• ×

09:02 مساءً , الثلاثاء 24 ربيع الأول 1439 / 12 ديسمبر 2017

◄ قصيدة قتلت صاحبها «1».
■ مكتبة مَنْهَل الثقافة التربوية : (المنهل اللغوي ـ قسم الثقافة الشعرية) // (المُنَوَّعات المُصنّفة ۞ الثقافة العامة) // (قصيدة قتلت صاحبها «1»).
الحمد لله سبحانه وتعالى الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، ومن ذلك عدم التطفل على الشؤون الخاصة للآخرين مهما كانت صلة العلاقة والقرابة بينهم، إذ أن لكل إنسان خصوصياته الشخصية، وبذلك قال صلى الله عليه وسلم : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ومن حسن إسلام المرء عدم التدخل ولو بكلمة أو شطر كلمة بخصوصيات غيرك، وسنعترض فيما يلي من قصص وقصائد أن كلمة كانت سبب موت صاحبها، فرحم الله ذلك الحكيم العربي الذي قال : (رب كلمة تقول لصاحبها دعني) أي : أن ربما كلمة واحدة تترجى وترجو وتتوسل لقائل : اتركني ولا تتفوه بي أمام الناس لكي لا تتحمل نتيجة من لا يفهم معناها أو قصدك منها، أو أن وقت ومكان قولها والبوح بها غير مناسب. وأن خالفت ذلك فسوف تتحمل مسؤولية النتيجة وحدك. ومثال ذلك القصص والقصائد التالية :
إن جميع من قرأ كتاب (كليلة ودمنة) كان الملخص العام له والزبدة النقية التي يجنيها من قراءة هذا الكتاب المؤلف من فيلسوف هندي خبير وحكيم هي حكمة واحدة باقية على مدى الحياة (السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه) ومن ذلك جمع غفير من الإخوة القراء الكرام قد سمع بقصة المتنبي (الشاعر العربي الكبير) أن بيتا من شعره كان سبباً في موته عندما كان مسافراً بالصحراء، فلقيهما بالطريق أسد جائع جائع كاسر، فأراد الهرب، فقال له خادمه المرافق له أيها الأمير العظيم ألست القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفني • • • الخيل والليل والبيداء تعرفني
فكيف تجبن الآن أمام سبع في الصحراء وتتركني فريسة له وتنجو بنفسك وحدك، وهذه ليست من شيم العرب أصلاً فضلاً عن شيم الأمراء ومن هم في مقامك الرفيع، فأخذته الشهامة والحمية، وجرد سيفه، وعرف في قرارة نفسه لا ولم ولن يستطيع أنه مقتول وطعام لهذا الأسد الضرغام، فقال له : قتلتني قاتلك الله، فهجم على الأسد ليقتله، لكن هيهات هيهات !! فقد هجم عليه الأسد وابتقر بطنه بعد أن أنشب مخالبه في منحره وبعد أن ضربه الضربة الأولى القاضية على رأسه، فجعلته طريح الثرى، واشبع غليل فؤاده من هذا الشاعر الذي قال قولاً كان سبب موته، فكان مغتراً بشجاعة لسانه التي لم تغن عن ضعفه أمام أسد كاسر في بيداء وصحراء قاحلة، وجعله عبرة لمن لم يتعظ بغيره (حيث أنه كان يجب عليه مسبقاً أنه ليس كفؤا لهذا الأسد الضرغام عندما أصر وعاد إلى مواجهته وجها لوجه، ولم يعتبر ممن سمع عنهم أن السباع والوحوش قد أكلتهم وقطعتهم إربا إربا، ومن أسباب ذلك : دنو أجلهم الذي أدناهم إلى مقابلة الوحوش والسباع أو أنهم قد اغتروا بشجاعتهم وقوتهم أو انفرادهم بالسفر لوحدهم بدون رفقة أو بدون سلاح فتاك، أو أن ذلك انتقاماً منهم لسبب لا يعلمه إلا الله (كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقاتل حمزة بن عبدالمطلب وهو عمه الحبيب، فقال لقاتله : (أكلك كلب الله) وقصد بكلب الله الأسد، وهكذا تحققت نبوءته صلى الله عليه وسلم عندما سافر مع إخوته ووالده ورفاقه من مكة إلى الشام، فتعبت القافلة بالطريق وناموا ليلاً (وقد توقعوا صدق نبوءته صلى الله عليه وسلم حيث أن المكان كان مسبعة للوحوش الكاسرة (مكان معروف تعيش به الأسود والوحوش) فحاولوا أن يخفوه في وسط المجموعة النيام، فجاء الأسد موجها ومسخراً على قاتل حمزة بعد أن شم نفس ورائحة جميع رجال القافلة، لكنه لم يختر أن يفترس إلا هو فقط لا غير، فقد قتله ومذغ مذغة من لحمه ولم يأكلها ولفظها خارج فمه (لأن الله اعلمه بالإيحاء الإلهي أن لحم وجثة هذا القاتل في النار وسيكون من الخالدين في جهنم) فلم يستسغها ذلك الأسد ولم يأكلها، وعندما اصبح الصباح وجدوا الرجل قتيلاً صريعاً).
وأما رفيق الشاعر المتنبي وخادمه فقد غادر المكان بعد أن نجى بنفسه وهرب عن الأسد احتياطاً على نفسه وروحه وهو يعلم ويعرف أصلاً بأن الأسد إذا افترس وأكل وشبع فأنه لا يعتدي على أي مخلوق مهما كان سواء من الناس أو من الحيوانات.

