• ×

07:03 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ من المعروف ان الفرد يمر بمراحل نمو مختلفة تنتهي بمرحلة الكهولة أو الشيخوخة والتي يصعب معها استمرار هذا الفرد في ممارسة العديد من الأدوار الاجتماعية حيث يقل مجهوده وطاقته وقدرته بصفة عامة، ومن المعروف أيضاً أن مؤسسة الأعمال هي مؤسسة ربحية وأن كل وظيفة بها لها قدرات ومتطلبات محددة يجب أن تتوافر في العاملين بها، وعلي هذا فعندما تقل قدرة الفرد علي ممارسة الدور الوظيفي الذي اعتاد عليه لفترة زمنية طويلة تضطر هذه المؤسسات إلى إحالة هؤلاء الأفراد إلى التقاعد نظير مكافئة مالية أو معاش، وبالطبع هذا إجراء منطقي ومتوقع وإلا لأفلست تلك المؤسسات وتقاعد كل العاملين بها، إلا أن المشكلة هنا تبقى في هذا الفرد الذي تقاعد عن العمل الذي كان يشغل 50% من وقته ومجهوده اليومي بالإضافة إلي قيمة السعادة التي كان يحققها له هذا العمل.

عرفنا وسمعنا كثيراً عن مؤسسات تقوم بتأهيل وتدريب الموظفين لتطوير وتحسين الأداء وتوقع الوصول إلى الجودة الشاملة، تصرف الملايين في هذا الاتجاه، وسمعنا كثيراً عن تقاعد المدير الفلاني والمسؤل الفلاني والموظف والعامل و .. فجأة وبغير إنذار أو ميعاد وحتى في حالات الخروج للمعاش أو التقاعد بقوة القانون لتجاوز السن القانوني، ولكن هل سمعنا عن مؤسسة قامت بتأهيل أو إعادة تاهيل هؤلاء الأفراد لاستكمال حياتهم بعد التقاعد ؟ هل هؤلاء الأفراد انتهت أدوارهم الاجتماعية أم هناك العديد من الأدوار في انتظارهم ؟ هل هم مؤهلون لهذه الأدوار ؟ وعلي من تقع مسؤلية هذا التأهيل ؟ الفرد أم المجتمع أم المؤسسة التي أخلص لها لمدة لا تقل عن ربع قرن من الزمن انطفأت فيها كل خبراته المكتسبة عدى ما يلزمه للقيام بعمله في المؤسسة.

معظم هؤلاء المتقاعدون أصحاء ولديهم طاقة وطموح وأمال وخبرة ومعظمهم يبحث بعد التقاعد عن فرص عمل أو مجال للتفاعل مع المجتمع لإثبات الذات البعض بهدف الربح والبعض الآخر بدافع العطاء وربما لا يحتاج للربح وفي كلا الأحوال ينخرط في مجتمعات وأعمال قد تختلف كلياً عن مجال عمله الاصلي، وكثيراً منهم يتعرض للفشل والاستغلال والسخرية. فكيف نجنبهم هذه المحنة ؟ كيف نساعدعم في بناء حياة جديدة تسعدهم ونستفيد فيها من طاقتهم ؟
المفهوم السائد يقول : (إنهم كبار وناضجون وتعلموا من الحياة وقادرون بهذه الخبرة وبعد هذا العمر أن يشقوا طريقهم بدون مساعدة أو إنهم يجب عليهم الراحة والاكتفاء بما حصلو عليه وبفرصتهم حتي الان وليتركوا الفرصة للشباب) وللاسف لم استطع تحديد علاقة ذاك بهذا في هذه الأقوال. فما علاقة فرص الشباب بفرص الكبار أو حياتهم ؟ وما علاقة السن بعدم الحاجة للتأهيل واكتساب خبرة مادام الفرد سيمارسها ؟
وماذا عن المشاعر والأحاسيس والواجب الاجتماعي والأخلاقي ؟ وماذا عن هدف المجتمع أو المنهج الاجتماعي لمساعدة جميع الأفراد علي تحقيق أهدافهم الشخصية وتحمل مسؤلية سعادتهم وراحتهم النفسية وتنمية روح المواطنة ومحاربة الاغتراب ؟ فهل هي شعارات ؟ وما هي المسؤلية الاجتماعية التي تنادي بها المؤسسات وعلوم الإدارة ؟ أهي شعارات ايضاً ؟

في كثير من الأحيان يكون الفرد المحال إلي التقاعد خبير في مجال معين وله قدرات ومميزات نادرة أو فريدة وفي كثير من الأحيان يكون الفرد له مواهب وقدرات جديدة لم تكتشف بعد أو لم تستخدم بعد، وفي كل الأحوال تظل هناك طاقة مفقودة لشريحة من المجتمع يجب أن يعاد تأهيلها لمساعدة أنفسهم في المقام الاول ومن ثم لإضافة قيم جديدة للمجتمع والاستغلال الأمثل لطاقته.

وعلي جانب آخر وبنظرة أخري لناحية طبيعة العمر والسن. فالحقيقة أن معظم أفراد المجتمعات بما فيهم العديد من الدول المتقدمة تمر بتلك المرحلة وهذه السنوات البائسة في نهاية العمر، ونادراً منهم من يعد أو يؤهل نفسه لتلك الفترة وكثيراً منهم من يتعرض للفشل والاحباط والتعاسة نتيجة لتعرضهم لمحاولات إثبات الذات عن طريق التجربة العشوائية والخطأ في ممارسة أدوار جديدة لم يؤهلوا لها ولم يكتسبوا خبرتها (إنه حب البقاء وإثبات الذات)، وفوق ذلك كله تعرضهم للخجل والخوف من أثر ظهور أعراض الشيخوخة من نسيان وعدم القدرة علي المشي أو التحرك أو التبول اللاإرادي وصعوبة الكلام .. الخ كل هذا متوقع إلا أن المجتمع لم يؤهل هذه الفئة لممارسة دور الكهولة.

