• ×

07:04 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ برنار ستيقلر ـ (الجزء الثاني).
التفاف فلسفي على اليونان القديمة : في القرن التاسع عشر، قامت المدرسة العمومية بثورة كبيرة للاستحواذ على الانتباه. عندما قال جول فيري Jules Ferry موجهاً خطابه للشعب الفرنسي : ابتداء من الآن، يذهب أبناؤكم ما بين سن الخامسة والرابعة عشر إلى المدرسة ست ساعات في اليوم وخمسة أيام في الأسبوع. يرمي هذا القرار إلى محاربة السلطة الروحية للكنيسة المهيمنة على المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى إحلال الدولة بديلاً للعائلة في الاستحواذ على الانتباه.
كذلك فعل أفلاطون 2500 سنة قبل جول فيري، بتعليم المجتمع الإغريقي الكتابة، يجب على جميع المواطنين تعلم القراءة والكتابة، والمواطن الحق الذي يستطيع المجيء إلى أقورا Agora ويقول : أريد تغيير هذا القانون. المواطن الحق الذي يساهم بشكل فعال في تطوير هذه المدينة .. في الوقت الذي كان فيه السفسطائيون ينادون بوجوب امتلاك القدرة على تطوير الرأي ونقيضه، بقولهم : الأهم ليس الرأي الذي ندافع عنه، لكن الأهم هو كيفية الوصول إلى الإقناع. هذه بداية الكارثة : ومن هنا بدأ ميلاد الديماغوجية.

أفلاطون والتلفزيون .
يقول أفلاطون : التفكير هو أن تفكر بنفسك، فلا تفكير إلا بما تفكر أنت فيه بنفسك. وبالتالي اعتمد أفلاطون على طريقة تطوير ذاكرة الإنسان وليس خداعها الكامل.
قد يتساءل القارئ عن الفرق بين التلفزيون في أيامنا، والكتابة في عصر أفلاطون ؟ وماذا يعني السمعي البصري إذا كنا مجرد مستهلكين ؟ إن التشابه واضح بينهما، تتمثل في إمكانية الحصول على معلومات دون تعلم القراءة والكتابة .. لنضع تلفزيونا في قرية لا تعرف شيئاً عن هذه الآلة العجيبة، بمرور أيام قليلة، يبدأ تأثير الصورة على الناس، للسمعي البصري قدرة قوية على التأثير، وقدرة عجيبة على التغلغل الاجتماعي. أعتقد أنه من الأهمية بمكان تطوير علاج خاص لوسائل الإعلام الحديثة.
لا يحب الناس مشاهدة التلفزيون، لكنهم لا يستطيعون الاستغناء عنه.
تتمثل المشكلة الكبرى، اليوم، في الإدمان، ليس فقط على مستوى الأطفال بل على مستوى جميع أفراد العائلة، السبب هو التالي : لقد حطّم التلفزيون كل الوشائج العائلية، أو روابط ما بين العائلات. ليس هناك أحاديث بين الأبناء والأولياء، حتى المناوشات الضرورية للحياة العائلية. العائلة مؤسسة للصراعات والمناوشات، يتدخل فيها أحياناً المعلم، أو الجد، الطبيب النفساني لتنظيم ما أفسده الصراع، وجاء التلفزيون ليحطم هذه العلاقات بين العائلات.
نشرت جريدة تيلي راما Télérama تحقيقاً يبين أن 56 % من المشاهدين المستجوبين لا يحبون مشاهدة التلفزيون. والنظام الذي يعتمد على الإدمان، يحول المدمن كارهاً لما سبب له هذا الإدمان لكنه لا يستطيع تجاوزه. لقد أصبح الناس تابعين للتلفزيون ولا يستطيعون التخلي عنه.

