يوسف عبدربه الحميدي.
إجمالي المشاركات : ﴿21﴾.
1448/02/29 (04:28 صباحاً).

إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ : دراسة تفسيرية ولغوية وبلاغية.


■ المقدمة :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن القرآن الكريم هو كتاب الهداية الأعظم، ومنهج الله الخالد لإصلاح أحوال العباد في الدنيا والآخرة، وقد تكفّل سبحانه ببيان كماله وشموله، ومن الآيات الجامعة في هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
فهذه الآية الكريمة من أبلغ الآيات الدالة على كمال الشريعة وشمولها، إذ أخبر الله تعالى أن القرآن يرشد إلى أكمل المناهج، وأعدل السبل، وأصلح الأحوال، في جميع جوانب الحياة.
ويهدف هذا البحث إلى بيان المعنى التفسيري للآية، والكشف عن أسرارها اللغوية والبلاغية، وبيان ما تدل عليه من دوام هداية القرآن وشمولها.

● المبحث الأول: تصدير الآية وبيان موضوعها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].
افتتحت الآية بحرف التوكيد «إنَّ» لإثبات مضمون الخبر وتقريره، وأشير إلى القرآن باسم الإشارة «هذا» الدال على التعظيم والتنويه بشأنه، ثم جاء الخبر متضمناً وظيفتين عظيمتين للقرآن:
1. الهداية إلى أكمل السبل.
2. البشارة للمؤمنين العاملين بالصالحات.
فجمعت الآية بين الترغيب في سلوك سبيل الحق، والبشارة بحسن العاقبة.

● المبحث الثاني: المعنى التفسيري للآية.
معنى الآية: إن هذا القرآن يرشد الناس ويدلهم إلى الطريق التي هي أشد استقامة، وأعظم صلاحاً، وأعدل منهجاً.
قال ابن كثير: “يهدي لأوضح الطرق وأبين السبل”.
وقال السعدي: “يهدي للتي هي أقوم في العقائد والأعمال والأخلاق”.
فالقرآن يهدي إلى:
* أقوم العقائد، وهو توحيد الله تعالى.
* أقوم العبادات.
* أقوم الأخلاق والآداب.
* أقوم المعاملات والعلاقات بين الناس.
* أقوم النظم التي تقوم بها حياة الأفراد والمجتمعات.
ولهذا جاءت الآية مطلقة لتشمل كل ما يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه.

● المبحث الثالث: دلالة الفعل المضارع في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي﴾.
جاء الفعل «يَهْدِي» بصيغة المضارع، ولم يقل: “هدى”، وفي هذا دلالة بلاغية مهمة.
فالأصل في الفعل المضارع أنه يدل على التجدد والاستمرار بحسب السياق، وفي هذه الآية يفيد:
1- استمرار هداية القرآن: فليست هداية القرآن مقصورة على زمن نزوله، بل هي متجددة في كل عصر.
2- صلاحية القرآن لكل زمان ومكان: فالقرآن لا تنتهي عجائبه، ولا تنقطع هداياته، بل يبقى مرجعاً للبشرية إلى قيام الساعة.
3- تصوير الهداية على أنها أمر حاضر متجدد: فكأن الآية تصور القرآن وهو يمارس وظيفة الهداية باستمرار.
ولو جاء التعبير بالفعل الماضي فقيل: “هدى”، لدل على أصل وقوع الهداية، أما المضارع «يهدي» فهو أبلغ؛ لأنه يشعر بدوام هذه الهداية وتجددها.

● المبحث الرابع: معنى مادة (ق و م) في اللغة.
الأصل اللغوي لكلمة «أقوم» هو الفعل قام.
وقد ذكر ابن فارس أن مادة (ق و م) تدور على معنى: الاعتدال والثبات والاستقامة والإصلاح.
والقيام في اللغة لا يقتصر على الوقوف على القدمين، بل يشمل معاني متعددة، منها:
• الاستقامة والاعتدال.
يقال:
* قام الأمر: إذا استقام وانتظم.
* استقام الطريق: إذا اعتدل.

• الإصلاح والتدبير.
يقال:
* قام على أهله: إذا تولى مصالحهم.
* قوَّم المعوج: إذا أصلحه.

