• ×

03:32 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله حمد الشاكرين، وأفضل الصلاة والسلام الأتمين على خاتم النبيين محمد وعلى آله الطيبين.
الحديث عن الإنسان حديث ذو شجون، وقد ترائى لي أن أتطرق إلى بعض النقاط التي أعدها من أهم ما يختص بالإنسان المسلم المعاصر، لأنه من وجهة نظري هو أولى الناس بفهم واستيعاب التغيرات المتتالية في الزمان والمكان، التي تسعى بطريق مباشر وغير مباشر؛ في تشييئه واستعماله، في أنماط وقوالب جاهزة، كثيراً ما تسلخه من إنسانيته، وتجعله يتنكر لهويته وخصوصيته؛ بمحض إرادته، وطيب خاطر منه، بعد اقتناعه بالولوج في عالم الحضارة المادية الزائف.
وقد يتسائل القارىء : ما العيب في الحضارة وقد تعددت منافعها ومزاياها؛ التي كثيراً ما ساندت الإنسان في تسهيل الحياة وسبل العيش، بعد أن عاش حينا من الدهر؛ يكابد الحياة ومشاقها ؟ وهذا سؤال أعده مشروعاً ولكن الإجابة عليه، تحتاج إلى الكثير من التفصيل؛ قد لا يتسع مقال كهذا في الوقوف على كافة جوانبه، ولا تسمح كذلك طاقة الكاتب في سبر أغوار موضوع شائك مثله، ولكن بعض التقريب قد يضع بعض النقاط على بعض الحروف.
وهذا مرور سريع ألمح من خلاله إلى بعض ما تطرقت إليه في المقاربة السابقة مقاربة «5» عله يربط بعض ما سنتحدث عنه في هذا المقال؛ حيث تحدثنا عن تربية الإنسان وثقافته، واحترام إنسانيته بتوفير التربية اللازمة التي يحتاجها، وتعزيز ثقافته، وتوفير الرعاية والحرية الكاملة له، بما يضمن له تنمية جميع جوانبه الدينية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ في ظل ثوابت وعرى الدين، كأقل واجب وحق مشروع، يقيم من خلاله وظيفته التي أناطها الله تعالى به وهي الاستخلاف في الأرض؛ والاستفادة من خيراتها، ونحن عندما نقول : (الاستخلاف والاستفادة) من خيرات الأرض، وعمارتها؛ نعني عدم احتكارها واسغلالها لصالح فئة محددة من البشر، دون أن يتمتع بها الآخرون، وهذا من الجوانب التي سنركز عليها في هذا المقال، و من الله تعالى الحول والطول.

■ إحلال ثقافة بأخرى .
في معرفة الحقيقة المرة من عمليات الغزو الوحشية التي تعرض لها هنود أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) قبل ما يقارب خمسمائة عام، على يد الغزاة الانجليز والفرنسيين والاسبانيين وكذلك الهولنديين، الذين كانت عمليات غزوهم لأمريكا؛ منبثقة من عقيدة دينية منحرفة وظالمة، متجذرة في أشد معاني الحقد والوحشية واللانسانية، ظهرت في أقبح أشكال العنصرية والطبقية المقيتة، التي ألبستهم شرعية ظالمة وهوجاء، لم يراعوا فيها إنسانية ولا حرمة لأصحاب الأرض الأصليين، الذين ما فتئوا آثاراً بعد عين، بعد أن ذاقوا ألوان الاغتصابات والقتل، وأشد ألون التعذيب، والتصفية الجسدية؛ بحجة أن الهنود الحمر لا يعتبرون من أصفياء الله وخلصائه؛ فيجب قتلهم وإبادتهم، بأمر من الدين على حد زعم الغزاة، الذين كانوا يرون في غزوهم الحق بامتلاك الأرض وكل ما فيها من نعم، بالإضافة إلى أصحاب الأرض الأصليين !
ولم يقتصر الأمر على إبادتهم وتصفيتهم بالكامل؛ بل ثمة مبدء يؤمن به الغزاة؛ وهو وجوب (كسر العمود الفقري للهنود الحمر) كما يعتقد مهندس سياسة الابادة الثقافية للشعوب المستعمرة (توماس مكولاي) آنذاك، وذلك بإحلال ثقافتهم الخاصة بهم، بثقافة الغزاة، رغما عن أنوف الهنود الحمر، الذين لم يكن لهم حول ولا طول، رغم بعض ما أبدوه من مقاومات، لكن ظلت القوى الغاشمة، قوى الغزو هي الحاضرة والمسيطرة على العباد والبلاد، والتي راح ضحيتها أكثر من 18 عشر مليون هندي أحمر، على مدار أربعمائة سنة، من تاريخ بدء الغزو.
ومن صور الابادة التي تعرض لها الأمريكيون الأصليون؛ علاوة على الذبح والقتل والتعذيب الجسدي الوحشي؛ أن أمور تعليم وتنشئة الهنود الحمر؛ تولى كبرها الغزاة؛ فأصبحت تحت إمرتهم وتصرفهم بشكل كامل؛ حيث أجبر الغزاة أطفال الهنود الحمر على تعلم اللغة الانجليزية وبعض اللغات الأخرى الأجنبية، بشكل متعسف؛ مما ترك الأطفال يعيشون حالات من العذاب النفسي والشعور بالقهر؛ لعدم استيعاب وفهم لغات غريبة عن عالمهم وأرضهم وثقافتهم، لا سيما بعد منعهم من التحدث بلغتهم التي يفهمونها، بعد سن أنظمة عقابية متعسفة ولا إنسانية عليهم، إذا حاول هؤلاء الضعفاء التحدث بلغتهم، فأقل ما يكون هو التعذيب الجسدي الأليم الذي ينتظرهم، جراء ذلك !
ولم يكن في وسع أولئك سوى الرضوخ للجبروت الغربي، مما أدى إلى ذوبان كثير من معالم الثقافة الخاصة بالهنود الحمر - على المدى البعيد - والتماهي مع الثقافة الجديدة الدخيلة - على مرور الأيام والعصور - التي فرضت عليهم بالقوة العسكرية والعدوانية، أملا في الخلاص والنجاة من العذاب والاطهاد.

■ ومن خلال ما استعرضناه بشكل مقتضب وسريع، لوحشية الغزو الأوروبي لأمريكا الهنود الحمر؛ نقف على عدة نقاط أهمها :
1- إن غزو بلاد آمنة وقتل وتشريد أصحابها واستباحة خيراتها من غير وجه حق؛ مما لا شك فيه أنه جريمة من أقبح وأشد أنواع الجرائم ضد الإنسانية، معصومة الدم والعرض؛ أوجدها الخالق تبارك وتعالى.
2- يتضح التشويه العقدي والانحراف الفطري؛ في عقيدة هؤلاء الغزاة؛ الذين تذرعوا بما أملته عليهم عقيدة منحرفة ومحرفة، لا تمت لدين ولا إنسانية فحسب؛ بل لا تتلمس أي معنى للرحمة والرأفة.
3- طغت العنصرية والفوقية في نفوس أولئك الطغاة، فعمت أعينهم عن الحق، فكانوا أكثر همجية وتخلفاً من أصحاب الأرض الأصليين، الذين كانت لهم حضارة وثقافة يمتازون بها؛ فجعلوا - الغزاة - يبيدونها بكل أشكال الجبن والوقاحة.
4- وفي عملية إحلال الثقافة الغربية الغريبة، محل ثقافة الهنود الحمر، التي نشئوا وترعرعوا في أوعيتها؛ أكبر استلاب للإنسانية ونزع للهوية الأصلية بالنسبة لأصحابها؛ لأن في تلك الإبادة اغتيال للعقل، وتحطيم للفكر وتشويه لملامح الحضارة بشكل عام؛ مما ينبىء عن انحراف في السوية والفطرة.
وكثيرة هي القصص التي وردت بهذا الصدد، مما تصور معاناة الأطفال بالذات؛ لأن الغزاة كانوا حريصين على تنشئة أجيال جديدة من الهنود الحمر - بعد أن استولوا على أراضيهم - بمواصفات غربية، بالقسر بدون مراعاة أهليهم الذين كانوا يرون أبنائهم يتغربون بين أيديهم وأمام أعينهم، وينشئون خلافاً لما نشئوا هم عليه من عادات وتقاليد وأخلاق ونظم وعقائد.
وليس من الصحيح أن نعد تغريب الهنود الحمر على أيدي الغزاة، كان من باب الحرص على تنشئة أجيال متفتحة وأكثر علماً وذكاء أو حضارة؛ فذاك من قبيل السذاجة والسطحية؛ بل على العكس تماماً فتلك نزعة عداء وتسلط، وشعور بالجشع في استحلال الأرض بخيراتها ومواردها؛ مستفحلة في نفوس الطغاة، أفرزت على شكل سلوكات شتى من ضمنها تلك الوصاية الظالمة على الهنود الحمر الأمريكيين.

■ ثقافتنا في مهب الريح .
لا يمكن إنكار ما للاستعمار الغربي على البلاد العربية، من تأثير ملحوظ على الثقافة والنظم، وكذلك الكثير من العادات والتقاليد، واللغة، مما كان من أصحاب الثقافة الضعيفة؛ التماهي مع الثقافة الغربية وتشرب الكثير من أنساقها، من باب التقليد، ومن باب الإعجاب والانبهار، أو من باب القصور الكامن في الإرادة الدافعة للاعتزاز بالعادات والتقاليد؛ ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن الغزو الفضائي الإعلامي كان له دور أكبر وأوضح مما سبقه، فقدم على أطباق شهية، صوراً وأساليب أكثر تغريباً، وأعمق تأصيلاً، وعين الحال في ذلك؛ قد تكون أبلغ من المقال.
ولست هنا من أجل نكئ الجراح من غير تطبيب لها، حيث لا يعد ذلك إلا تضييعاً للجهد والوقت. والسؤال المطروح هنا هو : ما الذي فعلناه نحن إزاء ثقافتنا المهدرة، والتي نتنكر لها بشكل مباشر أحياناً، وغير مباشر في أحيان أخرى ؟ إن سؤالاً مثل ذلك لا يسعفه جواب مقتضب وجاهز في مقال صغير كهذا، ولكن يحتاج إلى دراسة دقيقة ومتأنية، لأنني كما أسلفت، أعد التباكي على ثقافتنا المهدرة، والتي تتميع وتتلاشى أمام أعيننا، كمن أعيته الحيل، فذهب يندب حظه ويلطم خده !

■ ما الفرق بين الثقافة والحضارة ؟
وقبل الخوض في محاولة الإجابة عن السؤال السابق، يجدر بي أن أوضح للقارىء الكريم الفرق بين الحضارة والثقافة، وقد كتبت (تغريدتين بشأنهما على صفحتي في تويتر) فقلت في الأولى : (الثقافة : بصمة الإنسانية التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات) وقلت في الثانية : أي الحضارة (الحضارة : نتاج بصمات الإنسان وآثارها على الطبيعة).

■ وفي تفصيل الحديث عنهما أقول وبالله التوفيق .
♦ أولاً : الثقافة - هي من وجهة نظري الخاصة - بصمة الإنسانية التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، لأن الإنسان يشترك مع بقية المخلوقات في كثير من الوظائف والخصائص؛ ومثال ذلك : الحاجة للطعام والشراب والتكاثر، فكلا الاثنين أي الحيوان مثلاً والإنسان يحتاجان إلى الغذاء والتكاثر؛ ولكن كما يعلم القارىء أن الحيوان كما جبله الخالق عز وجل؛ يتغذى بطريقته الخاصة، ولا يتساوى معه الإنسان في تلك الطريقة، كما أنه يتكاثر لحفظ نوعه وكذا الإنسان ولكن شتان ما بين الإنسان الذي أكرمه الله بالعلاقات الزوجية الإنسانية المشروعة والراقية، عن علاقات الحيوانات الغريزية التي جبل عليها ! فتلك ثقافة تميز بها الإنسان عن بقية المخلوقات - ممنوحة له من الله تبارك وتعالى - والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تحصى.
♦ ثانياً : الحضارة - هي من وجهة نظري - نتاج بصمات الإنسان وآثارها على الطبيعة، وأود أن أشير هنا إلى نقطة غاية في الأهمية؛ حيث قلت : إن الحضارة هي نتاج بصمات الإنسان وليس الإنسانية لماذا ؟ لأن الإنسان لا يتضمن الإنسانية بالضرورة، لكن العكس صحيح. وللتوضيح أقول : الحضارة تشمل التقدم بنوعيه؛ أي المادي والروحي؛ وقد يكون التقدم في الجانب المادي فقط، بينما الجانب الروحي هناك ما يحتاج إلى عمل شيىء لإنعاشه ! وقد يكون كذلك التقدم في الجانب الروحي عال، لكن الجانب المادي متقهقر وهكذا. ولأن التسامي الروحي؛ لا يكون إلا مع الإنسانية.
