وصية مربي متقاعد

قسم : الثقافة الفنية (الرسائل)
1429/02/20 (06:01 صباحاً)
16747 قراءة
قسم : الثقافة الفنية (الرسائل).

عدد المشاركات : «8».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصية مربي متقاعد.
◗فبينما أنا أقلب صفحات الذاكرة وأطوي الزمان شهراً تلو شهر، وسنة إثر سنة، وأستعيد المواقف والأحداث، وأتأمل رحلة هذه الحياة، إذ توقفت الكلمات عن الوصف، وانطلق الخيال وتعثر الحرف، ومر أمامي شريط الذكريات، خصوصاً تلك السنوات الزاهيات التي قضيتها مشرفاً تربوياً في هذه الإدارة التي ما عرفت فيها إلا حبيباً كريماً أو محباً عزيزاً :
رعى الله الأحبة حيث حلوا =خيول الشعر مسرجة إليهم
لهم في القلب مرتحلٌ وحِل =تبارت حيثما ساروا وهلوا
فلقد جاش في صدري ما لا أستطيع وصفه من الثناء العاطر، وانطوت بين الضلوع في صفحة الذكريات أجمل المناظر، وما لا يمكن أن أنساه مهما نأت الديار وشط بنا المزار، وأجد الصمت أبلغ من الكلام، والإشارة أفصح من العبارة، خصوصاً في موقف الرحيل، فالوداع موقف مهاب، يرتاع فيه الفؤاد وتحار فيه الألباب، وتغضي فيه الكلمات من هيبة الأحباب :
صمتي كتاب إلى الأحباب مفتوح =ونغمة الحب إن ذابت على شفتي
ونصُّه في سجل القلب مشروح =فإن مسكنها الوجدانُ والروح
■ أيها الأحبة :
إن الفترة التي قضيتها في إدارة الإشراف التربوي، تلك الإدارة التي تعتبر رئة التعليم التي يتنفس منها، وقلبه النابض بالعمل الدؤوب، اكتسبت خلالها فوائد أعجز عن حصرها، ولكنه مستقرة في مكنون الضمير، ولعل أثمنها معرفة الرجال، وصحبة الصفوة من المربين، مديرين لها ومشرفين بها، وحُقَّ لي أن أفخر بمعرفة أولئك الفضلاء، وصحبة هؤلاء النبلاء.
والتقاعد سنة ماضية، فكل من امتطى صهوة جواد التعليم فسوف يترجل عنه يوماً ما، لأن النظام يسري على الجميع، ولكنني أوصي إخواني في ميدان التربية والتعليم بالاستمرار في العطاء والنماء للمجتمع والوطن والأمة، وأن تكونوا رمزاً لكل فضيلة، ويدَ عطاءٍ لكل خير، ونبراساً لكل مقتدي.
إن التقاعد ليس إلا حلقة في سلسلة، وجملة في صفحة، وليست القضية سنوات من العمر مضت، وأعباء من التكليف انقضت، واعتزل من حوله، وانطوى على ذاته، وقصر نفسه على خاصته وأسرته، ولكن القضية أثر ينقش على صفحات القلوب، قبل أن يكتب على صفحات التاريخ، حروفه ساعات العمر الماضية، ومداده إخلاص يختلج في القلب، وهمٌ يعتلج في النفس، يدفعها إلى البذل بسخاء، ويفسح الأفق أمامها ميداناً رحباً للعطاء، ترفرف بجناحي الحب والكرم، فتبادله القلوب بمثلهما ما بقي في المجتمع شيء من وفاء، وفي الجيل شيء من إخلاص وهما باقيان بإذن الله تعالى.
ولكنني أختم بوصية مهمة لإخواني وزملائي، وهي أن يستمر التواصل بيننا عبر الزيارة أو الاتصال، أو أي وسيلة ممـكنة، ثم الدعاء الدعاء، فإنه مفتاح لكل خير، وثمرة لكل أخوة صادقة.
أما أنا فإنني لن أنساكم بإذن الله تعالى ما بقي في جسدي عرق ينبض أو قلب يخفق، ولعلي أجتهد في الزيارة والتواصل بإذن الله تعالى :
إذا طلعت شمس النهار فإنها=سلامٌ من الرحمن في كل ساعة
أمارة تسليمي عليكم فسلموا=وروحٌ وريحانٌ وفضلٌ وأنعُمُ
■ وفي الختام :
فإنني أتقدم إلى جميع من عرفتهم بطلب الصفح عن كل زلة أو هفوة جرى بها القلم أو نطق بها اللسان أو تحركت بها جارحة ولم يقصدها القلب ولا انطوى عليها الضمير، فإن للعمل ظروفه وأحواله، والنفس البشرية لها خصائصها وطبيعتها، وأنتم أهل لكل كرم وموطن لكل فضيلة.
ورغم ألم الفراق وشدة ساعة الوداع فإن جمال الحب سيعلو فوق ألم الوداع ، تفاؤلاً بأمل مشرق ، ولقاء وتواصل بإذن الله تعالى :
سلامٌ من الرحمن إني مودعٌ =فإن نحن عشنا يجمع الله بيننا
وعيناي من مدِّ التفرق تدمع =وإن نحن متنا فالقيامة تجمع
وستبقى ذكرى المحبة شامخة بإذن الله تعالى، مع أمل بلقاء ووعد بدعاء، وحب متجدد لا ينضب، ونستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه.
■ د. محمد عبدالغني عبد رب الرسول.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :