ‏أو يستسلم له ومن لا يتمكن من ممارسة الانحراف أو الاستسلام له هو العقيدة ‏والرقابة. فالعقيدة الصحيحة هي التي تمكن الإنسان من السيطرة على سلوكه ذاتيا ‏والرقابة هي التي تمكن المجتمع من السيطرة على سلوك الإنسان الذي لم يتمكن من ‏السيطرة الذاتية على سلوكه.

■ المشهد الأول : العهر وبيع الهوى.
عدم القدرة على السيطرة على النفس وكبح الشهوات :
سألت إحدى بنات الهوى : هل انت سعيدة بحياتك ؟
فقالت : بالطبع لا.
فسألتها : طب ليه ما تبطلي ؟
فقالت : كذا وكذا وكذا، غياب الرقابة الاجتماعية.
فسألتها : طيب لو أتقبض عليك ما انت حتتسجني وتبطلي ‏كل حاجة ؟
قالت : لا أنا حريصة جدا، ومش بأشتغل على طول وبعدين مين يعرف ما ‏حدش وأخد باله ده حتي جوزي فاكر إني بادي درس.
(وطبعا أتقبض عليها بعد كده ‏بكام سنه !) فقدان الأمل والاستسلام للواقع.
سألتها : طيب ليه ما تتطلقيش وتشوفي واحد ‏يحل لك كل مشاكلك ؟
قالت : ومين ده إلى يأخذ واحده زيي ومعها كوم عيال ؟
قلت : طب لو لقيتي واحد يرضي حتعملي أيه ؟
قالت : ‏اكون خدامه تحت رجليه ومش خرجه من باب شقتي إلا على الحج والقبر هو حد ‏يكره ؟!

■ المشهد الثاني : الرشوة.
غياب العقيدة :
سألت موظفا مرتشي : انت بتسرق ليه ؟
قال : كذا وكذا.
فسألته : طيب انت مش ‏عارف أن كده حرام ؟
قال : بكل بساطة يعني حالنا كده هو إلي حلال ؟ وبعدين ماهو ‏الكل بيعمل كده في المصلحة من غير ما يكون عندهم عذر، وهم مرتاحين ومش ‏محتاجين. غياب الرقابة الاجتماعية.
فقلت له : طب لو أتقبض عليك حتعمل أيه ؟
فقال بكل ثقة : يبقوا يثبتوا ‏الرشوة، ما تخفش ما حدش وأخذ باله !
قلت : طب لو بلغت عنك أنا ؟!
فقال : معاك أثبات ؟! فقدان الأمل والاستسلام للواقع.
قلت : له طب لو حليت مشاكلك برده حتسرق كده ؟
قال : ‏هو حد يكره ايدي على كتفك !

■ المشهد الثالث : البلطجة.
غياب العقيدة :
سالت واحد بلطجي : انت بتكسب كام من البلطجه إلي وأخدها شغلانه ؟
قال : إلى يكفيني، اكل وشرب ‏وكيف ولبس زي مأنت شايف.
قلت : يعني كام في الشهر تقريبا ؟
قال : ييجي 300 أو ‏‏500 جنيه.
قلت : وبتصرف كام منهم على الكيف ؟
قال : ييجي 300 أو 700 جنيه ‏وضحك !
قلت : بس كده حرام عليك صحتك ؟
قال : يعني انت شايف أيه إلي حلال ؟ أقعد جانب الحيط وأشحت وابطل كيف وستات واعتبر نفسي ميت ؟! ولا لازم أعيش ‏زي خلق الله ؟! غياب أو ضعف الرقابة الأسرية.
قلت : بس أنا اعرف انك كنت ابن ناس مبسوطة ‏زمان ؟
قال : هم فين الناس دوله، مش كان لازم يشكمون الأول ؟! غياب الرقابة الاجتماعية.
فقلت : طب مش تخاف لا يتقبض عليك ؟
ضحك وقال : الحكومة كلها حبيبي ‏والجيران هنا محدش فيهم يقدر يشتكيني ! فقدان الأمل والاستسلام للواقع.
قلت : له طب ‏أيه رأيك أنا اعرف رجل أعمال عايز يشغل بودي جارد بس لا يكون بتاع كيف ولا ‏ستات وحيديك سكن ومرتب كويس شهري ولو أستمريت معاه حتقدر تتجوز وتفتح ‏بيت وتسيب الحته وتبقي حاجه تأنيه غير كده ؟
لم يفكر، وقال : وأنا موافق بس انت ‏بتتكلم جد ؟
قلت : يعني انت حتقدر بجد تبطل كل الحاجات دي ؟
قال : حابدأ وواحده ‏واحده حبطل يعني انت فاكر أن فيه حد عجبه حاله كده ؟! وربنا يسهل !
قلت : يعني ‏بجد عندك استعداد تبقى راجل شريف ومحترم ؟
قال : وهو حد يكره !

■ المشهد الرابع : تاجر متدين ونصاب.
سألت رجلا محترم وعلى علم بالدين والعقائد والمعاملات ويلجأ إليه البعض ‏للنصيحة وأخذ المشورة، ويعمل تاجرا واعتاد أن ينصب على الناس ويأخذ منهم مبالغ ‏نقدية لتشغيلها لهم ويكتب لهم شيكات أو إيصالات أمانة ثم يمتنع عن السداد بحجة ‏الخسارة فيلجأ الناس للقضاء وبعد طول العمر يحكم لهم القضاء برد الحقوق فيرد ‏لهم التاجر الأموال بأمر المحكمة. وفي حقيقة الأمر هو يستثمر تلك الأموال وتربح ‏منها كما انه يضر بالغير ويصيبهم بالأزمات المالية التي لا يحسب عواقبها عليهم ‏ويفقدهم القيمة الفعلية لأموالهم !
انحراف عقيدة واتباع لهوى النفس :
سألته : ألا تعلم أن هذه الأفعال حرام ؟
قال ‏براحه : يا عم حرام أيه انت لو تعرف الراجل بتاع الشيك ده عمل أيه كنت دبحته مش ‏دوخته في المحاكم.
قلت له : وماذا فعل ؟
قال : كل يوم يطب علي وعايز فلوس في ‏ساعتها ولو قلت له بكره ولا بعده يعمل فضيحة ويشتم ويتهمني إني نصاب وحرامي، ‏وانت عارف السوق ما فيش حاجه اسمها عايز فلوس دلوقت وعلى شان اخلص منه ‏قلت له عليك وعلى المحكمة.
فقلت له : طيب هو راح المحكمة وانت كان عندك ‏وقت لرد حقوقه ليه لم تردها بدل كل هذا الوقت ؟
قال : كان لازم يتأدب ولا ألاقي ‏كل يوم واحد جاي يتهجم عليه، ده سوق ! ضعف القانون وغياب الرقابة الاجتماعية.
سألته : ألا تخشي أن يقبض عليك ‏وتتهم بالنصب أو يتصادف ويحكم عليك بالسجن ؟
فقال : انا شغلي كله قانوني ولو انا ‏نصاب يعني السوق كله يبقي نصابين وبعدين الحكومة نفسها عارفه أوضاع السوق ‏انت فاكر هم غيروا قوانين الشيكات ليه، لان السوق كله شغال ورق وشيكات ‏وبعدين حتي لو صدر حكم فيه استئناف !
قلت : طب ما خلاص صدر حكم يعني ‏تدخل السجن !!
ضحك وقال : لا لا لا ده حكم درجة أولى ولما تنفيذ الأحكام ‏يطلبني بابعت المحامي يستأنف ويوقف التنفيذ.
قلت : برده أهي سبقة !
ضحك ‏وقال : لا لا دي اسمها لعبة القانون يعني ورق على ما فيش !
سألت : يعني لو لي ‏عندك فلوس ومعيا شيك أو وصل بخطك وبصمتك أخذة بعد أد أيه بالمحكمة ؟!
ضحك وقال : حوالي سنه ونصف.
قلت : وطول المدة دي الفلوس معاك وتتمتع بيها ‏وبتستثمرها وما فيش عليك أي خطر أو قلق ؟
قال ايوه.
سألت الرجل : طب بجد، لو البلد غيرت القانون وجابو جهاز كشف الخط يعني اروح ‏القسم اطلع الشيك والضابط يكشف على الشيك في الحال ويقبض عليك وغيروا ‏القانون وخلوا السداد مضاعف في حالة خيانة الأمانة السوق حيعمل أية ؟
قال : ‏يبقي اتحبسنا كلنا ـ (وضحك).
قلت : لا طبعا حيبقي فيه وقت كافي لتسوية الأوضاع ‏القديمة وفرصة كافية للمتعثرين !
قال الرجل : لو حيبقي القانون ده على الجميع ‏يبقي ما فيش مشكلة، بالعكس كلما زادت الأمانة بين التجار كلما زادت التجارة وزمان ‏كانت التجارة بالكلمة وليست بالورقة والقلم بس كان فيه أمانة وإذا كان التاجر له سمعته ‏وحشة محدش يتعامل معه. ياريت ياخويا البلد تطبق الكلام دة هو حد يكره ‏الأمانة ! انت عارف لو حصل أنا أول واحد حيكسب في السوق ده !
ضحكت وقلت : قصدك حيتحبس !
ضحك وقال : لا أنا بتكلم جد أنا لي عند التجار في ‏المحكمة شيكات بـ 1200000 جنيه، مش عارف احصل عليهم من سنتين، وعلي ‏شيكات في المحكمة بـ 350000 جنيه، شوف انت الفرق يبقي كام !
فقلت له : لا ده ‏مش بس انت حتكسب دي الناس كلها حتكسب والمحاكم بهذا المنظر حتفضى من ‏القضايا إلى ملهاش لازمة بس بتوع تنفيذ الأحكام حيخسروا لأنهم مش حيسترزقوا.

وكان هذا هو حال الإجابات لكل الأسئلة التي دارت في ذهني فيما يتعلق بالناس (الوحشة) ‏الذين تكلم عنهم المسؤولون حسب ما نفهم من مصطلح (الناس الوحشة). ‏فكان تحليلي لهم ولأسباب (وحاشتهم) أما غياب العقيدة وأما غياب الرقابة وأما غياب ‏كلاهما معا، فيخرج الفرد أي فرد من نطاق السيطرة الاجتماعية إلى نطاق اللا سيطرة ‏الاجتماعية، وبذلك تكون إجابات المسؤولين في صحيحة وتعبر عن الواقع، لان الناس بهذا المنطق فعلا (وحشة) جدا.
راجعت نفسي مرة أخري وقلت لنفسي : الناس معذورين إلى حد ما، ولكن السؤال الأهم هو : كم هي نسبة الناس (الوحشة) للناس (‏الحلوة) ؟!
بالنسبة لي شخصيا، عرفت في حياتي تقريبا ألف شخص من مختلف الأجناس والأعمار، كان منهم بينهم حوالي ‏ثلاثين شخصيا (وحشين) بالفعل، يعني نسبة 3% ممن عرفتهم. وهذه نسبة لا تسمح ولا لغيري بالتعميم بحيث نقول أن الناس كلها (وحشة)، وحتى لو كان (الوحشين) 10%، يعني 100 شخص، فهذا لا يعطينها الحق بأن نتهم الـ900 الباقين بـ(الوحاشة).
ومن هنا، كان لابد من أخذ التفكير في منحى آخر، فعدت أدراجي إلى تلك الأمثلة، وإلى كل من عرفتهم، فوجدتهم جميعا يحملون الرغبة الحقيقية في داخلهم لأن يكونوا أناسا صالحين، ولكن متى ما تسنت لهم الظروف، وهذه مسؤولية المجتمع والدولة.
ولكن المجتمع حتى يكون مجتمعا سليما، يحتاج بطبيعة الحال إلى تغيير جذري كبير، يحتاج إلى قوانين عادلة، وأشخاص يوضعون في المكان الصحيح، وإلى تطبيق مبادئ العدل والمساواة، وإلى تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ـ وما إلى ذلك من أمور لا يستقيم المجتمع إلا بها. وبعبارة أخرى، فإن مجتمعاتنا لا تملك غير خيار واحد لكي يعود لها طهرها ونقاوتها، وهو أن تعود لتسير على النهج الذي رسمه لنا القرآن الكريم وبينه وفصله لنا الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، و (من يكره) ؟!
 0  0  1497
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )