(منهجية ـ آليات ـ مراحل ـ تقنيات) تحليل النصوص التربوية

د. أحمد محمد أبو عوض.
2265 مشاهدة
(منهجية ـ آليات ـ مراحل ـ تقنيات) تحليل النصوص التربوية.
للتعرف على تقنيات ومنهجية تحليل النصوص نورد مقاربتين في هذا الإطار، الأولى حاولت الإجابة عن كيفية تحليل النصوص التربوية والديداكتيكية بصفة عامة، والثانية حاولت أن تمدنا بمراحل وتقنيات تحليل نوعين من النصوص، الأول مفتوح والثاني موجه، لنرى ذلك فيما يلي :
■ المقاربة الأولى : كيف نحلل النصوص التربوية والديداكتيكية ؟
» الإجابة على مثل هدا السؤال من موقع المدرس, غالبا ما تكون محددا أساسيا لمنهجية عملية يتطلب تطويرها وعناؤها, بناء جهاز محكم, واستحداث خطة محكمة اللجوء إلى مهارات وتقنيات متخصصة, وتضيف مفاهيم محددة. ونعتقد انه بدون هده الشروط المرتبطة بمنهجية تحليل النصوص, وأهدافها البرغماتية التي ترفض الاستطراد, لا يمكن توقيع تلك النتائج التي تفضي في النهاية إلى تحليل واضح المعالم والأسس. وسواء كانت منهجية تحليل النصوص التربوية تعني الجانب التطبيقي أو النظري, فإنها تستوعب بمفردها أدبيات البيداغوجيا والديداكتيك التجريبي والنظري.
كل نص تربوي يعد مقاربة. وتتكون هده المقاربة من جانبين أساسيين : يأخذ الجانب الأول صيغة السؤال التالي : ماذا قال هدا المربي في موضوع الطفل والتعليم والقراءة الخ .. ؟
ويأخذ الجانب الثاني الصيغة التالية : إلى أي حد استطاعت آراء هذا المربي أو ذالك أن تسهم في حل هده المشكلة أو تلك ؟
لا يفصل الجانب الأول عن الطافي, فهما سؤال واحد (1). والقضية الأساسية من منظور النصوص وكتابها, ومن منظور منهجية تحليلها, تتعلق بترتيب وتصميم خطوات المعالجة. وعلى هذه الأساسية فإن الجانب الأول يرتبط بالعرض التاريخي لمجموعة من الوقائع المستمدة من السياق ومشكلاته عبر تاريخ الفكر التربوي. أما الجانب الطافي فيرتبط بالأساس المنطقي الذي يتولى مهام كثيرة تذكر منها ما يلي : المسالة المنهجية, فهم النص, تحليله, نقده, وما يرتبط بها من مهارات وتقنيات. وبتبار آخر, فان هدا المنهجية تحليل النصوص يترجم مدى قدرة المترشح على الغوص في مشكلات النص والكشف عن مظاهرات المتعددة. والطريقة التي ينتهجها هدا الكاتب أو ذاك النص تنم في حد ذاتها عن طريق المنهج الذي يقترحه.
في هدا الأساس المنطقي تبرز أهم المشكلات التي تواجه المترشح خلال تحليله للنصوص وتحد هده المشكلة في خطوة التقويم أو إصدار الأحكام.
تفرض هده المشكلة على محلل النص أن يأخذ في اعتباره ما يلي :
• إن الذي يحدد منطق إصدار الأحكام هو طبيعة الموضوع ذاته.
• توحد فكرة إصدار الأحكام هو طبيعة الموضوع بعمق في النسيج الكلي لعلوم التربية وفي المنطق, وفي الأخلاق.
• يزعم التقويم النقدي أن صاحب النص وقع في"أخطأ" ويدعى المقوم أن نقده يقدم "الصواب" ويعني هدا أن نقده يتضمن تصورا لما يجب أن تكون عليه هده النظرية التربوية الواردة في النص, أو هده الجملة أو تلك العبارة.
• يتضمن استخدام هدا التصور بوصفه معيارا يطبق على تحليل كل النصوص. غير أن المحلل (المقوم) الذي يستخدم هده المعايير ملزم في تحليله, بتقديمها (عرضها) والدفاع عنها, في مثل هده الخطوة يملك المحلل (المقوم) أو الناقد تصورا أو مجموعة التصورات لما يجب أن يكون عليه الكتابة الإنشائية, وما يجب أن يكون عليه التقويم أو النقد. انطلاقا من هدا كله, فان المهام المنهجية للمرشح تتحدد في أن يتقدم لنا منهجية التحليلي (la méthode analytique) النقدي, ويقنع قارئ تحليله بالحجة البيانية الإيجابية, وبأن مبادئه التي يتأسس عليها الفهم (فهم النص) وتحليله ونقده, مبادئ تسليمه, وأن معاييره اسلم, وأن طريقته صادرة بأمانة عن هده المبادئ.
يقوم محلل النص التربوي بتحليل القضايا التي تنتمي إلى مصادر متنوعة. وينحصر عمله في فئتين من القضايا :
• معطيات التحليل ونتائجه.
• المبادئ التي تسير وفقا لها عملية التحليل.
• وتؤلف فئة المبادئ نظرية خاصة بطبيعة المادة، ومنهجها، ومتطلباتها اللغوية والأسلوبية والتنظيمية.
في تحليل النصوص تحتل مشكلة التعريف موقع الصدارة في منهجية المترشح.
ويعني موقعها هذا، ارتباطها بصعوبة فهم الكلمات والمصطلحات. وتتضاعف درجة الصعوبة هنا عندما يواجه المحلل مشكلة تحديد الكلمات الأساسية أو الكلمات المفاتيح (Les mots clfs).
لتذليل مثل هذه الصعوبات نقول إن المرحلة الأولى من التعريف تتوقف عند تعيين الحد الأدنى. والمراحل الموالية تقوم بتعديل هذا التعريف الأدنى بإضافة تحديدات جديدة، كل منها يتضمن ما تم التوصل إليه من قبل، إلا أن كلا منهما يضيف تغيرات نوعية، وتركيبات وإضافات، وفي الأخير يتم التوصل إلى مرحلة يحتوي فيها التعريف جميع ما يمكن أن يوجد في التصور.
1. وظيفة تيسير استرجاع المعلومات.
2. وظيفة التحليل المقارن.
يساهم التصنيف من الناحية العملية في وضع قضايا النص واهتماماته في إطار معين (8) وداخل هدا الإطار يهيئ المحلل الوقائع ويجمعها في مجموعات حول نطاق ثابتة, وتحليل هده النقاط الثابتة يتم باعتبارها مراكز اهتمام (des centres d’intérét).
يفرض النص على المترشح الاهتمام بمنطق النص. ويهتم هدا المنطق بالفكر بوصفه موضوعا له. ويتميز بانه له خاصية مزدوجة فهو معياري من حيث الطريق التي يجب أن تفكر بها قضايا منطق النصوص ومدى تطابق القواعد التي يصنعها المنطق.
وانطلاق من منطق النصوص (la logique des texte) يمكن للمحلل أن يهتم بثلاثة أشياء في كل استدلال :
1. المعطيات التي يبدأ منها الاستدلال.
2. المبادئ التي نستدل بها وفقا لها.
3. نتائج الاستدلال.
قد تكون المعطيات افتراضات, المبادئ فتعرف باسم البديهيان. مثل : إدا أضيفت كميات متساوية إلى أخرى متساوية ستكون المجموع متساويا. وتعرف المعطبات تجريبيا عن طريق الإدراك الحسي أو السجلات التاريخية الخاصة بالإدراك الحسي في الماضي. (صدى التضامن من 2003).

■ المقاربة الثانية : مراحل وتقنيات تحليل نص تربوي مفتوح :
1- طرح إشكالية النص :
أي القضية التي يدور حولها النص، وبما أن الأمر يتعلق بإشكالية، فمعنى هذا أن هذه القضية تختزل مجموعة من المشاكل المترابطة، لذا فمن المستحسن الانطلاق في تركيبها من الكل إلى الجزء : طرح القضية / الإشكالية في مجملها، ثم بيان أبعادها وطرحها في صيغة تساؤلية أو تقريرية تمهيدا لعملية التفكيك. وتيسيرا لإنجاز العمليات المذكورة يمكن الوقوف عند ما يمكن أن نسميه بمفاتيح النص : مصطلحات ومفاهيم أساسية، عبارات دالة. ويمكن قبل طرح الإشكالية إنجاز مدخل يركز فيه على : بيان نوع النص (مقتطف من عمل أكاديمي ـ مقالة ..)، وضع النص في إطاره الفكري والعلمي (حقله المعرفي، المدرسة أو الاتجاه الذي يندرج فيه)، وضع النص في الظروف الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي ساهمت في إفرازه ؛ التعريف بشخصية صاحب النص.
2- تفكيك النص :
لتفكيك النص يمكن القيام بالعمليات التالية :
• بناء هيكلة خاصة للنص بإبراز مكوناته الأساسية وترتيبها؛ مراعاة مدى الانسجام الكائن بين هذه الهيكلة وبين ما سبق طرحه في المرحلة الأولى.
• تفسير كل مكون على حدة مع الحرص على ألا تتخذ عملية التفسير طابع اجترار منطوق النص. فالتفسير هنا محاولة لإعادة إنتاج مفصلة للنص عن طريق المجهود الذاتي للمترشح في تمثل محتوياته، على أساس أن محلل النص يعتبر وسيطا بين صاحب النص وبين قارئه العادي.
• الحرص على أن تتخذ عملية التفسير طابع محاورة النص من داخله أي الانسياق في نفس توجه سعيا وراء تبسيط معطياته.
لذلك يندرج ضمن عملية التفسير :
• التعليل : محاولة الكشف عن المبررات والأساليب المفسرة للتوجه الذي يحكم مضامين مكوناته.
• التأويل : محاولة الكشف عن المسكوت عنه في النص والذي يوحي به منطوق النص. أي إعطاء مضامين النص لا يكون ظاهرا ولكنه مستشف من العبارات أو المصطلحات الموظفة في النص.
• مقابلة أفكار النص بأفكار نصوص أخرى تندرج في نفس توجهه سواء كانت لنفس الكاتب أو لمن يتفق معه من الكتاب الآخرين وذلك إمعانا في فهمه أبعاد توجهه.
• إغناء النص بأمثلة تعزز ما يذهب إليه النص أو توضح ما يبدو غامضا في النص.
• توضيح منطق النص : الآليات المعتمدة في الإقناع، نوع المقولات الفكرية المروجة (افتراضات ـ استنتاجات ـ مقارنات).
التحليل المقترح هنا لا ينفصل عن عملية التركيب التي آثرنا عدم التنصيص عليها كمرحلة منفصلة توخيا للتبسيط. فما تمت الإشارة إليه آنفا من : إغناء مضامين النص بإضافة مستقاة من الأدبيات التربوية أو من الواقع في إطار التعمق في فهمه، الخروج باستنتاجات، الربط بين الأفكار، هيكلة النص بإبراز مكوناته الأساسية وترتيبها، كل ذلك من صميم عملية التركيب.
3- تقويم النص :
• أي : مناقشته و مقاربته مقاربة نقدية.
عادة ما يميز في هذا الصدد بين التقويم الداخلي الذي يتم من داخل النص و بين التقويم الخارجي الذي يتم من خارج النص: من خلال نصوص أخرى أو من خلال الواقع.
وعلى العموم يمكن أن يتم التقويم بنوعيه على المستويات التالية :
• المنطق المعتمد في النص : قد يكون مفتقرا إلى التماسك (تناقضات / مفارقات)، قد يكون قاصرا عن الإقناع والتأثير وتحقيق الهدف المتوخى منه نظرا لبعض العبارات أو الأفكار المروحة ضمنه.
• مدى انسجامه مع الانتماء الفكري أو العلمي للكاتب ومع إطاره السوسيو ــ تاريخي.
• مدى الصحة العلمية والواقعية للأفكار المطروحة ضمنه (وهنا يمكن الاستعانة باستشهادات مستقاة من نصوص كتاب آخرين بمن في ذلك أولئك الذين ينتمون لنفس التوجه الفكري والعلمي لصاحب النص، كما يمكن الاستعانة بأمثلة مستمدة من الواقع بصفة عامة).
• مدى ملاءمة أفكار النص للواقع التربوي المغربي ككل وللواقع المهني للمترشح بصفة خاصة، أو ما يمكن أن نسميه بمدى وظيفية النص. والمتوخى هنا هو حث المترشح على فتح آفاق للنص على تجربته المهنية لكي يصبح بالفعل نصا وظيفيا ثمينا بأن يستثمر لإغناء الممارسة المهنية للمترشح.
وهنا يمكن إضافة التعديلات التي يراها المترشح ضرورية لتكييف النص مع خصوصية ممارسته المهنية (ما ينبغي الاستغناء عنه من أفكار النص، ما يمكن تبنيه مع الإضافة والتعديل).
تجدر الإشارة أخيرا إلى أن تقويم النص لا يشمل بالضرورة جميع الأفكار المطروحة ضمنه، بل يستحسن الوقوف عندها هو أساسي منها، خصوصا وأن محاولة الدخول في جميع تفاصيل النص قد توقع المحلل في الإطناب.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :