• ×

01:23 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ حياة الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ حياة مليئة بالود، مفعمة بالمشاعر، فرغم مشاغلة فإنه لم ينس أبناءه من الشعب وأبناء أسرته، ولم ينس العطف على الفقراء ومعاملة الناس على قدر عقولهم، فتجده مرة رقيقاً عطوفاً ومرة تراه حازماً في الحق شديداً، وأخرى تجده يأسرك بذكائه وسرعة فطنته عندما يتعامل مع الفقير والمسكين، وله كذلك مع خصومه وقفات في العفو والصفح عما سلف والبدء بحياة جديدة ملؤها التفاني والإخلاص منهم إليه والعطف منه إليهم.
وإليك أخي القارئ ومضات اجتماعية من حياة صقر الجزيرة الملك الهمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله.

■ فأما الومضة الأولى فستسلط الضوء على بره بأبيه :
فلقد كان الملك عبدالعزيز باراً بأبيه مطيعا له في صغره وشبابه وحتى بعد أن تولى الإمارة كان يزور والده يوميا في قصره صباحاً، أما الوالد فكان يزور ولده بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، وعندما يصل يقوم الملك عبدالعزيز من مكانه مستقبلا له ومقدماً إياه إلى صدر المجلس ويجلس هو بين يديه.
وقد كان لا يذكُر الإمام عبدالرحمن إلا بالإكبار والإجلال، حتى أنه كان يقرب كَتِفَهُ له عندما يريد امتطاء صهوة الجواد ويرفض أن يقربه سائس الجواد تأدبا وإجلالا لأبيه.
وفي فريضة الحج كان الإمام عبدالرحمن شيخاً كبيراً أعياه التعب في الطواف بالبيت العتيق، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن احتمله بيديه وأكمل به باقي الأشواط في منظر مؤثر يدل على البر، وحسن مصاحبة الوالد وحسن التعامل معه.
وتحدث (فيلبي) عن أول مرة رأى فيها الملك عبدالعزيز سنة 1333 من الهجرة، فقال : استقبلنا الإمام عبدالرحمن وكان ضئيل الجسم في نحو السبعين من العمر، فاستقبلنا ودعانا إلى الجلوس وهو يسال عن أحوالنا ويلاطفنا حتى نهض عنا وكان الملك عبدالعزيز منطويا على نفسه تأدبا في حضور أبيه وكأن عيني لم تقع عليه وهذا هو نهجه معه دائماً.

■ أما الومضة الثانية فسنسلطها على تعامله مع أبنائه وأسرته :
فلقد كان ـ طيب الله ثراه ـ يجمع بين الرحمة والشدة في تعامله مع أبنائه حتى أنه في وصيته لولي عهده الملك سعود قال له : (عليك أن تنظر في أمر المسلمين عامة وفي أمر أسرتك خاصة، اجعل كبيرهم والداً ومتوسطهم أخا وصغيرهم ولداً، وهن نفسك في رضاهم، اصفح عن زلتهم وأقل عثرتهم، وانصح لهم وأقض لوازمهم بقدر استطاعتك).
وكان رحمه الله يخصص ما بين المغرب والعشاء من ليلة الجمعة لنساء الأسرة، ويوم الجمعة بعد الظهر يكون غداؤهن عنده في القصر ولا يغيب أحد.
وفي أحد المرات كان معه الأمير عبدالمجيد ـ رحمه الله ـ وكان صغيرا وأعطاه مجموعة من الريالات فقام الأمير عبدالمجيد بإعطائها لأحد مرافقيه، وهو يوزع على الناس، فسأله الملك عبدالعزيز عن الريالات، فمد الأمير عبدالمجيد يديه فارغتين، فقال له الملك عبدالعزيز : لا تخف يعوضك الله عنها وأعطاه غيرها والأمير الصغير يوزع مما كان أثرا بالغا في تعويد الصغير على الكرم وبأن الجود لا يفقر.

■ وإليك أخي القارئ الومضة الثالثة، وهي عن مواقفه مع العلماء :
حيث كان للعلماء المقام الكبير عند الملك عبدالعزيز، يقدمهم على سائر جلسائه ويصغي إليهم ويكرمهم، وعودهم إذا بدا لهم أمرا ورأوا فيه (النصيحة) له، الاجتماع بينهم ويكتبوا كتابا يذيلونه بتوقيعاتهم، ثم يقابلون الملك أو ينيبوا أحدهم لمقابلته لعرضه عليه فيرى ما يرى.
ومن مواقفه مع العلماء، عندما جاء أول مبلغ مالي من البترول وكان مبلغاً لا يستهان به آنذاك، قسمه ثلاثا وأعطى العلماء الثلث قائلاً : (انشروا ما استطعتم من كتب السلف).

■ أما الومضة الرابعة فستكون عن أطبائه رحمه الله :
فلقد كان يحيط بالملك عبدالعزيز عدد من الأطباء ذوي الخبرة والكفاءة العالية أحبهم، فأخلصوا له.
ومن مواقفه تجاه أطبائه قال مرة مداعبا إياهم : ثلاثة لا تناقشهم : الغريب والهرم والطبيب، فإن الأول يأتيك بالعجائب، فإن عارضته قال : رأيت ذلك في بعض أسفاري، والثاني يأتيك بما لا يرضه العقل، ويقول : كان هذا في أيام صباي، أما الطبيب يسمي لك أمراضاً ليست فيك ويقول : قرأت هذا في المدرسة.

■ أما الومضة الخامسة فسنسلطها على مواقفه مع شعبه :
فكان الملك عبدالعزيز يعلن على الملأ دائماً وأبداً وفي كثير من خطبه أنّ سنده الأول الله تعالى ومن ثم شعبه، وأنه منهم وهم منه، ويعمل جهده وطاقته ليسعدهم ويوفر الراحة والأمن لهم والسعي للرقي بهم.
فمن المواقف التي تشهد على كرمه وبذله مع شعبه : قيل له إنك تعطي كثيراً ! فلو اقتصدت، فقال الملك عبدالعزيز : إن الله عودني عادة أن يتفضل علي وعودت عباده عادة أن أوسع عليهم فأخاف أن أقطع عادتي فيقطع الله عني عادته، فإني لن أبني قصرا ولن أشتري مزرعة، كل ما يرد أنفقه على المسلمين وهذا حق لهم.
لقد كان الملك عبدالعزيز كريما معطاء، منفقا في سبيل الله وفي أوجه الخير وكان يوزع المال في ذهابه إلى مقر عمله الرسمي وفي إيابه ونَصَحَه أحد أصدقائه بالكف عن البذل والسخاء فرد عليه : ما أغنى قارون خزائنه.
وفي أحد الأيام أعطى فقيرا صرة من المال وكانت من الجنيهات، فنادى الفقير : أنها جنيهات ذهب وليست ريالات فضية، فقال الملك : أردت أن أعطيك الريالات وما نويت إلا هذا ولكن الله الذي وهبك هذا الذهب، فاشكر الله وحده واشتري بما أخذت نخيلا واعمل ولا تكسل.
ومن المواقف التي تدل على تواضعه مع شعبه : أنه كان يقول : إنه لا يرى نفسه أكثر من أب لأسرة كبيرة ـ هي شعبه ـ وأنه المسؤول عن هذه الأسرة أمام الله.
قال الكاتب المصري إمام أبو شنب : شاهدت بعيني أعرابياً قزماً يدخل على الملك عبدالعزيز ويريد تقبيل جبينه، فلما لم يستطع لقصره، وطول الملك، فأمسك برأس جلالته وقربه إليه قائلاً : كيف أنت يا عبدالعزيز.
وكان عبدالعزيز يصغي إلى الكبير والصغير من شعبه، ويشارك المسرور سروره والمحزون أحزانه، وكان قليلُ فقط يناديه بلقبه الرسمي ولكن الأعم يناديه : طويل العمر أو أبا تركي ومنهم من يناديه باسمه المجرد : عبدالعزيز، ولا يؤثر فيه ذلك ولا يراهم خرجوا عن حدود الأدب معه.
ومن المواقف التي تدلنا على مخاطبته الناس على قدر عقولهم، أن لقيه ذات مرة بدوي، فسأله الملك : هل رأيت موكب عبدالعزيز من قبل ؟
فرد عليه : نعم (وهو لا يعلم من هو).
ثم سأله : أتحب عبدالعزيز أم تكرهه ؟
فرد البدوي قائلاً : لا أحبه ولا أكرهه.
فقال الملك : ولم ؟
رد البدوي : أنا لا أحبه لأنه لو لم يكن ملكاً لكنتم أنتم ومتاعكم نهبا لنا.
فرد عليه الملك : ولماذا تحبه ؟
قال : لأنه جاءنا وجاءكم بالعافية والدين والسلام.
وما كاد يسمع الملك هذا الكلام حتى أضاءت أسارير نفسه وقال : لقد كان صادقاً في حبه وبغضه وأنا سعيد بحبه الذي أبان أسبابه وبغضه الذي ذكر أسبابه.

■ أما الومضة الأخيرة : فستكون عن مواقفه مع خصومه السابقين :
فذات مرة كان الملك عبدالعزيز بين جلسائه وابتسم ثم سأل : أتدرون سبب ابتسامتي ؟
فقال : إن سبب ابتسامتي هو أني مددت بصري إليكم واستعرضتكم واحد واحدا فما وجدت فيكم إلا من كان بيني وبين أهله خصومة وقتال عنيف ومع ذلك أرى لكم في نفسي منزلة من المودة هي بمنزلة الأبناء البررة والأشقاء الأوفياء.
ومرة قال لرجال من بني آل رشيد : يا آل رشيد، اعلموا أنكم عندي بمنزلة البنين وأنتم في الرياض هنا تعيشون كما أعيش أنا وأولادي، ثيابكم مثل ثيابنا وأكلكم مثل أكلنا وخيلكم مثل خيلنا وأزين.
وذات مرة تحدث إليه عبدالحميد الخطيب بعد أن دخل الحجاز معتذرا عن مقاومته له في الماضي، فرد عليه الملك قائلاً : لا تحاول يا ولدي أن تعتذر عن الماضي، فإني أقدر لكم على كل حال ثباتكم مع أمرائكم السابقين، فمن ثبت مع غيرنا ثبت معنا أيضا إلى النهاية.

■ رحم الله الملك عبدالعزيز رحمة واسعة، إن شعب المملكة العربية السعودية، وكثيراً من رجال القلم من أدباء ومؤرخين وساسة يصحبون عبدالعزيز في ذكراه ويخلدونه تمجيدا وإكبارا على مر الأجيال والعصور وكأنه بينهم، وهذا ما لا نرى له مثيلا في معظم البلدان، فعبدالعزيز ظلت ذكراه، ولم يفقد اسمه بريقه في سماء الجزيرة العربية، بل ظل اسمه والمملكة العربية السعودية شيئاً واحداً.

 2  0  4951
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1430-12-20 08:14 مساءً رزق الله حسن اليزيدي :
    لم يكن الملك عبد العزيز شخصية قيادية فقط فالقادة الذين غيروا مجرى التاريخ كثر , ولكن الملك عبدالعزيز رحمه الله جمع في شخصه عدة شخصيات ولكن بقلب واحد فهو مصلح اجتماعي استطاع ان يغير في المجتمع وسياسي بارع وذلك عند تعامله مع المتغيرات والاحداث الجسام . واخيرا شكرا لك على مقال الرائع
  • #2
    1430-12-26 08:28 صباحًا خالد بن جميل الحارثي :
    أخي الدكتور / منيف المطرفي

    شخصية الملك عبدالعزيز ال سعود ـ رحمه الله ـ من الشخصيات القوية التي كان لها دور بارز في تأسيس مملكتنا الحبيبة .

    شكراً لأخي الدكتور / منيف المطرفي على هذا الطرح الجيد والأداء المؤثر مع خالص شكري وتقديري لكم ....

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:23 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.