• الثبات والدوام.
يقال:
* أقام بالمكان: إذا ثبت فيه.

• الكفاية والصلاح.
يقال:
* هذا الشيء قوام الحياة؛ أي به صلاحها واستمرارها.

● المبحث الخامس: معنى اسم التفضيل «أقوم».
«أقوم» اسم تفضيل على وزن أفعل، مشتق من الفعل «قام».
ومعناه:
* أشد استقامة.
* أكمل صلاحاً.
* أعظم عدلاً.
* أرسخ ثباتاً.
فالمقصود أن القرآن يهدي إلى أكمل المناهج وأتمها.

● المبحث السادس: حذف المفضَّل عليه.
الأصل أن يقال: أقوم من غيره.
لكن الله تعالى قال: ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾.
ولم يذكر المفضَّل عليه.
وهذا من أساليب البلاغة؛ لأن حذف المفضَّل عليه يفيد:
1- العموم
أي: أقوم من كل طريق ومنهج.
2- التفخيم والتعظيم
فكأن المعنى: يهدي إلى أكمل ما يمكن أن تصل إليه البشرية من صلاح واستقامة.

● المبحث السابع: الاسم الموصول وصِلته.
قوله تعالى: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
* «التي»: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام.
* «هي أقوم»: جملة اسمية لا محل لها من الإعراب، وهي صلة الموصول.
وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على الثبات والاستقرار.

● المبحث الثامن: حذف الموصوف وسر البلاغة فيه.
لم يصرح القرآن بما تهدي إليه الآية، فلم يقل:
* للطريقة التي هي أقوم.
* أو للملة التي هي أقوم.
بل حذف الموصوف.
وقدَّر العلماء المحذوف بـ:
* الطريقة.
* الملة.
* الحال.
* الخصلة.
وفائدة هذا الحذف:
1. التوسعة في المعنى.
2. إفادة العموم والشمول.
3. تعظيم شأن ما يهدي إليه القرآن.
فصار المعنى: إن القرآن يهدي إلى كل شأن هو أكمل وأصلح وأعدل.

● المبحث التاسع: سر التعبير بالجملة الاسمية ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾.
لم يقل سبحانه: “التي تقوم” أو “التي تستقيم”، وإنما قال: ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾.
والجملة الاسمية تدل على:
* الثبوت.
* الرسوخ.
* الدوام.
فما يهدي إليه القرآن ثابت في كماله، لا يعتريه النقص أو التغير.

ومن بديع النظم القرآني أنه جمع بين:
* الفعل المضارع «يهدي» الدال على تجدد الهداية واستمرارها.
* الجملة الاسمية «هي أقوم» الدالة على ثبات كمال المنهج المهدي إليه.
فالهداية متجددة، والمنهج ثابت كامل.

■ الخاتمة :
تبين من خلال هذا البحث أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾..
من الآيات الجامعة التي تدل على كمال القرآن وشمول هدايته، وأن لفظ «أقوم» يفيد بلوغ الغاية في الاستقامة والصلاح والعدل، وأن حذف الموصوف والمفضَّل عليه من دقائق البلاغة القرآنية التي أفادت العموم والتفخيم.
كما ظهر أن التعبير بالفعل المضارع «يهدي» يشير إلى تجدد هداية القرآن واستمرارها، بينما تدل الجملة الاسمية «هي أقوم» على ثبات المنهج الذي يدعو إليه القرآن، فاجتمع في الآية دوام الهداية مع ثبات الكمال.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

■ المراجع :
1. الطبري، جامع البيان.
2. ابن عطية، المحرر الوجيز.
3. الزمخشري، الكشاف.
4. الرازي، مفاتيح الغيب.
5. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
6. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
7. السعدي، تيسير الكريم الرحمن.
8. الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن.
9. ابن فارس، مقاييس اللغة.
10. السيوطي، الإتقان في علوم القرآن.

■ تنبيه علمي :
الأدق في الجانب البلاغي أن يقال: إن جملة «هي أقوم» هي صلة الموصول، وليست «هي» فيها ضمير فصل؛ لأن ضمير الفصل لا يقع في صلة الموصول على هذا الوجه. والجملة كلها جاءت اسمية، فاستفادت معنى الثبوت والرسوخ، وهو المقصود هنا.