• ×

09:04 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ وعلى أثر الصراع العالمى فى العصر الحديث لم تتبلور وتنضج الهويات المختلفة للأمم على الأغلب بهدوء وفى مناخ صحى فقد كان هناك العنف الذى مورس ضد الضعفاء من قبل الأقوياء ومن ضمنه العنف المعرفى بكافة اشكاله ومنه ذلك العنف الذى مارسه الاستعمار عبر الاستشراق والاسمبريالية المعاصرة عبر الهيمنة الثقافية لتنميط البشر واخضاع الحضارات الأخرى.
ولهذا التنميط فى افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية واستراليا وفى اوساط المهاجرين إلى البلدان المتقدمة بحثاً عن فرص افضل للحياة وحيث يحملون معهم انماطهم الثقافية وطرائق عيشهم واشكال تضامنهم بل وتبرز فى اوساطهم سياسات الهوية التى تتوق لعصر ذهبى نشاء فى ماض افتراضى تسعى هى لاستعادته بحثا عن امان مفقود ضمن كفاحها من اجل العيش والحصول على الاعتراف وكانما تسعى لاستمرار اليوم فى الأمس، وهذا لا شك ينطبق على امتنا العربية حيث تعرضت لهذين الشكلين من العنف فى العصر الحديث.
لكن لأمتنا واقعاً تاريخياً امتد لعشرات الحقب وتاسس فى الحضار والثقافة والأرض المشتركة - البعد الجغرافى - والتاريخ الممتد وصنع وعاء للروح هو اللغة الواحدة وحين نقول نحن العرب فإنما نعنى ذلك التركيب الغنى المتجدد بتجدد الحياة ذاتها وان كنا لا نستطيع اغفال ذلك البعد الميتافيزيقى فى كل قومية وفى قوميتنا وهو ذلك البعد الذى يدفعها الى الايمان والاعتقاد العميق بان لها جوهرا اصيلا والطموح لجعل هذا الجوهر واقعا وشكلا ملموسا يمكن ان يكون بناءاً سياسياً أو تقليدياً ادبياً وهو كطموح يخلق مشكلات كثيرة ويقال عنه خصوصية وهذه الخصوصية ممكن أن تكون شائكة حين يجرى طرح مفهوم الذات القومية باعتباره النموذج الامثل الذى لا بد أن يتطابق معه الجميع وتلك على أى حال خاصية الامم الامبريالية ولا يندر أن تشاركها فيها الاغلبيات اللغوية أو الدينية أو الاثنية أى ميلها إلى تعميم نفسها فى سعى ضمنى لاخضاع الاخرين ويعيدنا هذا إلى تجلى الهوية كقوة.
وعلى ضوء ما تقدم فنحن كعرب تبرز هويتنا كانها وجدت فى الماضى واكتملت فى تلك العصور واصبحت جوهرا صافيا نسعى لعصرنته على اعتبار انعدام اسهاماتنا فى العصر الحالى بحيث اصبحنا مستهلكين للفكر بشتى اشكاله اكثر منا مبدعين له وقولى ان هذا امرا طبيعيا ما دمنا على هذا المستوى الاقتصادى الذى لا نحسد عليه فنحن نستورد اكثر مما نصدر ونستهلك اكثر مما ننتج اضف الى ذلك الانفجار السكانى الذى ياتى حكما على النمو المتواضع وقد ادى ذلك الى وقوعنا اسرى للماضى الىشيوع الاعتقاد بل رسوخه فى انفسنا.
إلى أنه بوسعنا فصل التكنولوجيا التى نستهلك اخر صيحاتها أحياناً باسراف عن القيم والافكار التى انتجتها هذه التقنية المتقدمة والتى هى الحداثة والديموقراطية وحرية البحث العلمى والفكر والاعتقاد والضمير والشغف بالاسئلة والمعرفة الاجتماعية التاريخية التى تنهض على اسس عامة وعالمية فى علوم التاريخ والسياسة والمجتمع.