إن التقاعد والكهولة والعجز كلها مرحلة سنية متقاربة وسريعة كنمو الاطفال، وحتى في حالات التقاعد المبكر التي قد تحدث في أواخر مرحلة النضج إلا أنها كلها سريعة ومتدرجة ومرحلة فاصلة بين طبيعتين مختلفتين من الحياة تبداء من المعاش والذي يعد أنسب فترة لإعادة تأهيل هولاء الأفراد للمرحلة المقبلة بعد أن ولى الشباب والمراهقة والنضج وتحددت المطالب والاحتياجات.
التقاعد والكهولة والشيخوخة تمثل مشكلة اجتماعية كبيرة للفرد والأبناء والأسرة والمجتمع ككل .. فكيف لا يوجد مركز (برنامج ومنهج) لتأهيل كل من أقترب من سن التقاعد أو كل من هو راغب، حتي يتعلم ما هي طبيعة الأيام القادمة (استعادة الخبرات التي تعرضت للانطفاء وإعادة التذكير وإحياء القيم وخصائص المرحلة) وكيف يستغل خبراته المكتسبة السابقة لإضافة قيم جديدة في مكان آخر، وما هي الخبرات الجديدة أو الدورات أو التدريبات المناسبة لخبراته السابقة وقدراته التي إن اكتسبها يكون قادراً علي ممارسة أدوار اجتماعية أو وظيفية أخري أو حتي من أجل استمراره في ممارسة حياة ناجحة وسعيدة، متي يجب أن يتوقف ومتي يجب أن يجتهد، ومتي يجب أن يطلب المساعدة والتوجيه والإرشاد، وممن يطلب المساعدة والتوجيه والارشاد، متي يجب عليه أن يستريح واين ؟ أشياء كثيرة وموضوعات كثيرة وخبرات كثيرة واحتياجات أكبر وأكبر للتوجيه والإرشاد والتقييم والتقويم والتعرف علي القدرات والذات يجب ان يخطط لها حتي يتعلمها الأفراد قبل بلوغ سن التقاعد.

لن أتحدث عن الرحمة التي أمرنا الله بها. ولا عن حقوق الانسان، بل النظر هنا هو لتنمية المجتمع الذي يحتاج لاستغلال كامل طاقته وموارد البشرية وكذا يحتاج إلي تقليل المشاكل وتنمية روح المواطنة ورفع المعاناة عن المواطنين لتقوية الوحدة الاجتماعية، ولن أتحدث عن دور الإيواء لكبار السن ولا مشاكلها. ولن يكون مدخلي هو كيف نتعامل مع كبار السن والشيوخ والكهول. فديننا الإسلامي الحنيف علمنا كيف نعاملهم وما يجب لهم، ولكن مدخلنا هنا هو كيف نؤهلهم قبل بلوغ هذا السن بتدرج منطقي يحفظ لهم عزتهم وكرامتهم ويرشدهم ليستفيدوا هم أولاً وليساعدونا ونساعدهم بسعادة.
إذا وجد هذا المركز فسيكون علي كل مؤسسة أن تتحمل مسؤليتها الاجتماعية في إعداد موظفيها للتقاعد وقبل بلوغ التقاعد بفترة كافية لا تقل عن سنتين، يكون الفرد فيها علي علم تام بأنه سيتقاعد في تاريخ محدد دون أمل في عدم التقاعد حتي تزيد دافعيته وتركيزه في المقام الأول علي ماذا بعد التقاعد.

إن تعليم وتأهيل كبار السن متدرج وله طرقه ووسائله الخاصة وحساسيته المفرطة، ولنذكر كيف علم سيدنا الحسن والحسين الرجل العجوز الوضوء دون أن يجرحوا مشاعره، فعلوا مقامه ودفعوه إلي التوقع ومعرفة أركان الوضوء هذا هو خلق الإسلام.
وبذلك فالرؤية لمنهج تأهيل التقاعد يجب أن تكون تحفيز الأفراد المقبلين علي التقاعد ودفعهم إلى توقع ودراسة واتخاذ القرارات المستقبلية وتوفير البيانات اللازمة لهذا التوقع.
وفي اعتقادي لو وُجد مثل هذا المركز لحل الكثير من مشاكل المتقاعدين وكبار السن (يكفي التاهيل النفسي وحمايتهم من المخاطرة والمغامرة) وخاصة إذا تم دعمه من مؤسسات ومنظمات الأعمال والتي قد تجد في كثير من هؤلاء المتقاعدين يد العون في إنجاز أعمالهم وتحقق لهم سعادة المشاركة والرضي النفسي أو السلام النفسي, فأغلب هؤلاء المتقاعدين قد يكونوا فقدوا القدرة في اتجاه معين لا يتفق وأدوارهم السابقة أو أن طبيعة العصر والأعمال تحتاج لدماء جديدة، إلا أن المتقاعدون لديهم قدرات أخري متعددة تتناسب ومتطلبات أدوار أخري جديدة وفي أماكن واتجاهات أخري.
ولا ننسى فرحة الأبناء والأحفاد والأزواج وسعادة الأسرة بسعادة هولاء المتقاعدين كبداية لتأهيلهم لمرحلة الكهولة والاسترخاء والراحة بصدر رحب وبسعادة وتعاون.

 0  0  2366
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:03 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.