• ×

03:29 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ نشوب الصراع بين الفلسفات التربوية الثلاث ـ المثالية والواقعية والبراجماتيةـ
نشب الصراع بين الفلسفات التربوية الثلاث وتبارى انصارها في تسفيه مفاهيم الفلسفات المقابلة، فلقد شن جون ديوي هجوماً شديداً على كل من الفلسفة المثالية والفلسفة الواقعية واعتبر أن كل منهما فلسفة قديمة تقدم تربية تقليدية تعمل على أساس روتيني وتقدم برامج وانحدارات من الماضي لا تسهم في تنمية الخبرة ولا تمثل أي مظهر للخبرة، كذلك انتقد الفلسفة المثالية والواقعية لأنهما يفصلان بين الخبرة العقلية والخبرة الجسدية وأضاف أن هذه الثنائية هي أسوأ شرور التربية التقليدية، ومن اقواله في هذا الشأن : (إن اصحاب هذا الفهم حين يعملون يمارسون ضغطاً على الجسم بعدم الحركة والنشاط فيطلبون السكون وعدم الحركة ويعاقبون الطالب إذا قام بأية حركة لأنها ـ حسب رأيهم ـ مفسدة للخبرة العقلية دون أن يتبينوا أن التوتر العصبي والتعب البدني اللذين يصيبان كلا من العلم والطالب هو الثمرة الشاذة لمثل هذا الفهم).
ثم أضاف : (إن وقية من الخبرة خير من طن من التلقين النظري، فالخبرة تكسب الافكار النظرية اهميتها وحيويتها، والخبرة مهما كانت متواضعة تولد الافكار النظرية، ولكن الافكار النظرية المنفصلة عن الخبرة لا يمكن أن تفهم وأنما تتحول إلى مجموعة من الكلام المنمق الذي يجعل التفكير مستحيلاً).
ولقد شن ممثلوا الفلسفة المثالية هجوماً مماتلاً على البراجماتية وجون ديوي، ومن اشهر ممثلي المثالية هيرمان هارل هورن الذي اشتبك مع ديوي نفسه، واشهر كتبه في هذا المجال المثالية في التربية الذي نشره عام 1910 وكتاب فلسفة التربية الذي اصدره عام 1927.
وشارك في هذه المعركة ممثلوا الواقعية وهاجموا البراجماتية ومن اشهر من قاموا بمهاجمتها فريدريك بريد الذي حاول في كتابه اظهار تفوق الواقعية على البراجماتية ومن ممثلي الفلسفة الواقعية الفرد نورث وايتهد صاحب كتاب أهداف التربية الذي اصدره عام 1929 ولقد عمل في بريطانيا وامريكا وشارك في الجدل الدائر حول الفلسفات التربوية.