■ ومن أجل أن يتكرم القاري الكريم بقراءة ومعرفة أبيات هذه القصيدة كاملة فها هي بين يديك الكريمة وبها قال الشاعر العربي : (أبو الطيب المتنبي) : الخيل والليل والبيداء تعرفني.
واحـر قلــــباه ممــن قلبــه شبــم =ومن بجسمـي وحـالي عنده سقـم
مـــا لـي أكتم حبا قد برى جسدي =وتدعي حب سيف الدولة الأمم
إن كــــان يجمعــنا حب لغرتــه =فليت أنا بقدر الحــــب نقتســـم
قد زرته و سيوف الهند مغمـــدة =وقد نظرت إليه والسيـوف دم
فكان أحسن خلــــق الله كلهـــم =وكـان أحسن ما في الأحسن الشيم
فوت العــدو الذي يممـــته ظفر =في طــيه أسف في طـــيه نعــــم
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت =لك المهابــــــة مالا تصنع البهم
ألزمت نفسك شيــــئا ليس يلزمها =أن لا يواريـهم بحر ولا علم
أكلــما رمت جــيشا فانثنى هربا =تصرفت بك في آثاره الهمــم
عليك هــــزمهم في كل معتـرك =وما عليــك بهم عار إذا انهزموا
أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر=تصافحت فيه بيض الهند واللمم
يا أعدل الناس إلا في معــاملتي =فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظـــرات منك صادقـــة =أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظـــره =إذا استـــوت عنده الأنوار والظلم
سيعلـم الجمع ممن ضم مجلسنا =باننــي خير من تسعى به قـــــدم
أنا الذي نظر العمى إلى أدبـي =وأسمعـت كلماتي من به صمــم
أنام ملء جفوني عن شواردها =ويسهر الخلق جراها و يختصم
و جـــاهل مده في جهله ضحكي =حتى أتتـه يــد فراســة وفم
إذا رأيت نيوب الليــث بارزة =فلا تظنن أن الليــث يبتســم
و مهجـة مهجتي من هم صاحبها =أدركتـــه بجواد ظهره حـــرم
رجلاه في الركض رجل واليدان يد =وفعلـــه ما تريد الكف والقدم
ومرهف سرت بين الجحفليـــن به =حتى ضربت وموج الموت يلتطم
الخيل والليل والبيــداء تعرفني =والسيف والرمح والقرطاس والقلم
صحبـت في الفلوات الوحش منفردا =حتى تعجب مني القور والأكــم
يــــا من يعز عليـــنا أن نفارقهـــم =وجداننـا كل شيء بعدكم عــدم
مــا كان أخلقــنا منكم بتكـــرمة =لـو أن أمــركم من أمرنـا أمــم
إن كــان سركـم ما قال حاسدنا =فما لجـــرح إذا أرضاكـــم ألــم
وبينــنا لو رعيتم ذاك معرفــة =غن المعـارف في أهل النهـى ذمم
كم تطلبـون لنا عيبـا فيعجزكم =ويكره الله ما تأتون والكــرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي =أنا الثـــريا وذان الشيب والهرم
ليـت الغمام الذي عندي صواعقه =يزيلهـن إلى من عنـده الديــم
أرى النوى تقتضينني كل مرحلة =لا تستقـل بها الوخادة الرسـم
لئن تركـن ضميرا عن ميامننا =ليحدثن لمـن ودعتهــم نـدم
إذا ترجلت عن قـوم وقد قـدروا =أن لا تفارقهم فالـراحلون هــم
شــر البلاد مكان لا صــديق بــه =و شر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشـر ما قنصته راحتي قنص =شبه البزاة سواء فيه والرخم
بأي لفظ تقـول الشعــر زعنفة =تجـوز عندك لا عــرب ولا عجم
هذا عـتابـك إلا أنـه مقـة =قـد ضمـن الدر إلا أنه كلم
image
image قصيدة قتلت صاحبها «2».
 0  0  3193