• ×

05:54 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ أحمد الله تعالى وأشكره، وأصلي وأسلم على صفي خلقه الصادق الأمين وآله وصحبه إلى يوم الدين.
العلم نور يهتدى به؛ وصاحب العلم له ميزة ترفعه على غيره، ومن ذلك أن العالم والجاهل لا يستويان والله تعالى يقول : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر : 9).
ولكن هل يفهم من ذلك أن العلم إنما يكون بكثرة الحفظ والرواية والكتابة والتأليف ؟
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : (ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية) أي أن العلم ليس بكثرة الاستظهار والتدوين - وإن كان التدوين لتجنب النسيان ولغرض المراجعة - ولكن المقصود هنا بالكم الذي يقوم المرء بتكديسه من العلوم والكتابة والتأليف؛ من غير أن يكون الغرض الأسمى من ذلك هو التقرب إلى الله تعالى وابتغاء رضوانه، ونفع خلقه ونشر العلم النافع الذي يعين على أمور الدين والدنيا.
وخشية الله عز وجل هي هدف عظيم يتوصل إليه من خلال المعرفة والعلم؛ وإذا تطرقنا لبعض الأفكار التي تتبناها فلسفة مثل الفلسفة البرجماتية (يمكن أن نطلق عليها النفعية) فقد نرى أنها تؤمن بالنفعية الصرفة، التي تهدف إلى تحقيق غرض منشود ومنفعة مادية بحتة موقوتة، لا يكون من ورائها أبعد من ذلك، أي أنها لا تقيم لميزان الأخلاق وميزان تقوى الله تعالى أو الذوق العام مثلاً، أي جانب، ويفهم من ذلك أن المعرفة في مدرسة البرجماتية قد تقود إلى التوصل إلى أفكار أو إبداعات قد تخدم مصالح وأهواء أو شهوات؛ قد تتعارض مع الأخلاق أو تعزز روح الأنانية؛ لأنها أولاً وأخيراً تقوم ركائزها على التجربة والخبرة التي يحصل من خلالهما الإنسان على ما يريد، فإذا كان ذلك؛ سجل في قائمة الانجازات بكل فخر واعتزاز، لطالما أنها تؤمن بالمحسوس ولا تضع أي قيمة للمعنويات مثل القيم والأخلاق والمبادئ الرفيعة.
غير أن المنفعة في الإسلام إنما تكون للعموم بما يحقق المصالح والحاجات التي لا تتعارض مع المبادئ والقيم الإسلامية، ولا تكون هناك مصلحة تقوم على جر مفسدة، أو مصلحة دنيوية لا يصاحبها تقوى الله ومخافته، وبغية مرضاته، ولا تكون كذلك مصلحة للمسلمين بجلب مضرة لغير المسلمين، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاضرار بشكل عام؛ حيث قال : (لا ضرر ولا ضرار) ولطالما أن هناك مصالح تتصادم مع سنن الله تعالى في الأرض، وتتعارض مع قوانين الدين الأخلاق والذوق الإنساني؛ فإن التربية الإسلامية تمجها وتحذر منها، كما حرص النبي صلوات الله وسلامه عليه ببيان كل ما من شأنه الخدش بحياء المؤمن، فقد مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله : دعه فإن الحياء من الإيمان؛ أي دع ذلك الخلق فإنه ليس من الحياء الذي يفضي إلى الإيمان.

■ عسر فهم !
هناك جوقة من الكتاب كثيراً ما يحيدون عن الفكرة الأساسية التي يريدون أن يوصلوها للقارئ؛ والمتأمل في كتابات بعضهم يجد كثيراً من المبالغات أو الانتقاص لمن يكتبون عنهم، أو في وصفهم للأشياء التي يتحدثون عنها، فهذا كاتب يصف شخصاً بأنه لا مثيل له بين الرجال؛ فتجده يسطر صفات ومزايا توحي بأن موصوفه لا صنو له ! وربما يكون شخصاً عادياً، قد لا تتوفر فيه نصف الصفات والسجايا التي قالها فيه صاحبنا !
وكاتب آخر ينبري بالتسفيه والتحقير لشخص أو أشخاص؛ فلا يترك كلمة انتقاص أو قدح أو نقد لاذع، إلا وقد ألصقها في موضوعه، وكأن لسان حاله يقول : لا أحد أفضل مني !
والجدير بالذكر في هذه النقطة؛ أن هناك الكثير من الناس يعاني من ضبابية أو عدم وضوح لبعض المفاهيم والمصطلحات؛ من ذلك أن البعض لا يدرك الفرق بين النقد الهادف، والنقد لمجرد النقد والثلب وإبراز المعائب والنقص أو الهفوات والزلات التي يقع فيها الآخرون، والإنسان ليس له الوصول إلى الكمال، مهما بلغ من براعة وتقانة؛ ولذلك فلا يلام بعد اجتهاد وبذل مع الأخذ بالأسباب.
وشرف الخصومة يحتم على المرء أن يحترم الآخر الذي تخاصم معه، مهما كانت منزلته، ولو لم يكن يدين بدين الإسلام، إلا إذا اعتدى على الدين أو تعرض للمسلمين بأذى، أما ما كان من اختلاف في آراء ورؤى؛ فتبقى هناك حدود يحترمها جميع الأطراف ولا يقربوها؛ في حال التضاد.
وكاتب آخر يكيل بمعلومات من شتى المصادر - وقد لا يعني بالضرورة أن تكون دقيقة وصحيحة، فلربما تكون مجرد معلومات باتت من بقايا التاريخ - فتجده يضعها بشكل غير مرتب، مما يسبب للقارئ نوعاً من الارتباك !
وأذكر أني في إحدى المرات كنت أقرأ مقالاً في إحدى الصحف العربية الالكترونية، وعندما انتهيت من قراءة ذلك المقال شعرت بضيق لعدم فهم الفكرة الأساسية، وقد كانت هناك بعض التعليقات التي سردها بعض القراء، على ذلك المقال، فترائى لي أن أناقش الكاتب عن بعض النقاط التي وجدتها مبهمة وغير واضحة بالنسبة لي، فكتبت تعليقاً مفاده أن الكاتب قد استخدم عدة رموز غير ذي صلة واضحة ومباشرة بموضوعه الذي كتبه؛ مما يوحي بعدم ترابط الموضوع، وضياع الفكرة الأساسية، فكتب رداً على ما قلته، يوضح فيه فكرته من المقال؛ فوجدت أن الفكرة كانت بعيدة عن كل الوصف والتحليل والرموز التي ساقها ! ولو أنه اكتفى برمز أو رمزين ليدلل بهما على فكرته؛ لكان أيسر وأقرب لفهم القارئ.
هناك من يكتب بشكل يومي، في عمود محدد؛ مما قد يجعل الكتابة أشبه بواجب ثقيل غير محبب، أو أن المواضيع التي تنشر في ذلك العمود، قد لا تكون من ضمن اهتمامات كاتبها !
فلا يستوي الكاتب الذي يحمل هم الأمة، فيتفاعل مع ما يكتبه قلباً وقالباً، ويجد ذلك من يقرأ بين سطور كتاباته، فيلمس همومه وجراحاته، ويشعر بمعاناته، والكاتب الذي يكتب لمجرد أنه يتقاضى أجراً على كتابته، أو الكاتب الذي يبتغي شهرة أو مجداً، بامتطائه أولى صفحات الصحف أو المجلات، أو حتى بتأليف الكتب.
نحن معاشر من يكتب لا بد أن نحترم عقول من يقرأ ما نكتبه؛ و إنه من الاستخفاف بالناس أن نكتب عن كل شيء، أو أي شيء؛ لأن في ذلك تعد على أصحاب التخصص، وخوض فيما ليس لنا به علم كاف وواف، وإن من الأمانة أن ننقل الحقيقة كما هي، وليس كما نحن نريد، وكما قيل : إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالبينة.

■ الذوبان في الآخر .
لا يكاد يكون هناك شخص يخلو من إعجاب بشخص، أو لديه اكنان له بمحبة أو تقدير؛ فنجده متأثرا بآرائه مثلاً أو أقواله أو بعض توجهاته، وقد يقلده في بعض الأساليب أو الأفكار، ولا بأس في ذلك إن كان من أهل الخير والصلاح، فتكون القدوة هنا قدوة حسنة، ولا يخفى أن القدوة المثلى لنا هو النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن مأمورون باتباع ما أمر به وتقليده في كل ما جاء في سنته، واجتناب ما نهى عنه؛ لأن ذلك يفضي إلى محبة الله تعالى ورضوانه.
قال تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران : 31).
