• ×

08:39 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ بما أن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال والأفعال، وكذلك عرفت بكمال الطاعة لكمال المحبة، فإن مظاهرها ثلاثة :
1- المظهر الشعائري : وهو الأفعال والممارسات التي يقوم بها المسلم تعبداً وتقرباً لله مثل : (الصلاة والزكاة)، ويحقق من خلاله توافقاً وتوازناً نفسياً.
2- المظهر الكوني : وهو ما يكتشفه المسلم بدراسته للعلوم الكونية والطبيعية، ويحقق عن طريقه سبق علمي وانجازات حضارية يسخرها لخدمته في الحياة، من خلال ما يعكف عليه من دراسة لآيات الله في الكون وفي الآفاق، ويستغلها في تذليل سبل العيش والرفاهية، ويستدل بها أولاً وأخيراً على عظمة الخالق تبارك وتعالى وسطوته في الكون، فهي نعمة وهبها الله جل وعلا للإنسان ليأخذ منها حاجته ويشكر ربه عليها، ويقيم بها مراد الله تعالى في الأرض.
3- المظهر الاجتماعي : والذي نحن ازاءه - ونأخذه بشيء من التفصيل - ومفاده أنه يصور علاقات البشر وكل ما يختص بهم من عادات وتقاليد وموروثات ثقافية تنقلت عبر أجيال، ومدى تأثرها وتأثيرها في حياتهم، والأنظمة التي كانت تحكمهم في الماضي والحاضر، حيث أن الله تبارك وتعالى له كامل حرية التصرف في عباده، فبعث أناس وذهب بآخرين وعذب عصاة وأكرم خيرة وصفوة من خلقه، وقد أخبرنا الوحي بذلك مما جاء في القرآن الكريم على لسان سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم بذكر سيرة أقوام عبدوا الله حق عبادته فنجاهم الله من العذاب، وبالمقابل فقد أهلك آخرين طغوا وبغوا في الأرض، لأنهم استعبدوا الضعفاء ولم يعطوهم حقوقهم ولم ينشروا العدل بين الناس، بل أشاعوا الظلم والاستبداد، وأظهروا كبرهم واستعرضوا غطرستهم متعالين على بقية الخلق، فما كان من الله الحكم العدل إلا أن انتصر لعباده المستضعفين لأنه تعالى حرم الظلم على نفسه وحذر منه، وفي الحديث القدسي، عن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى : (إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي فلا تظالموا) صحيح مسلم ج4، ص1995، فكيف يتجرأ الإنسان الضعيف بظلم أخيه وسلبه حقه ؟

وبعد استعراضنا للمظهر الاجتماعي أو ما سماه بعض علماء التربية الإسلامية بشبكة العلاقات الاجتماعية، لما لها من دور في بلورة وتجسيد للروابط والأواصر بين المجتمعات البشرية بشكل عام، والمجتمع المسلم بشكل خاص، ومن هذا المنطلق، فقد تعين على المسلم أن يولي هذا المظهر من مظاهر العبادة التي ذكرناها أهمية كبيرة، وباهتمامه له فإنه يحقق ثمرة وهي التوافق الاجتماعي، والتي تعزز من روابط الدين التي تجمع أفراد المجتمع المسلم على قلب واحد، فيكون همهم واحد وأملهم واحد، متماسكون فيما بينهم، متحابون في الله بقطع النظر عن جنسهم أو لونهم أو عرقهم، لا يربطهم إلا عرى الدين، وأخوة الإسلام، ثم أخوة الإنسانية.

ولعلنا نلفت النظر هنا إلى قضية لها علاقة بالمظهر الأول الذي ذكرناه وهو المظهر الشعائري، حيث ترتبط شعيرة (الزكاة) به، ولها كذلك ارتباط وثيق بالمظهر الاجتماعي الذي نحن بصدده الآن، ولكن كيف تكون علاقة (الزكاة) بالمظهر الاجتماعي ؟
إن الحكمة من مشروعية الزكاة هي تطهير للنفس البشرية من رذيلة البخل والشح، والشره والطمع .. ومواساة للفقراء، وسد حاجات المعوزين والبؤساء والمحرومين، وكذلك إقامة المصالح العامة التي تتوقف عليها حياة الأمة وسعادتها، وأيضاً التحديد من تضخم الأموال عند الأغنياء، وبأيدي التجار والمحترفين، كيلاً تحصر الأموال في طائفة محدودة، أو تكون (دولة) - أي مداولة واختصاصا - بين الأغنياء دون غيرهم (منهاج المسلم، الجزائري، ص367).
والآيات القرآنية التي تحث على الزكاة والصدقة كثيرة، منها قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة : 103)، وقوله (تطهرهم) يعني هذه الصدقة تطهرهم من الذنوب، وقوله (تزكيهم بها) أي ترفعهم أنت يا محمد بهذه الصدقة من منازل المنافقين (تفسير الواحدي ج1، ص480) فهذه الزكاة هي واجب الزامي يدفع لمن بلغ ماله النصاب واستوفى شروط الدفع، للفقير الذي هو أحوج الناس اليها، وفي دفعها له صون لكرامته وحفظ لماء وجهه، واعفاف له من ذل المسألة، أما عند امتناع الأغنياء من أداءها فإنهم هم من يتسبب في إذلال هؤلاء الفقراء وسعيهم للشحاذة، بل ربما يتطور بهم الحال إلى التحايل وسلك مسالك غير مشروعة للحصول على المال بأية طريقة، فيتحمل الممتنعون عن دفعها جزءاً من هذا العمل الخاطىء، ويعاقبون من الله تعالى بعد ذلك .
ومن يدقق النظر فإنه يلق العلة من وراء انتشار الكثير من الفقراء والشحاذين في الطرقات والشوارع، في الوقت الراهن، وقد يقول قائل أن أغلب أولئك من غير المستحقين للزكاة أو الصدقات، وقد يكون محقاً، ولكن الأساس هو تطبيق شرع الله الذي نحن مأمورون بتنفيذه وهو دفع الزكاة للمستحقين والتنقيب عنهم بين أفراد المجتمع، لأن ذلك امتثال لأوامر الله أولاً، ثم تحقيق التضامن والتكافل الاجتماعي ثانياً، بين إخواننا من المسلمين الذين هم أولى بالمساعدة والبر، والله ولي الأمر والتدبير.

 0  0  3969
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:39 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.