محمد عبدالعزيز الحارثي.
إجمالي المشاركات : ﴿33﴾.
1448/01/16 (05:55 صباحاً).

رحمة الله لها أسباب.. والهياط عدو الإخلاص.


■ انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع تحذر الناس وتنهاهم عن دعاء الله تعالى بالعمل الصالح، يقول أصحاب هذه المقاطع: لا تقل: نجاني الله بصلاتي أو بصيامي أو ببري بوالدي، ولكن قل: نجاني الله برحمته، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿فلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾.
وفي الحقيقة، ليس هناك تعارض بين الأمرين؛ بل الجمع بينهما هو الذي دل عليه الوحي؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي ينجي عباده برحمته، ولن يدخل أحدٌ كما قال النبي ﷺ: «لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»؛ وهذه الرّحمة لها أسباب، وهذه الأسباب يجب أن تكون خالصة لله كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، فجعل التقوى سببًا لنيل رحمته.
وقال سبحانه وتعالى عن يونس عليه السلام: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ۝ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فكان تسبيحه وطاعته من أسباب نجاته.
ومن الأدلة البيّنة على ذلك حديث أصحاب الغار؛ حين أغلقت عليهم الصخرة باب الغار، فلم يجدوا سببًا ينجيهم إلا أن يتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة فتوسل أحدهم ببره بوالديه، والآخر بعفته، والثالث بأمانته. وكانوا جميعا يقولون: «اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه»، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.

■ تأمل أيها القارئ اللبيب هذه الكلمة العظيمة:
«ابتغاء وجهك»؛ فأعمال البر والخير لا تكون أسبابًا لرحمة الله إلا إذا كانت خالصة له سبحانه، أما إذا خالطها الرياء، أو طلب السمعة، أو التنافس على المدح، فهنا الخطر على دين العبد؛ ومن هنا تفشى "الهياط" الذي أصبحنا نراه خلف الشاشات؛ حتى غدا البعض يصور ضيفه وضيافته قبل أن يؤدي حقهما..

● أخبرني مستنكرًا "الهياط" المربي الفاضل زيد بن خاتم أحد رجالات التعليم في الطائف بانه حضر دعوة عشاء مع زميل له عند رجل "مولع" بالفلاشات فقال أخوه الصغير قلط الضيوف على العشاء لا يبرد فرد عليه: اصبر شوي ننتظر المصور تأخر علينا.. أي كرم هذا الذي يؤخر فيه عشاء ضيوفه من أجل الكاميرا؟!
إن حق الضيف أولى من حق الصورة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ".
هل أكرم هذا الرجل ضيوفه ابتغاء وجه الله أم ابتغاء وجه الكاميرا؟
إن كان ابتغاء وجه الله تعالى فليس هكذا تورد الإبل، وإن كان ابتغاء الهياط والفلاشات فيخشى عليه أن يدخل في الرياء الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ الشرك الخفي: أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل".
حين يُقدِّمُ المُضيّف حق الفلاشات على حق الضيف فإن "حاتم الفلاشات". أصدق لقب يستحقّه.

■ فلاشة:
ليس كل ناشر للعمل مرائياً، ولا كل مخفٍ للعمل مخلصاً؛ وإنما الأعمال بالنيّات.