الاستحواذ على الانتباه من طرف وسائل الإعلام يحطم دوائر تحديد الهوية .
ماذا يعني تحديد الهوية ؟ هي قدرة نرجسية تعتمد على اكتساب الأنا الأعلى، إنه التعرف على الوالد، على الأم، على سلطة ما. ولا يقصد بالوالد هنا الشرعي، وإنما الوجه الرمزي الذي قد يكون المربي أو الوالد الحقيقي أو غيرهما.
ماذا ينتج التلفزيون ؟ ينتج انقطاعاً للتيار عند التحديد الأولي للهوية. الطفل الذي لا يطيع والديه يحدد هويته بما يقدمه له التلفزيون، وبالتالي لا يستطيع الطفل أن ينتج وجوها رمزية، فيسير نحو الذهان Psychose. كل المحللين النفسانيين يقولون بأننا نواجه أكثر فأكثر الذهانيين، وأقل فأقل العصابيين Névrotiques المشكلة الكبرى تتمثل في تطور الذهان الذي يختلف عن المختل عقلياً.
الاستحواذ على الانتباه يحطم كذلك الليبيدو Libido يقول فريد Freud بأن الليبيدو (رغبة غرائزية) هو طاقة الربط. فالناس تسكنهم غرائز، وهذه الغرائز خطيرة جداً، إذا لم تربط بالليبيدو الذي هو اقتصاد للغرائز ذات الطبيعة الاجتماعية فإنها تترجم بالاغتصاب بحكم ارتباطه بالغريزة الجنسية، القتل بحكم ارتباطه بغريزة الظلم والإبادة، أو الانتحار. إنها تعطي التحطيم الذاتي، والجريمة بصفة عامة، المجرم لا يملك رقيباً داخلياً، ولا الأنا الأعلى.

ظهور وسائل الإعلام الجديدة والتعاونيات المعرفية .
إن اكتساب الأنا الأعلى أمر ضروري. لأنه يسمح بالربط بين الغرائز، لا يعتبر الأنا الأعلى نقيضاً للبيدو بل هو موجه له. يقول فرويد بأن الأنا الأعلى يمكن أن يكون حاملاً لبعض الغرائز، وفي بعض الحالات يمكن أن ينحرف، لكنه عندما يكون صحيحاً يتسامى بصاحبه.
منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، بدأ يختفي اللبيدو لتحل محله الدوافع الغريزية، يشتغل التلفزيون بالاستحواذ على هذه الدوافع، بوضع كل أنواع أجهزة العرض والبرامج الجنسية وكل أنواع الميكانيزمات المعتمدة على الفاحشة والسفاهة بكل أشكالها.
ليس هذا قدراً، يمكن قلب الأوضاع وجعلها تسير في الطريق السليم، وإعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي، لأسباب كثيرة : الجميع يعاني من هذا الوضع. إنتاج الفوضى الاجتماعية، في الولايات المتحدة تحوّل الأمر إلى قلق كبير.
وأسباب أخرى أكثر أهمية : ظهور وسائل الإعلام الجديدة، خلق أوضاع أكثر تبعية من أوضاع ألعاب الفيديو والتلفزيون. إن وسائل الإعلام الجديدة تحمل في طياتها أشياء مهمة جداً بالأخص التعاونيات الثقافية التي تتطور في الأنترنات. الأنترنات على خلاف التلفزيون لا يشتغل على نموذج إنتاج ـ استهلاك .. يتيح لنا التلفزيون المشاهدة دون السماح بالمشاركة في الإنتاج. إنه نموذج صناعي بحت لأن هناك منتجين محترفين، لا يستطيع المشاهد مضارعتهم. في الأنترنات، نموذج إنتاج ـ استهلاك غير مناسب، لا يعتبر المتصفح مستهلكاً للرسائل، إنه في وضع المشارك، بإمكانه تطوير كل أنواع ممارسات التكنولوجية التعاونية، أسميها بالتعاونيات المعرفية، أشياء أكثر تعقيداً وحداثة من البرنامج الحر.
لقد دافعت كثيراً عن سياسة الإنتاج السمعي البصري على شكل برامج حرة. يوجد بمؤسسة Ircam منتدى لمتصفحي الأنترنات، يبلغ عددهم مائتي إلى ثلاثمئة، جاءوا من جميع أصقاع العالم، مهمتهم تطوير البرمجيات، والدور الاقتصادي لهذه المؤسسة هو تقديم الخدمة العالية لهؤلاء، علماً بأن العاملين على تطوير هذه البرمجيات هم الذين سيستخدمونها بعد ذلك. بتعبير آخر، يساهمون في تطوير برامجهم.

مناقشة دور السمعي البصري في المجتمع .
نلاحظ في المجتمع الذي يشتغل بشكل صحيح مساهمة كل الناس، من بعيد أو قريب، على تجاوز الفردانية Transindividuation بمعنى أن الكل يساهم في إنتاج العالم الذي يعيشه.
المجتمع الصناعي كما فرض في القرنين التاسع عشر والعشرين أنتج وضعاً قائماً على التناقض بين المنتج، والمستهلك الذي لا يستطيع المساهمة في الإنتاج، وبالتالي يصبح مستهلكاً سلبياً وغير فعال وهذا ما فعله التلفزيون باعتماده النموذج الصناعي، بالمقابل، يمكن لما تنتجه وسائل الإعلام الرقمية الجديدة أن تعيد اللحمة للمجتمع. لا يوجد بالأنترنات منتج من جهة ومستهلك من جهة أخرى، إنه وسط يتكون من نواد ومجموعات هاوية، من تكنولوجيات تساهمية، وتعاونيات معرفية، كما هو الحال في الموسوعة الإلكترونية : ويكيبيديا Wikipedia هذا وصف مثالي للأنترنات، رغم زحف عملية تصنيع البرامج التي تحاول فرض سياستها الاستهلاكية عليها.

تطبيق منهج جول فيري على التلفزيون .
العلاقات بين الأفراد تصنع المجتمع. وسائل الإعلام هي تكنولوجيات للعلاقة والربط لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تكون هذه العلاقة محددة من طرف السوق، السوق المحتكرة، الساخرة، التي لا تهتم بالمعرفة. يجب تقديم اقتراحات إيجابية، كما هو الشأن في عصر جول فيري، حيث تطورت المدرسة بفضل صناعة الصحافة والمطابع.
مدرسة جول فيري هي الكتاب المدرسي وليس فقط مدرسة المعلم حتى يتمكن المعلم من تطبيق البرامج المسطرة من طرف الوصاية، لا بدّ من إبرام عقود مع دور الطباعة والنشر على غرار ناتان Nathan هاشات Hachette وبالتالي ظهرت صناعة تسمح بطباعة الكتاب بثمن منخفض. وابتداء من سنة 1865 بدأ يصل عدد النسخ بالنسبة لبعض الجرائد المليون، مما جعل أسعارها هي الأخرى تنخفض.
يمكن اليوم، في المجال السمعي البصري، نشر الصورة عن طريق الأنترنات دون المرور على الشبكات التلفزيونية، كما تسمح رقمنة وسائل الإعلام بمشاهدة برامج تلفزيونية بأشكال مختلفة، ما يؤهل التلفزيون إلى أن يصبح أداة للتكوين في غاية الأهمية. لا بد أن نعيد حمل فكرة جول فيري من خلال تطوير وسائل الإعلام الجديدة وتحويلها إلى صناعة إنتاج مضامين فريدة من نوع عال، في مجتمع المعرفة لنطور هذه الوسائل من أجل تنمية العقل الجماعي، لنجعل من التلفزيون صديقاً لمؤسسة البرامج.
عندما أسس جول فيري مدرسة الجمهورية، كانت ميزانية الدولة المخصصة للمدرسة 20 % واليوم يجب استثمار 20 % من ميزانية الاتحاد الأوروبي للمدرسة، لا بد من مراجعة دفتر شروط القنوات التلفزيونية، بداية بالقنوات العمومية، ثم القيام بالدراسة المعمقة لوسائل الإعلام الجديدة.
يجب استفادة جميع الأطفال من هذه التكنولوجيات الحديثة عن طريق المؤسسات المهيكلة لهذا الغرض، كما يستفيد الأساتذة والمواطنون كذلك بطريقة نظامية. توجد إمكانات هائلة لتطوير العقل الجماعي مع هذه التكنولوجيات التي توظف لإنتاج الأسوأ، لكن كذلك لإنتاج الأحسن.
■ مجلة : Vers léducation nouvelle. 535 Juillet 2009

 0  0  1774
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:04 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.