● تعدد الفلسفات التربوية وتناقضها .
أدى هذا الصراع التربوي حول فلسفة التربية إلى ميلاد عدد اخر من مدارس الفلسفة التربوية، فقد انجبت الفلسفة البراجماتية وليدين اخرين هما الفلسفة التقدمية والفلسفة التجديدية.
وتعود اصول الفلسفة التقدمية للتربية إلى أيام المربي الروماني كوينتليان (35 - 95 ق.م) الذي انتقد اسلوب اليونان وقسوتها على الطف ودعا إلى مراعاة قدراته ومساعدته على النمو، ثم جاء الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو فدعا في كتابه (إميل) إلى تمركز التربية حول الطفل.
ولكن خلال الركود الاقتصادي الذي حدث في الثلاثينات من القرن العشرين وحينما كانت الفلسفة التقدمية في قمة رواجها ضاقت مجموعة من فلاسفة التقدمية بالركود القائو وبخطى الاصلاح فدعوا الى اعادة بناء النظر في التربية التقدمية وتقليل التركيز على رغبات الطفل واعطاء انتباه اكبر لمصالح المجتمع، أو التقليل على التركيو على نمو الفرد واعطاء انتباه اكبر لاصلاح المجتمع ولقد اصبح هؤلاء نواة الفلسفة التجديدية.
وترى الفلسفة التجديدية أن نموذج المجتمع المثالي يجب أن محور التربية وتنظيم برامجها واهدافها وبرامجها، وأن على المدارس أن تعمل على إعداد مواطن المستقبل لمجتمع المستقبل الذي يجري بناؤه لا على المجتمع القائم.
ومن ممثلي الفلسفة التجديدية ثيودور براملد وتتركز اراؤه في ان الفلسفة التجديدية هي فلسفة الازمات وانها علاج الثقافة أو المجتمع اللذين يمران بأزمة وهي جوهر المجتمع الديمقراطي.
اما تطبيقاتها التربوية فقد ركزت على احلال النشاطات التعاونية بدل المنافسات الفردية بين الطلبه واشاعة العمل اجماعي بدل القيادة الفردية، وان يكون الانجاز هو القوة الدافعة للمستقبل.
كذلك افرزت الفلسفة المثالية وليداً جديداً هو فلسفة الديمومة. وهي كسابقتها من المدارس المحافظة وتمقت كثيراً من اتجاهات العالم المعاصر مثل : نتائج الثورة الصناعية، والثورة العلمية، وقيم العلمانية، وقيم البروليتاريا الماركسية، والثورة التكنولوجية والالكترونية. وهي كفلسفة تربوية تركز على الماضي وسموه وتؤكد على ديمومة الكون وعدم تغير الطبيعة الإنسانية والحقيقة والمعرفة والتفضيلية والجمال. فالمرغوب هو الثابت، ومن ممثلي هذه المدرسة روبرت هوتشنز.
والتربية في فلسفة الديمومة محورها طبيعة الإنسان الثابتة وهي القدرة على التفكير وادراك المثاليات، وهو ينفرد بذلك عن بقية المخلوقات، لذلك فالتربية عملية ثابتة تستهدف اخراج الإنسان العاقل الحكيم، والمنهاج في هذه الفلسفة مشتق من مفاهيم اليونان القدماء ومفاهيم التربية الحرة اللاتينية.
كذلك افرزت الفلسفة الواقعية وليداً اخر هو فلسفة الاسس الجوهرية، وهذه الفلسفة ـ في امريكا ـ تركز على موضوعات اساسية انطلاقاً من هدفين رئيسين : الأول أن وظيفة التربية نقل التراث الثقافي. الثاني التدريب العقلي. ويضيف البعض الى هذين الهدفين : الصحة الجسدية والصحة النفسية والكفاءة المهنية وممارسة الهوايات، كذلك تطلب إلى المدرسة أن تركز على قيم المجتمع السائدة وقيم قادة الامة السياسين والجتماعييين الاموات والاحياء ومفكري الحضارة الغربية.

● الانتقادات التي وجهت الى المدارس الفلسفية
الانتقادات التي وجهت إلى فلسفة التربية المثالية .

1- انها غير ديمقراطية تبالغ في دور تقدير الكبار وفي المحافظة والتقليد.
2- تعيق تقدم الفرد والمجتمع.
3- التناقض بين الفكر والتطبيق.
4- المبالغة في مدح التراث الثقافي والاجتماعي وتجعل له صفة الدوام والإلزام.
5- تركز على النخبة في المجتمع وتهمل الاخرين.

● الانتقادات التي وجهت الى الفلسفة الواقعية .
1- تأثر مبادئها بالاراء الشخصية.
2- تركيزها على اعداد نخبة من جماعة المثقفين للقيادة في المؤسسات المختلفة وعدم تقديم برنامج ديمقراطي.
3- ثبات المفاهيم وعدم مراعاة عوامل التطور.
4- تركيزها على التربية العقلية دون التربية الجسدية واهمال حاجات المتعلم ومتطلبات البيئة.
5- انتسابها للماضي وعدم ملاءمتها للحاضر.

● الانتقادات التي وجهت للفلسفة البراجماتية وتشمل :
الانتقادات التي وجهت للفلسفة التقدمية .