والفصل الذى اشرنا اليه يكمن بين القيم والتكنولوجيا فى رسوخ الطابع الخرافى للزمن فى الذهنية العربية حيث الايمان العميق المتجذر - حبذا كان ذلك فى الاتجاه الصح - بقدرتنا على استعادة الزمن الجميل الذى اصبح طى النسيان فى غياهب الماضى السحيق وعلى اثر ذلك نشاء الزمن المزدوج السريع - البطىء السريع لانه يعيش واقعيا فى العصر والبطىء لانه مشدود للخلف.
أما حجة أننا كنا بلدانا مستعمرة حتى وقت قريب - وانا باعتقادى قد اتخذ الاستعمار فى العصر الحالى اشكالا اخرى لا تخفى على احد - لا نستطيع ان نتكىء على هذه الحقيقة باعتبار اننا كغيرنا نحتمى من الغريب، بما ضيها التليد بحيث يصبح هذا هو المفهوم والحال كذلك ان تصبح هويتها ماضيا ونسوق ونحن بهذا الصدد نموذج الهند فقد كانت مستعمرة ومع ذلك استطاعت النهوض وان تبدع هوية جديدة رغم نسيجها المتعدد منطلقة الى المستقبل متعضة من الماضى دون ان يقيدها - مع فارق نحن كعرب ارثنا اعظم من ان ينسى لكى يستبدل بهوية جديدة بل المطلوب منا فقط هو احياء هويتنا العظيمة الجليلة الثرة - وبعد ذلك وأن جاز لنا اعتبار العامل المشترك بين كل من الهند وامريكا كنموذجين متطرفين للتنوع الدينى والطائفى والاثنى واللغوى يؤسس لهويات صغرى ومع ذلك تتعايش وتتفاعل هذه الهويات الصغرى فيما بينها خالقة هوية عامة مفتوحة على المستقبل سوف نجد عنصرين رئيسيين هما : (الديموقراطية ـ الحرية الفكرية) نجد انهما بلا سقف بل سقفهما السماء وكلتاهما اليتان لاطلاق روح ابداع الذات فى الوقت الراهن وفى المستقبل فى وقت يعطلنا الاستبداد والقيود وهما وثيقا الصلة بتدهور انتاجنا كله المادى والمعرفى.
وقولى باضافة عنصر اخر الا وهو نشوء طبقة راسمالية قوية ومنتجة احترمت قواعد الحرية والديموقراطية فى صلب النموذج الامريكى وأيضاً الهندى، وبناء على ما تقدم نجد ان هناك مفتاح رئيس لتطور الثقافة والابداع وانتاج القيم ولقدرتها جميعا على الاسهام الخلاق فى الثقافة الانسانية كعلامة على الهوية الايجابية وهو الهوية بمعناها المطلق الشامل، فالشعوب والامم المكبلة بالقوانين المقيدة للحريات والاستبداد السياسى وبالفقر والبطالة والتى تتحكم بها راسمالية - تابعة - هزيلة وضعيفة ان تنتج ثقافة جديدة وهوية عصرية متقدمة ومتطورة حتى لو كانت هذه الامة صاحبة اسهام عظيم ومرموق فى الماضى بل تبقى مثل هذه الثقافة الجديدة والعصرية اما فى حالة جنينية او فى حالة دفاع عن النفس ولا خيار ثالث.
أما فى وضعنا العربى فإذا ما استطاعت القوى الحية فى الوطن العربى ان تستجمع ضفوفها وتحتشد لهزيمة العقبات والمعوقات وتخطيها بعقلية مفتوحة منطلقة لافق جديد سوف تخلق هوية توحد لانها ستكون مبدعة وحرة تتحقق فى المستقبل لا فى الماضى متجاوزة ضعف الراسمالية البنيوى منفتحة على عالم جديد ومشروع متكامل حتى تتجاوز الراسمالية ذاتها وفى هذه الحالة يكون لنا مشروعنا الثقافى القادر على ايجاد هوية كاملة متكاملة قائمة على اركان متينة ثابتة تضيف إلى الأرث الانسانى اهم لبناته على الاطلاق، فحبذا لو نسعى ونجد فى سبيل ذلك. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
■ وبذلك تم البحث بعونه تعالى.

 0  0  2690
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:04 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.