ونجد في بعض الأحيان أن التقليد قد أخذ طابعاً يوحي بذوبان المقلد (بكسر اللام) في شخصية المقلد (بفتح اللام) في أسلوب من أساليب الحياة، وأضرب على ذلك مثالاً : تمر بأحد الشوارع فتجد محلاً تجارياً يبيع سلعة معينة، ولتكن (اللحم) مثلاً، ثم تغيب عن ذلك الشارع مدة من الزمن، ثم يقدر لك أن تمر بنفس الشارع؛ فتجد ربما عشرة من المحال التجارية قد فتحت، ولكنك تتفاجىء بأن تجد جميع أصحابها قد اختاروا أن يبيعوا نفس السلعة، أي اللحم !
ونحن هنا لا نهدف إلى التقليل من شأن المنافسة الشريفة، إن كان الغرض من ذلك هو المنافسة، فالمنافسة الشريفة التي يبادر صاحبها إلى الكسب المشروع، بالطرق المشروعة؛ بدون الإضرار الذي تطرقنا إليه في بداية هذا المقال؛ مباح و مشروع، ولكن أن نجد العشرات من الأشخاص أو الأعمال كلها قد ذاب في نفس المجال، بدون أي إضافة جديدة، أو استغلال لهامش شاغر جديد؛ كمحلات بيع اللحم تلك؛ فأعتقد أنه ذوبان بائس في الآخر، يسبب الحيرة وصعوبة في الاختيار، لمن أراد أن يشتري، ويدل على الخلو من الابتكار أو الابداع والتجديد.
وأشبه تلك النقطة، بالطالب الذي لا يدري أي تخصص يختار، فذهب إلى تخصص قد اختاره أكبر عدد من الطلاب؛ ظاناً أنه هو الأنسب له بكل المقاييس ! وحين يختار الكثير من الناس اختياراً معيناً، لا يعني أن ذلك هو الصواب، إذ ليست العبرة بالكثرة في كل شيء، يقول الله تعالى لنبيه الكريم : (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام : 116).

■ شرنقة استحكمت أجزائها على صاحبها .
بعض الناس يميل إلى العزلة التامة عن المجتمع؛ وقد يكون ذلك لعدة أسباب نوجز بعضاً منها في هذه المقاربة :
وقبل الحديث عن العزلة عن الناس بشكل كامل؛ أود التنويه إلى أن الانسان يحتاج من وقت لآخر، إلى شيء من العزلة ليختلي بنفسه؛ كنوع من الاستجمام والهرب من ضغوطات الحياة ومشاكلها، أو للعبادة ومناجاة الله تعالى، أما العزلة عن الناس بشكل كامل؛ هو غير محبذ، ولذلك أقول :
1- التجارب الفاشلة التي يمر بها من قدر له الفشل في حياته، وأخفق أكثر من مرة، قد تجعله يشعر بالإحباط وعدم تقدير الذات.
2- الاعتداد بالنفس وعدم الرغبة في تقبل الآخر، أو رفضه مع الاعتقاد بأنه - أي الآخر - أقل من أن يعتد بقوله، أو يؤخذ برأيه، ويمكن أن يكون ذلك من باب الغرور والاعجاب المفرط بالنفس.
3- وهذه النقطة هي عكس سابقتها؛ أي عدم الثقة بالنفس، والاعتقاد بأنه - أي المنعزل - أقل من أن يخالط الناس؛ لأنه لا يرى في نفسه الشخص الكفء لثمة مهمة.
4- وقد يكون تفضيل العزلة لمجرد العزلة، أو لسبب غير مبرر؛ كمن يقول : (سلام أيها الجار، أنت في دار ! وأنا في دار !) أي كل منا يلتزم بحدود داره، ولا يتعرض لجاره بأي أذى، أو نوع من صلة وما إلى ذلك، وذلك بالطبع خلاف للهدي النبوي الذي أكد على المواصلة والاحسان إلى الجوار والجار، والصبر على أذاه.
5- البعض يفضل العزلة التامة عن الناس؛ هرباً من بعض الالتزامات الاجتماعية التي ترهق كاهله، كمن ينعزل عن أصدقائه أو زملائه، لعدم الرغبة في الالتزام بدفع مبالغ مالية لإقامة الولائم والمناسبات المكلفة، أو شراء الهدايا باهظة الثمن وما إلى ذلك.
