• ×

03:05 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ مشهد التوفيق والخذلان.
■ أجمع العارفون بالله : أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك.
وأن الخذلان : هو أن يخلى بينك وبين نفسك.
فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا : فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له. فهو دائر بين توفيقه وخذلانه، فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته وهو المحمود على هذا وهذا، له أتم حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه وأين يضعه.
فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه، علم شدة ضرورته وفاقته إلى التوفيق في كل نفس وكل لحفظ وطرفة عين، وأن إيمانه وتوحيده بيد عزه تعالى لو تخلى عنه طرفة عين لثل عرش توحيده ولخرت سماء إيمانه على الأرض وأن الممسك له هو من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فشغل قلبه ودأب لسانه : يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب ! صرف قلبي إلى طاعتك. ودعواه يا حي ! يا قيوم ! يا بديع السموات والأرض ! يا ذا الجلال والإكرام ! لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك.
ففي هذا المشهد يشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه : فيسأله توفيقه مسألة المضطر، ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف، ويلقي نفسه بين يديه طريحا ببابه مستسلما له ناكس الرأس بين يديه خاضعا ذليلا مستكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ونشورا.
التوفيق : إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد، بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له مؤثرا له على غيره، ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه إليه. وهذا مجرد فضله. والعبد محل له.
قال تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ • فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحجرات : 7 - 8)، فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصح له، حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله لا يمنعه أهله، ولا يضعه عند غير أهله.
وذكر هذا عقيب قوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ) ثم جاء به بحرف الاستدراك فقال : (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ).
يقول سبحانه : لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له وتزيينه في قلوبكم منكم، ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك فآثرتموه ورضيتموه فلذلك لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، فالذي حبب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده منكم. وأنتم، فلولا توفيقه لكم، لما أذعنت نفوسكم للإيمان، فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم، ولا تقدمتم به إليها، فنفوسكم تصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه، فلو أطاعكم رسولي في كثير مما تريدون لشق عليكم ذلك ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون.
ولا تظنوا أن نفوسكم تريد لكم الرشد والصلاح كما أردتم الإيمان، فلولا أني حببته إليكم وزينته في قلوبكم وكرهت إليكم ضده، لما وقع منكم ولا سمحت به نفوسكم (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/494 - 497) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1499
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:05 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.