ونضرب مثالاً على ذلك : فعندما تحدثنا عن الغزو الغربي لأمريكا في بداية هذا المقال؛ فقد كان الغزاة متقدمين ومتفوقين عسكرياً، لكنهم كانوا فاقدين لأسمى معاني الإنسانية والجوانب الروحية، وكان ذلك واضحاً وجلياً من خلال الجرائم الفظيعة التي ارتكبوها بحق الهنود الحمر الأبرياء.
فإذا كانت حضارة الغزاة متمثلة في قوة البطش والسلاح والتنكيل بالآخر؛ فإنهم متخلفون أشد التخلف في التعامل الإنساني وخالون من الرحمة والرأفة والقيم والمثل.
فالحضارة عمياء صماء، قد يسيء استخدامها الإنسان فيفقد إنسانيته؛ فيتردى في أسافل دركات التخلف والجهل والظلم والظلام، وقد يحسن استخدامها؛ فترتقي به، ويرتقي بها في أعلى مراتب الإنسانية فيعد بذلك إنسان بامتياز؛ مع التسامي الروحي، وتلك هي الثقافة.
كان للمسلمين عهد زاهر؛ تجسدت فيه حضارة لم يسبق لها مثيل،فعلى سبيل المثال : قصر الحمراء، وقصر الزهراء ومدينة الزهراء، ومسجد قرطبة، الذي حول فيما بعد إلى كنيسة لا تزال قائمة إلى اليوم، وجامعة قرطبة .. الخ، تمثلت حضارة للمسلمين في الأندلس لأكثر من ثمانمائة عام، أقامها المسلمون بعد الفتح الإسلامي المجيد، لأوروبا الذين كان أهلها يتغشاهم الجهل والهمجية والتخلف، ويعيشون عصوراً مظلمة. فكان الظلم والاستبداد من قبل الحكام للسكان؛ هو لغة التواصل بينهم، حيث سكن الأولون القصور والقلاع، واستمتعوا بخيرات البلاد، في حين لم يجد الفقراء والمساكين ملاجئ تأويهم وذويهم، بل كانوا يباعون ويشترون مع الأراضي !
ثم إن حال أولئك كان مزر، بحسب روايات بعض المسلمين الذين كانوا رحالة، وممن جابوا تلك المناطق فأوضحوا؛ أن الأوروبيين، الذين كانوا يعرفون بالواندال أو (Vandalism) قد جاؤوا من شمال اسكندنافيا من بلاد السويد والدنمارك والنرويج، فهجموا على الأندلس ودخلوها وعاشوا فيها .. وقد كانوا يتصفون بالوحشية؛ وكانوا يعيشون حقبا تاريخية مظلمة، كان التخلف روحها؛ ومن الصور التي تدل على ذلك؛ أنهم كانوا مهملين لنظافة أبدانهم فلا ينظفونها ولا يستحمون، بل كانوا يعتقدون أن الأوساخ والأدران التي تتراكم على أجسادهم؛ لها فضل في تحسين صحتها وصلاحها !
ومن ناحية أخرى؛ كان بعض أولئك يتخاطبون بالإشارة؛ حيث لم تكن لهم لغات يتواصلون بها مع بعضهم البعض، فساد الجهل والأمية والتخلف الحضاري إلى أن كان هناك بصيص من النور؛ في أوائل القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الميلاديين.
وكان أولئك الواندال يعتقدون اعتقادات جاهلية، لا تمت لأدنى معنى من معاني الحضارة أو لثقافة إنسانية؛ فقد كانوا يحرقون المتوفى عند موته، ثم يحرقون زوجته وهي حية، أو من كان يحبه من ذويه معه ! على مرآى من الناس؛ دون استهجان أو استنكار لثمة فعل شنيع !
وفي سنة (92هـ - 711م) في عصر الخلافة الأموية، في خلافة / الوليد بن عبدالملك رحمه الله، فتح المسلمون الأندلس؛ وفي فتحهم المبارك لها؛ إزالة لعقائد كفرية وشركية كان يعتنقها الناس هناك، فأنار الإسلام حياتهم وأبدلهم حضارة وعلما وإنسانية راقية؛ تمثلت في الكثير من جوانب التقدم العلمي والتقني، وفن المعمار والطب والفلك والهندسة الرياضية؛ والعيش في رحاب ثقافة إنسانية رفيعة، والتمتع بحضارة مثمرة راقية؛ دامت فترات من الزمن، حتى آذنت بالسقوط.
وبالعودة للسؤال الذي طرحناه حيال موقفنا من ثقافتنا التي نراها مع الأسف؛ تختفي أو تتغير ملامحها شيئاً فشيئا؛ ولا يقتصر الأمر على ذلك التغير فحسب؛ بل بذوبان هويتنا وامتزاجها بالهوية الغربية بما أنها هي المسيطرة؛ في ظل اكتساح العولمة التي تعد كموج جارف؛ قد لا يقف أمامه إلا جبل جليدي متماسك؛ لم يحن وقت ذوبانه.
وفي قول الله تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران : 165) ملمح عظيم يبصر الله تعالى به عباده ذوي الألباب والأفهام؛ إلى أننا نتحمل نتيجة الخذلان والتراجع الذي يصيبنا في أمورنا الخاصة والعامة، بسبب تركنا للأسباب والعمل بها، حيث كثيراً ما يكون لدى الإنسان الميل إلى تحميل الآخر أكبر جزء من المسؤولية، فنحن نحمل التقهقر والتراخي الذي أصاب أمتنا الإسلامية على عواتق الآخرين، وننسى أن العيب والسبب؛ هو نحن أنفسنا ! فنقول مثلاً : كيف لنا أن نواجه عصر العولمة التي اجتاحت تياراتها كل المنازل، حتى العقول ؟! متجاهلين أننا نستطيع أن نعود إلى ثقافتنا الإسلامية التي لم تمنع عنا كل ما ينهض بإسلامنا ورقي حياتنا، وتصبغ عليها صبغة حضارية روحية بالدرجة الأولى، ثم حضارة مادية معتدلة؛ تساعدنا على التنعم بخيرات العلم الذي نستخدمه، ولا يستخدمنا؛ لأننا نستطيع أن نطوعه لخدمة ديننا ودنيانا.
وحتى لا يكون ما نكتبه مجرد تباك على الماضي؛ كما أسلفت؛ فأضرب مثالاً قد يكون فيه استفادة من التقنية الحديثة؛ قد تضيف شيئاً للنهضة والحضارة الروحية التي تساعدنا على تحسين الصلة بالله تعالى؛ فبيوت الله تعالى دور للعبادة والاطمئنان النفسي؛ نهرع إليها لنتصل بالله تعالى، وننقطع من ملاذ الدنيا وزينتها وشهواتها، التي لا تنقضي، ولأن المصلين يحتاجون إلى الجو الروحاني في المساجد؛ من هدوء ونظافة عامة، بل وحتى كثير من المصلين؛ يحتاجون إلى تثقيف مستمر وفعال، للتعامل الصحيح مع المساجد ودور العبادة، فنقترح الآتي :
1- الاستفادة من التقنية الحديثة في توعية المصلين قبل دخولهم المسجد؛ بأن توضع (شاشات عرض الكترونية) على جدار مداخل المساجد؛ تكتب فيها آداب عامة؛ في الحرص على نظافة البدن من قبل المصلين؛ والحرص على مقتنيات المسجد من مصاحف وغيرها، على أن تكون تلك الآداب مكتوبة بلغات مختلفة من العربية والانجليزية والأوردية وغيرها.
2- تصمم صناديق خاصة تعمل بشكل تلقائي، فتفتح برقم سري مثلاً، لغرض وضع الأحذية وبعض الممتلكات فيها؛ بدلاً من تركها عند باب المسجد بشكل غير لائق، أو تجنبا لسرقتها.
3- التوعية المستمرة والمتواصلة من قبل أئمة المساجد والدعاة؛ على احترام بيوت الله والحرص على حضور الصلوات بنظافة تامة، تجنباً لأذية المصلين من الروائح الكريهة التي تنبعث من أجساد بعض المصلين؛ جراء عدم النظافة البدنية.
4- وكلاء الهاتف الجوال مطالبون بطلب شركات التصنيع، لأجهزة هواتف محمولة؛ بها تقويم هجري بالإضافة إلى خاصية تحويل الجوال إلى وضعية (صامت) تلقائياً بحسب مواعيد الصلاة، يتم برمجتها (مصنعياً) دون تدخل المستخدم، تفادياً للإزعاج الذي يصدره الهاتف من نغمات موسيقية أثناء الصلاة، ولما له من تشويش على المصلين، وتأثير على خشوعهم، وعدم تقدير واحترام لبيوت الله.
5- استحداث قنوات اعلامية متخصصة في توعية الناس بشكل عام؛ في كيفية التعامل مع بيوت الله، وآداب الصلاة فيها.
وكثير من الأمور التي نستطيع من خلال تطويع التقنية الحديثة؛ أن ترتقي بحياتنا وننعم بحضارة إنسانية إسلامية تميزنا عن بقية الناس، وتسطر لنا بصمة خاصة بنا؛ تترك أثرها لاجتذاب الآخرين للدين الإسلامي الحنيف.
وقد تعد تلك الاقتراحات من التعزيزات التي نحتاجها بشدة؛ للإبقاء على هويتنا كمسلمين معاصرين، نشجع على الاجتهاد النافع؛ الذي يخدم ديننا، بشكل عام ولا نتصدى للجديد، طالما أننا لا نملك أن نهرب ونعود إلى الوراء، ظناً منا أننا نستطيع أن نعيش بمعزل عن العالم - أو أننا نخلق زمناً كالزمن الذي كان فيه أنبياء الله تعالى، أو عصراً راشدياً آخر - كما أنه ليس بإمكاننا أن نهرب إلى الأمام، متجاهلين تراجعنا وتقهقرنا الذي كثيراً ما يدفعنا نحو الذوبان في آنية الغرب، والارتماء في حضارته المادية الزائفة؛ التي ليس لها في النهاية إلا كما للريشة عندما تكون في مهب الريح.
فالحضارة الخالية من ثقافة تقيمها وتقومها؛ هي معول هدم لا أداة بناء وتحضر حقيقي؛ لأنها أشبه بجسم ينمو بشكل متسارع إلى حد الانفجار؛ إن لم يكن هناك تقنين لعملية النمو؛ فالله تعالى قدر للإنسان أن ينمو إلى حد معين، ولو أنه تعالى قدر له أن ينمو على الدوام وبلا توقف ؛ لما استطاع كوكب أو كون أن يحتويه !
فالحضارة منطلقة، والثقافة هي القائد الحكيم، الذي يوجهها؛ ويعيدها إلى مسارها الصحيح كلما انحرفت عن جادة الصواب، وقد ذكرت في موضوع سابق؛ أن الانطلاق الذي لا يتحكم فيه توجيه عاقل؛ قد يتسبب في ارتطام مدمر.
والارتطام المهلك؛ كثيراً ما يتبدى لنا من خلال ما نراه في حياة الحرية المشئومة والتفلت الذي يعيشه الغرب، من خلال صور الاباحية الجنسية والشذوذ، والجرائم بأنواعها، والمخدرات، والانهزام النفسي الداخلي، فنرى حالات الانتحار والتخلص من النفس حاضرة على الدوام؛ لأن الحضارة المنطلقة هناك، لم تلق توجيها حكيماً يحول دون وقوع المجتمع في وحول الفساد والرذائل.
غير أنه يمكن لنا أن نتدارك أنفسنا بالنظرة الواعية والمتأنية في أوضاع أمتنا الإسلامية ثم الاعتراف بالقصور بكل شجاعة، والعيش على أرض الواقع، وبالفهم الصحيح له .. والله هو ولي الأمر والتدبير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثقافة التشييىء والاستعمال أو التسليع؛ تأتي من مفهوم تعزيز التعامل المادي الصرف للأشياء بما في ذلك الإنسان مع إغفال أو إهمال الجانب الروحي والانساني له، فتكون المصلحة هي القاسم المشترك في مجمل الأمر.
أمريكا والإبادة الثقافية ـ منير العكش.
وسائل التقنية الحديثة وتأثيرها على الخشوع في الصلاة، رسالة دكتوراه، د. أكرم محمد صالح مليباري.
قصة الأندلس من الفتح إلى السقوط، ج1، د. راغب السرجاني.

 0  0  4347
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:32 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.