• ×

09:31 مساءً , الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

◄ الفكر الإسلامي وقابلية النماء والتطور «2».
وأنا أرى أن الأمة التي تلغي كيانها وذاتها هي التي ترفض التجديد ولا تمارس حقها فيه وبالتالي تضعف من إمكاناتها الفكرية وتكون عبأَ وعالة على السابق واللاحق من الأجيال، وإذا سلمنا أن منهج الاجتهاد الفقهي يشجع الرأي ويلقي على كاهل العقل البشرى أن يتحمل مسؤوليته كاملة في ميدان الاجتهاد فأن التجديد في ميادين وساحات الفكر الإنساني بصفة عامة أمر منطقي وطبيعي كون العقول البشرية مكلفة بأن تمارس إنسانيتها من خلال ما تفكر به.

نقطة غاية في الأهمية لا بد من التعريج عليها ونحن بهذا الصدد ألا وهي أن للفكر الإسلامي أهداف وغايات مثلى تناسب عظمة هذا الفكر وهذا الدين الحنيف، يمكن إجمالها بالتالي :
1 - وضع أسس هدفها تنظيم حياة الفرد خاصة والمجتمع بصفة عامة لتحقيق السعادة والحياة الفضلى التي يطمح إليها كل أبناء المجتمع وبالتالي تحقق الرخاء والرقي.
2 - محاربة الخرافة والأسطورة كون الفكر أداة للهداية فتحرير الإنسان يشعره بإنسانيته التي اكرمها الله بنور العقل وهدايته.
هذه المنطلقات والمبادئ أساسية لا تخضع للتجديد كونها تحمى الإنسان من الانحراف وتبعده من مواطن الحيف والزلل والتجديد أمر لا خيار فيه وهو مطلب عقلي واجتماعي كون العقل يرنو إليه لممارسة حق مشروع والمجتمع يتطلع إليه لتزويده بالرأي الذي يحقق له المصالح المشروعة التي أقر ديننا الحنيف بها في مبادئه الأساسية، لذلك هناك عوامل عديدة تبرز مبررات التجديد في فكرنا الإسلامي نذكر منها : التطور المتنامي في طبيعة الحياة الاجتماعية وقابلية النصوص التشريعية للفهم المتجدد وهذا المبدأ متفق عليه. وتلك الضرورة الملحة لمواكبة فكرنا الإسلامي لحاجات الإنسان ورغباته على اعتبار أن الفكر غاية الإنسان ومبغاه ولا يجوز لهذا الفكر أن يكون معزولاً عن قضايا الأمة وما يطرح من مستجدات على الساحة بمعنى كافة القضايا التي يعيشها الفرد على كافة الصعد وفي كافة المجالات.

وفى الختام لا بد من كلمة في قضية التجديد، فلقد تتالت مواكب دعاة التجديد والتاريخ شاهد على ما ندعى بدلائل لا يستطيع أحد أن ينكرها على امتداد تاريخنا المشرف وكان هؤلاء الدعاة الرواد يبذلون الغالي والنفيس في سبيل ذلك بهدف استمرار وتصحيح المسيرة سواء على صعيد الفكر والتشريع أم في ميدان العقيدة وحقيقة لم يضق صدر الإسلام بهؤلاء الدعاة وإنما ضاق صدره بما أثقل كاهل الفكر الإسلامي من تقليد وانحراف وجمود وهذا مدعاة لتقديس التاريخ وعصمة للتراث وهذه العصمة والتقديس تتعارض قطعاً مع منهج الإسلام الذي يرفض كلاهما ويجعل أمر الفكر في مواطن رعاية العلماء المؤتمنين على مواصلة العطاء حتى تبقى شعلة الفكر متقده متوهجة تنير الدرب وتعبر المسالك أمام قوافل المؤمنين برسالة الإسلام.

والثابت أن الفكر لا يترعرع ولا ينمو في ظل التقليد الذي بسيادته أو التزمه فيه كل الدلالة على تراجع وتخلف الأمة وبالتالي عجزها عن العطاء مع ملاحظة أن التجديد لا يعنى بأي شكل من الأشكال التغيير وإنما يعنى الإضافة المتميزة التي تسم الفكر بسمة عصره حتى يكون الوليد الشرعي للمجتمع ولا يمكن لمجتمع حي أن يتخلى عن مسؤوليته في إبداء رأيه فيما يواجهه من قضايا فكرية على اعتبار أن الفكر الإسلامي يملك قابلية التجديد المستمر كون النصوص الشرعية التي تعتبر مصادر أساسية للفكر الإسلامي أناطت بالعقل البشرى مسؤوليات جسيمة واطمأنت إلى سلامة اختياراته وأرست له ضوابط حتى تكون رحلته في الاستنباط والبحث والاستنتاج محكومة بمؤشرات الوقاية من الضلال والخطأ محاطة بكل أسباب السلامة.

وكما اشرنا أنفاً بأن الإنسان هو السبب الرئيس للتجديد هو أيضاً دون ادني شك أداة التجديد وهو الغاية والهدف من كل تجديد وهو مؤشر - اقصد التجديد - على نضج الممارسة العقلية وتحمل الإنسان لمسؤوليته في التعبير عن تجربته الذاتية ورؤيته المتجددة لقضايا عصره فإذا مارس الفرد هذا الحق المشروع بشجاعة وحرية دون قيود وضوابط كان مؤهلاً فعلاً لحمل وتحمل المسؤولية وأن طاله التقاعس عن ممارسة هذا الحق سواء كان لعجز أو جهل أو خوف ووجل كان جديراً بأن يكون في مؤخرة الصفوف.

وإن مجتمعنا الإسلامي اليوم مطالب بأن يتصدى لقضاياه الفكرية أكثر من أي وقت مضى مؤكداً في ذلك أصالة الفكر الإسلامي وتميزه بالإنسانية وبخصاصه الذاتية التي تضعه في المقدمة دون منازع.
وإذا لم يتصدى علماؤنا وفقهاؤنا وهم رموز وأعلام الحياة الفكرية في مجتمعاتنا المعاصرة لتحمل مسؤولياتهم في الإعراب عن آراءهم الفكرية في القضايا المطروحة على مجتمعنا فأن التخلف والتراجع عصره سيمتد ويطول لا محالة وسيبحث مجتمعنا - وهنا مكمن الخطر وسنامه - عن البدائل الفكرية المتزاحمة التي نراها وتغص بها ساحاتنا وهى حقيقة بدائل لن ولم تسهم في رقي مجتمعنا وتقدمه ولا في نمو وتطور فكره كون الفرق شاسع واسع بين الأصيل من الفكر والدخيل فالأصيل يملك القدرة على مخاطبة امتنا ويلامس واقعنا ويلك القدرة على تحسس وتلمس مشاكلنا.

وسيبقى منهج النمو والتطور في مجال الفكر الإسلامي الأصيل هو الرجاء الذي لا خيار لنا في تخطيه على اعتبار أن مجتمعنا ضاق بليل الظلام ويرنو إلى مشاعل التجديد ألتي ستنير بعون الله ذلك العتم الدامس حتى ينبثق ويطل من خلف الأفق البعيد ذلك الوهج والنور المحمل بالأمل والذي يحمل بيديه بشرى عهد جديد يتصدى فيه فكرنا الإسلامي السامي لكافة التحديات الفكرية المعاصرة.
والله نسأل أن يجنبنا العثار والزلل في القول والعمل.
 0  0  4170
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )