• ×

03:31 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ من فقه التوبة .
● المسألة الرابعة : العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية وعجز عنها بحيث يتعذر وقوعها منه لعدم قدرته عليها هل تصح توبته ؟ ( 1 )
وهذا كالكاذب والقاذف وشاهد الزور، إذا قطع لسانه، والزاني إذا جُبَّ، والسارق إذا أتي على أطرافه الأربعة، والمزور إذا قطعت يده، ومن وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها .
ففي هذا قولان للعلماء :
فقالت طائفة : لا تصح توبته.
والقول الثاني وهو الصواب : أن توبته صحيحة ممكنة، بل واقعة، فإن أركان التوبة مجتمعة فيه، والمقدور له منها الندم، وفي "المسند" مرفوعا : (الندم توبة)، فإذا تحقق ندمه على الذنب، ولومه نفسه عليه، فهذه توبته.
وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه، مع شدة ندمه على الذنب، ولومه نفسه عليه، ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه وعزمه الجازم ونيته أنه لو كان صحيحا والفعل مقدورا له لما فعله ؟!
وإذا كان الشارع قد نزل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته : كقوله في الحديث الصحيح : (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما) (خ (2996)).
وفي الصحيح أيضا عنه : (إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم.
قالوا : وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر) (خ (2838)، م (1911)) وله نظائر في الحديث.
فتنزيل العاجز عن المعصية التارك لها قهرا مع نيته تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك المختار أولى.
يوضحه : أن مفسدة الذنب التي يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة، ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلا وعزما، والعقوبة تابعة للمفسدة.
وأيضا فإن هذا إن تعذر منه الفعل، لم يتعذر منه التمني والوداد.
فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب، ومن نيته : أنه لو كان سليما لباشره، فتوبته : بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني والحزن على فوته، فإن الإصرار متصور في حقه قطعا، فيتصور في حقه ضده، وهو التوبة بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار. وهذا واضح.

● المسألة الخامسة ( 2 ) : وتوبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة. فإنه تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما، فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانيا قبولا وإثابة.
قال الله عز وجل : َ(لقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ـ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم)ُ (التوبة : 117 - 118)، فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببا مقتضيا لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله تعالى عليهم.
ونظير هذا : هدايته لعبده قبل الاهتداء، فيهتدي بهدايته، فتوجب له تلك الهداية هداية أخرى يثيبه الله بها هداية على هدايته، فإن من ثواب الهدى الهدى بعده، كما أن من عقوبة الضلالة الضلالة بعدها، قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) (محمد : 17)، فهداهم أولا، فاهتدوا فزادهم هدىً ثانيا.
وعكسه في أهل الزيغ، كقوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (الصف : 5)، فهذه الإزاغة الثانية عقوبة لهم على زيغهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/ 359 - 362) .
(2) : المدارج (1/ 388) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1577
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:31 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.