1- التربية التقدمية البراجماتية تربية بدون أهداف، فقد اعطت اهتماما اكثر مما يجب لقضايا التكيف وتشجيع الناشئة على الجري وراء رغباتهم ووراء النشاطات الاجتماعية بينما اهملت الموضوعات الاكاديمية والعقلية والدراسات الجادة، ولقد وصف بعض النقاد المدرسة الحديتة القائمة على البراجماتية على انها سيرك لعب اكثر من كونها معهد اكاديمي.
2- التربية الحديثة اعطت اهتماما اكبر مما يجب لاعداد المعلم على اساليب التدريس وطرق التدريس وطرائق التعلم بينما لم تعط العناية اللازمة لاعداده في المادة الدراسية التي يعلمها.
3- اعطت التربية الحديثة مكانة عالية لتمهين الشهادات بحيث هيأت للحاصل على شهادة المواد التربوية فرصا افضل للحصول على العمل من أولئك الذين يحصلون على شهادات في المواد العلمية.
4- ان التركيز على التكيف الاجتماعي والمواد التربوية ادى إلى نقص في التفوق العلمي.
5- حين جعلت البراجماتية الحقيقة من صنع الانسان هونت من منزلت الحقيقة وجعلتها امر ليس بذي بال ولا يحتاج الى جهد كبير.
6- حين حصرت البراجماتية والتقدمية الحقيقة في الخبرة فشلت في تقديم شيء عن الحقيقة الكلية التي هي مدار اهتمام الانسان في الماضي والحاضر.
7- نزلت البراجماتية بمفهوم العقل من مستوى التفكير والعقلانية الى مستوى الذكاء لتدبير امور المعاش.
8- نزلت البراجماتية بالقيم الاخلاقية والجمالية وجعلتها نسبية موقوته وغير صادقة.
9- ركزت البراجماتية على حاضر الانسان مع ان التاريخ يعلم اشياء كثيرة.
10- التركيز الزائد على الطفل وتقليل دور المعلم واعتباره مجرد موجه مغفلة بذلك نضج المعلم ومعارفه وحكمته.
11- البراجماتية تتواطئ مع رجال الصناعة والاقتصاد وبناء النظم التربوية بشكل يتطابق مع اهداف المصانع ومراكز العمل ورأس المال وترويض الانسان للتكيف مع نظم هذه الشركات.

● الانتقادات التي وجهت إلى الفلسفة التجديدية :
1- إن أعادة البناء الاجتماعي امر غير واقعي، والصورة التي تقدمها الفلسفة التجديدية صورة خيالية.
2- اهمال اثر القوى الخارجية كالقوى السياسية وزعمها على ان التربية وحدها قادرة على اعادة تركيب المجتمع.
3- تتناقض هذه المدرسة مع نفسها، ففي الوقت الذي تؤكد على حرية الفرد والديمقراطية فهي تعطي المجتمع هيمنة تحد من هذه الحرية والديمقراطية.
4- ان الفلسفة التجديدية ليست فلسفة تربوية وهي اقرب الى الفليفة الاجتماعية التي تتعلق بالاصلاح الاجتماعي وليس العمل التربوي.

● الانتقادات التي وجهت إلى الفلسفة الإسلامية :
إن الانتقادات التي تم توجيهها الى هذه الفلسفة كانت بالاغلب توجه الى القائم بتطبيق هذه الفلسفة وليس الفلسفة الاسلامية بحد ذاتها، اي كان الانتقاد يوجه للذين يسيؤن تطبيق الفلسفة الاسلامية.
كما وجه لها انتقاد اخر من قبل الجماعات المادية الواقعية حيث أن الفلسفة الإسلامية تحتوي جانب من الغيبيات المجهولة التي تترك غموض بسبب عدم تفسيره.

● ملاحظات حول فلسفات التربية الحديثة :
يمكن القول ان فلسفات التربية الحديثة في الغرب تعاني من نقص في تنظيم الحاجات الانسانية وتحقيق التكامل بين الحاجات المعنوية والحاجات الجسدية.
فالمثالية انبرت عن الحاجات الجسدية واجتزأت الحاجات العليا.
أما الفلسفة الواقعية فقد انبرت عن الحاجات المعنوية واكتفت بالحاجات المادية.
أما الفلسفة البراجماتية فتذبذبت بين النوعين من الحاجات حسب تقلب الزمان والمكان.
لذلك انتهت هذه الفلسفات الى التركيز على بقاء النوع البشري وهملت العمل على رقي النوع البشري، وصارت لا تمد الانسان في التربية بصورة واضحة عن الغاية التي خلق لاجلها ولا الكيفية التي حدث بها هذا الخلق والى اين سينتهي مصيره.
كما ان المفهوم الذي قدمته عن علاقة الانسان بالانسان وعلاقات الانسان بالكون والمحيط هو مفهوم غائم مضطرب متناقض يتعرض للتبديل والنقص من آن لآخر، لذلك هبطت الفلسفات عن الهدفين الاساسيين : بقاء النوع البشري ورقيه، وانحسرت غاياتها واهدافها في تسليح أعراق بشرية معينة لتعيش على حساب اعراق اخرى (البقاء للأقوى).
كذلك انعكس النقص في الغايات والاهداف على الوسائل سواء أكانت وسائل المعرفة ام وسائل التطبيق المعرفي والتربوي, فاقتصرت مناهج المعرفة المنبثقة عن الفلسفات التربوية الحديثة على العقل والحواس واهملت الوحي. وغياب الوحي الصحيح من مناهج المعرفة المذكورة ادى الى مبالغة هذه المناهج في دور العقل واستعماله في غير ميدانه والتصور انها من خلال العقل وحده ستخترق الوجود المحسوس الى عالم الغيب كله وتكشف عن مصدره وخلقه ومصيره، ثم تستثمر هذه المعرفة لبقاء النوع البشري ورقيه. وحينما فشلت في تحقيق ذلك انحسرت في قوقعة العالم المادي المحسوس واقامت تطبيقاتها التربوية طبقا لهذه الدائرة الضيقة. ولكن هذه التطبيقات فشلت ولم تستطع حتى الىن تحقيق الهدف الادنى هدف بقاء النوع البشري والحفاظ عليه.
كذلك اقتصرت المعارف والعلوم المتولدة من خلال وسيلة العقل والحواس وحدهما على الميادين المادية المحسوسة دون ادنى معرفة عن قضايا المنشأ والمصير. ولقد انعكست هذه الجزئية في المعرفة والتربية على ميدان الحياة المادية نفسها حيث لم تقدم فلسفات التربية الحديثة تصوراً واضحاً عن علاقة الانسان بالحياة بل قدمت تصور مبعثه دوافع الانسان وغرائزه وخلاصة هذا التصور ان الحياة الراقية هي معرض استهلاك ونتيجة لهذا النقص لم تستطع ان تبلور القيم اللازمة لتقييم ثمار المعرفة وتركتها لتتشكل في حدود رغبات الافراد وحاجاتهم المادية كذلك فصارت القيم كمناديل الورق التي تستعمل لازالة القاذورات العالقة بالايدي والثياب ثم القائها في سلة المهملات.

● ملاحظات حول فلسفة التربية الإسلامية :
يمكن القول ان فلسفة التربية الاسلامية كما استخرجناها نظريا من اصول الكتاب والسنة تعمل على بقاء النوع البشري من خلال إجكام علاقات انسان التربية الاسلامية بالخالق والكون والانسان والحياة والآخرة، ومن خلال تصورها الاشمل ل الحاجات الانسانية الجسدية والمعنوية ثم تكامل هذه الحاجات المعنوية هدف رقي هذا النوع.
كذلك حددت فلسفة التربية الاسلامية الوسائل المعرفية الموصلة الى تطوير الادوات اللازمة لتحقيق الغايات والاهداف المشار اليها في الفقرة السابقة.
ولقد تمركزت هذه الوسائل حول تظافر كل من الوحي والعقل والحواس للوصول الى المعرفة الصحيحة بالعلاقات المذكورة وتحويلها الى تطبيقات وممارسات تؤدي الى تحقيق الاهداف المذكورة وتقييمها وتطويرها كلما دعت الحاجة لذلك بتأثير عوامل اربعة هي :
● الأول : عامل عقائدي هو تحديد الصلة القائمة بين الخالق المربي وبين الإنسان المخلوق.
● الثاني : عامل اجتماعي وهو بلورة العلاقة وانماط السلوك في الدائرة الانسانية التي ينتمي اليها انسان التربية الاسلامية وهي دائرة شملت جميع افراد النوع الانساني.
● الثالث : عامل مكاني وهو اسلوب العيش على الرقعة المكانية وهي رقعة شملت الكرة الارضية كلها والكون المحيط.
● الرابع : عامل زماني وهو مراعاة البعد الزماني لعمر الانسان وهو بعد يبدأ في الدنيا ويمتد الى الاخرة عبر مستقبل لا يتناهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● المراجع :
ماجد عرسان الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية، دبي : دار القلم، 2002.
محمد قطب، لا اله الا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.
غوستان غاردير، عالم صوفي، ترجمة حافظ الجمالي، دمشق : دار طلاس، 1996.
عبدالكريم أبو خشانة، مدخل إلى الفلسفة 2002.

 0  0  2005
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:29 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.