• ×

01:22 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ لقد شغل موضوع تعريف الفن الفلاسفة منذ فجر التفكير الإنساني غير أن هذا التفكير كان يتسم عادة بالصبغة الميتافيزيقية ولكننا وجدنا أن مؤلف الكتاب ( * ) قد عالج الموضوع من زاوية علمية جعلته رائداً في هذا المضمار اذ أضاف جديداً إلى منهج التفكير الجمالي.

■ يقول المؤلف :
أبدأ بتعريفي للفن من نقطة قد تبدو بعيدة لأول وهلة إذ أنها تحتل مكاناً في نطاق العلم أكثر مما تحتله في نطاق الفن. غير أن نقطة البدء هذه جوهرية بالنسبة لهدفي وهو تكوين مدرك للفن كجزء من العملية العضوية للتطور البشري وعلى ذلك فهو شيء مختلف تمام الإختلاف عن ذلك النشاط التنميقي الذي ينسبه علماء الحياة وعلماء النفس والمؤرخون عادة إلى الفن إذ يعتبرونه وظيفة الفن الوحيدة.
إن السؤال عن ماهية الفن لهو من الأسئلة التي حاول كثير من العلماء والحكماء الإجابة عنه غير أن هذه الإجابة لم تكن مرضية للجميع فمثل الفن كمثل الأشياء الموجودة من حولنا في كل مكان كالهواء والتربة لأن الفن ليس مجرد أشياء توجد في المتاحف ومعارض الفن والمدن القديمة مثل فلورنسا وروما وباريس ومهما يكن تعريفنا للفن فهو كائن في كل ما نصنعه لإمتاع حواسنا.
تذهب أحدى مدارس علم النفس إلى أن هناك عنصراً جمالياً في عملية الإدراك ذاتها. أن الحواس عامة بين البشر وقابلة لشتى أنواع التأثيرات, كما أنها متشابكة بعضها مع البعض الآخر فنقول أن الثلج يتشكل فوق البحيرة وان قطرات الندى تتشكل فوق غصن الشجرة وهكذا نجد أن المعنى الحقيقي لكلمة شكل أو هيئة هو اتخاذ شكل أو هيئة معينة.
وهذا هو معنى الشكل في الفن ولا فرق بين البناء المعماري أو التمثال أو الصورة أو القصيدة أو المعزوفة فجميع هذه الأشياء تتخذ شكلاً معيناً خاصة وهذا هو شكل أو هيئة العمل الفني.
إن الشكل - في حقيقة الأمر - لا يمكن إدراكه إلا باعتباره لوناً ولا يمكن الفصل بين ما نراه كشكل وما نراه كلون لأن اللون هو تفاعل يحدث بين شكل من الأشكال وبين الأشعة الضوئية الساقطة عليه والتي بها نرى الشكل وما اللون إلا المظهر الخارجي للشكل, ومع ذلك فإن للون دوراً هاماً يلعبه في الفن لأن له تأثير مباشر على حواسنا والحق أن التنوع في المجال اللوني يتمشى مع التنوع في انفعالاتنا فاللون الأحمر يتمشى مع انفعال الغضب , واللون الأزرق يتمشى مع انفعال الشوق وهكذا. وقد يكون هناك تفسير فسيولوجي لهذا التمشي أو التوازن بين الألوان والإنفعالات إذ أن عدد الموجات أو الأشعة الضوئية الساقطة على شبكة العين هو الذي يقرر ما نحس به من متعة أو ضيق وهذا هو الجانب الفسيولوجي للون, إلا أن للون جوانبه السيكولوجية أيضاً. وثمة من يفضل الواناً على ألوان أخرى, لأنه يربطها بما يجب أو بما لا يجب بوجه عام فمن الناس من يحب اللون الأخضر لارتباطه بفصل الربيع ومنهم من يحب اللون الأزرق لأنه يذكرهم بزرقة السماء في منطقة معينة ومنهم من يكره اللون الأحمر لأنه مرتبط في أذهانهم بالخطر أو الثيران المجنونة، وقد يكون الإحساس بالسرور أو الضيق جذور في اللاشعور وهي جزء من التكوين المزاجي لكل فرد.
وينبغي في دراستنا للألوان في العمل الفني أن نتذكر حقيقتين الأولى أن أداة التسجيل أعني العين البشرية وما يتصل بها من جهاز عصبي تختلف من حيث الكفاية من شخص إلى آخر بنفس الطريقة التي تختلف بها أجهزة الاستقبال اللاسلكية من حيث الكفاية فيما بينها، والحقيقة الثانية عي انه عندما نستخدم اللون لتصوير شيء ما أي لإعطاء محاكاة تصويرية له يجد الفنان أن للون خصائص بصرية معينة يمكن استخدامها للتعبير عن الفراغ وبذلك يمكن التعبير عن الشكل ذي الأبعاد الثلاثة فاللون الأحمر مثلاً يبدو بارزاً عن سطح اللوحة, كما يبدو اللون الأزرق وكأنه غائر فيها ولكن هذه جميعاً حيل فنية تفصيلية يحسن تركها جانباً في الوقت الحاضر لأننا نعالج الخصائص العامة للعمل الفني.

■ المبدأين الأساسيين في الفن :
المبدأ الأول الشكل : وهو مشتق في رأينا من العالم العضوي ومن الجانب الموضوعي العام لجميع الأعمال الفنية.
أما المبدأ الثاني فهو مبدأ الإبداع الذي يختص به عقل الإنسان ويدفعه إلى ابتكار وتذوق ابتكار الرموز والأخيلة والأساطير التي تتخذ لنفسها وجوداً عاماً. أما الابتكار فهو وظيفة من وظائف التخيل.
ويصل هذان النوعان من النشاط العقلي في تفاعلهما معاً إلى ما هو أبعد بكثير من جميع الجوانب النفسية للخبرة الجمالية, غير أن للفن جوانب اخرى بيولوجية واجتماعية لا يمكن لنا أن نقلل من أهميتها.
وأني اعتقد أن الحياة ذاتها جمالية في منابعها الجوهرية والخفية اذ أنها ناتجة عن تجسيد الطاقة في شكل لا يكون مادياً فحسب, بل جمالياً أيضاً وهذا هو المبدأ الشكلي الذي نلحظه في تطور الكون ذاته، ويبدو أنه كلما استطاع عالم الطبيعة أن يميط اللثام عن البناء الطبيعي للعالم كلما اعتمد على توافق عددي له جوانبه الجمالية الممتعة ولا يقل عالم الطبيعة عن عالم الجمال استعداداً في تقبل نظرة إلى الكون ترى أن التباعد بين الخبرة الجمالية وما وراء الجمالية وبين الخبرة العلمية وما وراء العملية هو أساساً تباعد بين ما هو قابل للقياس وما هو غير قابل له، وما بين الملموس وغير الملموس.

عن مفهوم الجمال يقول أوسكار وايلد : (الجمال نوع من العبقرية بل هو حقاً أرقى من العبقرية أنه يحتاج غلى تفسير فهو من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم أنه مثل شروق الشمس أو انعكاس صدفة فضية نسميها القمر على صفحة المياه المظلمة).

وفي تعريف الفن أن هناك تصنيفات عدة للفنون يصعب ان نحيط بها في هذا السياق, لكنها في صورته النهائية كما وصلت إلينا خلال القرن العشرين تقوم كما يقول (تتار كيفتش) على ثلاثة افتراضات اساسية :
1- ان هناك منظومة محددة للفنون جمعاء .
2- أن هناك تفرقة واجبة بين الفنون والحرف والعلوم .
3- ان الفنون تتميز بأنها تبحث عن الجمال وتحاول أن تصل إليه .

وكذلك ان الفن يشتمل على كل الأنظمة أو المجالات الإبداعية مثل : الشعر والدراما والموسيقى والرقص والفنون البصرية وتشمل الفنون البصرية على كل النشاطات الإبداعية التي تسعى إلى توصيل رسالتها - أياً كانت - من خلال مخاطبة اشكال فنية أساساً, كما أنه يمكن تقسيم الفنون البصرية إلى ثلاثة فئات رئيسية وهي : التصوير والنحت والعمارة وبالطبع يمكن تقسيم كل فئة من الفئات الأخيرة إلى أنواع فرعية أكثر تحديداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هربرت ريد. تعريف مفهوم الفن، سلسلة تصدر برعاية الشيخ الدكتور سلطان القاسمي مركز الشارقة للإبداع الفكري (مكتبة الفنون التشكيلية).

 0  0  3504
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:22 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.