• ×

11:20 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ مظاهر السلطوية في التربية العربية :
إن التربية التي تقوم على العنف، والتعسف، والقهر، والتسلط، ومصادرة الحرية، هي أقصر الطرق لتحطيم الفرد، وتدمير المجتمع، وقد أشار تقرير التربية العربية الرابع إلى أن التربية العربية تخنق حرية الطالب والمعلم معاً، فالتربية في العالم العربي تعاني"أمراضاً" متعصية تتمثل في مشكلات كثيرة، وتحديات كبيرة، وأزمات حقيقية، تعيق مسيرتها، وتقف حجر عثرة أمام تحقيقها أهدافها، وتعد السلطوية من أهم تلك الأمراض التي يعاني منها الجسم التربوي العربي المثخن بالجراح (السورطي، 2009).
وقد ركزت الدراسات العربية على السلطوية السياسية، والسلطوية الاجتماعية، والسلطوية الثقافية وغيرها، وتأتي هذه المقالة لإلقاء الضوء على بعض مظاهر السلطوية في العملية التعليمية - التعلّمية.
والسلطوية نقيض رئيس، وعدو لدود للتربية، فالتربية تسعى إلى تفجير طاقات الفرد، بينما يعمل القهر على قتلها، وتهدف التربية إلى بناء شخصية الإنسان بشكل شامل، ومتكامل ومتوازن، في حين أن الاضهاد ينتج شخصية ضعيفة، ومشوهة، ومضطربة، وغير متوازنة، وتضع التربية نصب الأعين إعداد الفرد المفكّر، والمبدع، والمتفوق، أما الاستبداد فيؤدي إلى تقويض مهارات الإنسان، وشل قدراته، وتعطيل طاقاته، والحد من إبداعه، لذا فإن الوعي بالسلطوية في الميدان التربوي خطوة مهمة نحو التخلص منها، وتحرير الفرد والمجتمع.
إن السلطوية ظاهرة تتفشى في كثير من نظم التربية والتعليم في الوطن العربي، فتعمل على الحد من كفايتها وفاعليتها، وتسهم في إعاقة تحقيقها اهدافها، فالجو الذي يسيطر على عدد كبير من المؤسسات التربوية العربية هو جو الكبت الفكري الذي يعمل على تعطيل طاقات النمو، ويؤدي أحياناً إلى رفض الطالب لتلك المؤسسات، وللعلم بشكل عام (سالم، 1978).
والسلطوية هي الخضوع التام للسلطة ومبادئها بدلاً من التركيز على الحرية، أو هي استخدام القوة لذات القوة، ومن صورها الشدة، والعقاب، وإلقاء الومامر، والتهديد، والتوبيخ، والإحراج (الأشول،1982)، والعنف، والتمييز، والحرمان من الحقوق، والفرض بالقوة، ومصادرة الحركة، وعدم مراعاة إنسانية الإنسان، وتشير الدراسات أن المجتمع السلطوي، ينتج معلمين متسلطين، كما أن المعلمين السلطويين يسهمون في إنتاج طلاب سلطويين (سارة، 1990).
ويتميز المجتمع العربي بشكل عام بوجود مؤسسات اجتماعية أولية كالعائلة، والطائفة، والعشيرة، والقبيلة وغيرها، والتي يغلب على طبيعة وتركيب كثير منها السلطوية التي تعتمد على مبدأ حصر السلطة، وعدم السماح بمشاركة الأعضاء (إسكندر، 1979).
وتعتبر الأسرة من أهم مصادر السلطوية في المجتمعات العربية التي عملت أحياناً كأداة لتخليد التسلط الاجتماعي من خلال تنشئة الأطفال على الخضوع والتبعية (الدقس،1994) وتربية الأفراد على أساليب قمعية وتعسفية.
ويشير شرابي (1999) إلى أن التربية الأسرية تستمد أسسها ومبادئها من التنشئة الاجتماعية، ولذا فإن القيم التي توجه سلوكات كثير من الأسر العربية، من سلطوية، وتسلسل، وتبعية، وقمع هي التي تحكم العلاقات الاجتماعية العربية بشكل عام.
ويشير وطفه (1999) إلى عدد من مظاهر التسلط الأسري في الوطن العربي منها : شيوع قيم التسلط والعنف في النسق التربوي للأسرة العربية، واستخدام أساليب التهديد والوعيد من الكبار ضد الصغار، واعتماد كثير من الآباء والمهات على أسلوب الضرب المباشر ضد الأطفال، والتانيب المستمر الذي يستخدمه أفراد الأسرة مع الأطفال والأحكام السلبية التي يصدرها الأبوان ضد الأطفال، وضبط سلوك الاطفال من خلال التخويف عبر سرد قصص خيالية تفوح منها رائحة الموت، والذبح، والحرق، والإرهاب.
وقد أظهرت ناتئج دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية في العام 2008 أن 45% من الأطفال السعوديين يتعرضون لصور الإيذاء في حياتهم اليومية، وفي الأردن أظهرت نتائج دراسة أجريت على 4000 طالب وطالبة في 19 جامعة عامة وخاصة أن ثلثهم واجهوا العنف الأسري في صغرهم (البداينة وآخرون، 2008) وفي سوريا أظهرت نتائج دراسة أجريت على عينة من 4000 عائلة حول أساليب التشئة الأسرية أن الأسلوب الرئيسي المستخدم هو المزج من الشدة والتدليل، وأن 57% من الآباء يستخدم الضرب وسيلة أساسية في تربية الأطفال (وطفة، 1999).

■ السلبيات التي تنتج عن السلطوية الأسرية.
يشير السورطي (2009) إلى أهم السلبيات التي تنتج عن السلطوية الأسرية التي تقوم على القسوة، وإنكار الحرية، والعقاب البدني ما يلي :
1- تنمية النزعة الفردية والأنانية عند الأطفال.
2- رفض الخضوع، وزرع الخوف، وإكساب الشعور بالضعف، والذنب، والعجز، والنقص، وعدم الثقة بالنفس.
3- انطواء الفرد وانزواؤه، وربما انسحاب من ميدان الحياة الاجتماعية.
4- صعوبة تكوين شخصية مستقلة.
5- إضعاف قدرة الفرد على التعبير عن النفس.
6- كره السلطة بشكل عام، وسلطة الوالدين بشكل خاص.
7- انتقال التسلط إلى الأبناء والبنات.

■ مظاهر السلطوية في العملية التعليمية - التعلمية.
♦ أولاً : السطوية في طرق التدريس.
طريقة التدريس الرئيسة التي تستخدم على نطاق واسع في معظم المدارس في الوطن العربي هي التلقين، أو ما أسماه باولو فريري "التعليم البنكي" الذي ينحصر دور الطلاب فيه في الحفظ والتذكر وإعادة ما يسمعونه من دون أن يتعمقوا في مضمونه، واستقبال المعلومات وتخزينها من دون وعي، فيتحولون بذلك إلى أواني فارغة يصب فيها المعلم كلماته، ويصبح التعليم نوعاً من الإيداع الطلاب فيه هم البنوك التي يقوم المعلمون بالإيداع فيها (حسن، 1986).
وكثيراً ما يرتبط التلقين في المدرسة العربية بغياب الثواب والتعزيز، وسيطرة العقاب البدني، فمن علامات السلطوية في التعليم العربي بشكل عام قلة أهمية الإقناع والمكافأة، والتركيز على العقاب الجسدي والتلقين والعامل المشترك بين التلقين والعقاب أن كليهما يركزان على السلطة، ويقودان إلى الخضوع، ويجعلان المتعلم أكثر إذعاناً (شرابي، 1991).
ولا يقتصر شيوع التلقين على ساحة التعليم المدرسي، بل يتعداها ليشمل التعليم العالي بشكل عام والتعليم الجامعي بشكل خاص، فالجامعة العربية بشكل عام "تظل أسيرة لطرق التدريس التي ألفها الطالب من خلال التعليم العام، وليس من الميسور أن تغيرها بما يتناسب مع الدراسة الجامعية القائمة على البحث والمراجع وما يتطلبه من مهارات" (الناقة، 1986).
وتعتمد طرق التدريس في معظم الجامعات العربية "على التلقين القائم على إلقاء المحاضرات، والشرح المباشر، والاستقبال القائم على الحفظ" (الخوالده وأبو صالح، 1991).

■ وتبرز النتائج السلبية السلطوية للتلقين في جوانب ونواح كثيرة منها (السورطي، 2009) :
1- يعتمد على الترديد والحفظ والامتثال والاستظهار، ولا يبقي مجالاً للتساؤل والبحث والتجريب والفهم والنقد، مما يضعف قدرة الفرد على الابداع والتجديد والتعلم الذاتي.
2- يعمل على تشجيع الاتكالية والسلبية، بدلاً من الإيجابية وكشف النبوغ والمواهب وتحقيق الاستقلالية والتفرد.
3- استخدامه في تقديم المعارف العلمية، بعيداً عن الفهم والتطبيق والتجريب، والربط بينها وبين مشكلات التلاميذ، يقلل من ميل التلاميذ نحو المادة العلمية.
4- يساعد على ضعف قدرة التلاميذ على الفهم والتحليل وحل المشكلات والاستنتاج والتفكير الناقد، ويشجع القبول الأعمى للمادة.
5- يحصر دور المتعلم في الاستماع، ويحرمه من المشاركة في المواقف التعليمية، ويقلل من فرص التفاعل بينه وبين المعلم من ناحية وبينه وبين المادة الدراسية التي تصبح غاية من ناحية أخرى.
6- يهمل حاجات الطلاب واهتماماتهم، ولا يراعي الفروق الفردية بينهم.
7- يثير الملل عند الطلبة، خصوصاً إذا كان أسلوب المدرس في العرض مملاً.
8- يفرض الأسلوب التلقيني في التدريس نمطاً معيناً من التقويم يقوم على قياس كمية المعلومات التي يحفظها الطالب.

♦ ثانياً : السلطوية في المناهج الدراسية.
إن المنهج هو روح العملية التربوية، وقلب المؤسسة التعليمية، ومركز المادة الدراسية، وهو ليس محصوراً في المواد الدراسية التي تدرس تقليدياً، بل هو كل الخبرات التي يكتسبها الطالب من خلال الأنشطة المتنوعة التي يمارسها في المدرسة والغرفة الصفية والمكتبة والمختبر والورشة والملاعب والاتصالات الكثيرة غير الرسمية بين الطالب والمعلم، أي : أن المنهج هو الحياة المدرسية كلها، وهو كل التعلم والتعليم الذي يتم بشكل مقصود في الغرفة الصفية أو خارجها في أثناء اليوم المدرسي.
وتعتبر بعض المناهج الدراسية في الوطن العربي مصدراً خصباً من مصادر السلطوية التي تميز تلك المناهج في مراحل إعدادها، وتنفيذها، وتقويمها، وتطويرها.

■ ومن أهم مظاهر السلطوية في المناهج العربية بشكل عام ما يلي :
1- إن عدداً من المناهج الدراسية العربية مقتبس من المناهج الدراسية الغربية، بما في ذلك بعض المناهج الدراسية الجامعية، وكل ما جرى في كثير من الأحيان هو ترجمتها وفرضها فقط بطريقة تعسفية على الطلاب العرب.
2- إن المناهج الدراسية العربية بشكل عام ترتكز على المعرفة بدلاً من الطالب، ولذلك فإن مشاركة الطلاب في القرارات التي تتعلق بمناهجهم تكاد تكون معدومة، ونتيجة لذلك فإن معظم محتويات تلك المناهج المفروضة على الطلاب "لا تلبي احتياجات المتعلمين، ولا تلائم استعداداتهم وقابلياتهم".
3- يسود في بعض البلدان العربية المفهوم التقليدي للمنهج الذي يقيد الطالب بالكتاب المقرر الذي يصبح بدوره المصدر الأوحد للمعرفة، مما يعطي قيمة مبالغاً فيها لمحتوى الكتب المقررة، ويؤكد الالتزام بحرفيتها، مما يؤدي إلى انتشار التلقين والحفظ في معظم المدارس العربية (سارة، 1990).

♦ ثالثاً : السلطوية في التقويم التربوي.
التقويم التربوي هو عملية "إصدار حكم على مدى تحقيق الطالب أو الجهاز التعليمي الأهداف التربوية" (أبولبدة، 1985).
■ ويمكن تحديد أهم أهداف التقويم التربوي في :
1- إطلاع المعلم على الأوضاع الدراسية لطلابه.
2- حفز الطلبة على التعلم من خلال تزويدهم بمعلومات حول النجاح في أجزاء متعددة من المنهج.
3- تمكين المعلمين من تقييم طرق تدريسهم، والكتب التي يدرسونها، وباقي جوانب العملية التعليمية.
4- المساهمة في التحسين المستمر للمنهج.
5- مساعدة الطلبة على تقويم مدى تقدمهم.
6- الكشف عن مدى تقدم برنامج المدرسة نحو تحقيق الأهداف المرسومة.

ومع مشروعية هذه الأهداف، إلا أن التقويم أصبح في بعض الأحيان غاية تسلطية، تثير الرعب والقلق والخوف في نفوس وقلوب كثير من الطلاب، حتى قال أحد الباحثين : "رعب الامتحانات لا يقل ترويعاً عن الرعب السياسي والغذائي والعسكري والنووي والوجودي، هذا إذا علمنا أن أكثر من عشرة ملايين طالب عربي يتعرضون لهذا الرعب سنوياً، ويكون ضحية هذا الرعب طلبة يتشردون وطلبة ينحرفون وطلبة يهجرون الوطن، وطلبة ينتحرون وطلبة يتشوهون وطلبة يصابون بالجنون (النابلسي، 1988)، ولذا ينظر عدد كبير من الطلاب إلى الامتحانات على أنها كابوس مفزع، وسيف مصلت على رقابهم".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
أبولبدة، سبع (1985) مبادئ القياس النفسي والتقييم التربوي، عمان : جمعية عمال المطابع الأردنية.
إسكندر، عدنان (1979) مستقبل الديموقراطية في الوطن العربي، الفكر العربي، السنة الأولى، العدد 10.
الأشول، عادل (1982) علم نفس النمو، القاهرة : مكتبة النجلو المصرية.
حسن، زينب حسن (1986) هل دخل التعليم في مرحلة التبعية ؟ مجلة دراسات تربوية، المجلد2، الجزء5.
الخوالده، محمد وأبو صالح، محمد (1991) تطوير مناهج التعليم الجامعي في الوطن العربي، أبحاث اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2 (7).
الدقس، محمد (1994) دور الإننتلجنسيا العربية في التغير الاجتماعي، دراسات (أ)، 3 (21).
سارة، ناثر (1990)، التربية العربية منذ 1950، عمان : منتدى الفكر العربي.
سالم، نادية حسن (1982)، التنشئة السياسية للطفل العربي، دراسة لتحليل مضمون الكتب المدرسية، المستقبل العربي (العدد 51) ص 54-66.
سورطي، يزيد عيسى (2008) السلطوية في التربية العربية، عالم المعرفة، العدد 362.
شرابي، هشام (1991) مقدمات لدراسة المجتمع العربي، بيروت : دار الطليعة.
وطفة، علي (1999) مظاهر التسلط في الثقافة والتربية العربية المعاصرة، مجلة العلوم الإنسانية، ع111.
الخرائط الذهنية - محاضرة لمدربي مهارات التعلم والتفكير والبحث في جامعة الملك / سعود.
د. حسين أبو رياش - مستشار تدريب وأستاذ جامعي (مدرّب مهارات التعلّم والتفكير والبحث - عمادة السنة التحضيرية - جامعة الملك سعود - الرياض).

 0  0  1878
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:20 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.