وليس للمبالغة فإن كثيراً من العادات والتقاليد الاجتماعية في أكثر المجتمعات العربية، ومن باب الكرم وحسن الضيافة وكرم الوفادة؛ تسبب الكثير من الضغوط لتحمل أعباء تتجاوز الطاقة والوسع؛ فذاك موظف مستور الحال، يتكلف وجبة عشاء قد تتجاوز نصف مرتبه الشهري لضيف واحد؛ لإثبات القيام بواجب التكريم له، وربما لا يأكل ذلك الضيف إلا لقيمات، ثم يذهب باقي الطعام حيث يعلم الله ! غير أن وجبة عشاء معتدلة ومعقولة التكاليف؛ قد تؤدي الغرض وزيادة، ولا تعد ضمن إسراف وتبذير.

■ وبالعودة إلى النقاط السابقة، يمكننا التعليق على كل واحدة على حدة .
أ- من الصعب أن نقنع شخصاً عانى من إخفاقات متتالية؛ في أن يبدأ حياة جديدة بالتفاؤل والخوض من جديد في تجارب الحياة المختلفة؛ لا سيما إذا اختار بنفسه أن ينعزل عن الناس، ولكن يمكن أن نبادر بمناصحته، وببيان أن العزلة لا تزيد حاله إلا صعوبة وتعقيداً؛ لأن المنعزل الذي يشعر بالفشل، كثيراً ما يعيش في استعراض متتال لإخفاقاته وهواجس نفسه الأليمة؛ مما يقلل من فرص خروجه من تلك التي أطلق عليها (شرنقة) ومواجهة المجتمع من جديد.
ب- الاعتداد بالنفس وعدم تقبل الآخر، أشبهه بمن ارتدى نوعاً من الملابس، واختار ألا ينزعها طوال حياته فكيف سيكون حاله ؟! وأنا أقول ذلك لأنني مؤمن بأن الإنسان لا يستطيع العيش بمعزل عن أخيه الإنسان ولا يمكنه الاستغناء عن المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن الكثير من الدراسات والنظريات؛ أثبت أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وذلك مفروغ منه، وإلا سوف يؤول به الحال إلى الانكماش والتحلل إلى الأبد. فالرأي الواحد كثيراً ما يكون قاصراً وناقصاً، أما الآراء المتعددة؛ فيمكن غربلتها واختيار الأصلح منها والأنسب.
ج- وكما تحدثنا عن الثقة المفرطة بالنفس؛ فالحديث هنا عن فقدانها؛ إذ إن من فقدان الثقة بالنفس هو أشبه ما يكون في نفس النتيجة التي تحدثنا عنها في الفقرة (أ) من مقابلة الفشل وعدم القدرة على مواجهة الناس، والرهبة من المواقف التي يمكن أن تضع المرء في إحراجات وما شابه؛ مما لا يزيد الأمر إلا سوءاً، وعلى أية حال فالعزلة عن الناس وعدم مخالطتهم والصبر على أذاهم، أو مخالطتهم وعدم الصبر على أذاهم؛ من الأمور غير المحببة في الإسلام فقد أبان ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : (المؤمن أو المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير أو أفضل من المؤمن الذي يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).
ومن أحد الأسباب التي تجعل المرء ضيق الأفق، ولا يتمتع بمرونة في التفكير؛ هي الانعزال عن الناس وعدم التواصل معهم، فالمنعزل يحرم نفسه من المشاركة والمدافعة مع الآخرين؛ والتي لها شأن عظيم في توسيع المدارك، وتنويع الثقافات، وصقل الأفكار وإنضاجها، والتعرف على المستجدات على مختلف الصعد والمجالات، فهو يعيش في قمقم يجرده من إنسانيته شيئاً فشيئاً؛ إلى أن يجد نفسه عليلاً.

■ الإنسان والتربية والأرض .
عندما نال الإنسان شرف التكريم من لدن الخالق تبارك وتعالى، وبعد أن أمر ملائكته للسجود له تكريماً؛ ظل الانسان مخلوقاً له مكانة تميزه عن بقية المخلوقات، ومن ذلك؛ أن جعل فترة حضانته أطول من بقية المخلوقات الأخرى؛ والمتتبع لحياة بعض الطيور وبعض الحيوانات يجد أن الجنين بعد ولادته بقليل؛ ينهض وقد استجمع قواه وبدأ يبحث في الأرض عن غذائه، ثم سرعان ما يمارس حياته الفطرية والغريزية، دونما تعليم أو تدريب، وبمعنى آخر؛ إن الحيوان يولد مجبول على الحياة والعيش بدون تربية من أمه، أو تدريب، وإن كان هناك بعض الحماية من الأم؛ إلا أنه سرعان مايستقل بحياته ثم يغادر أمه وكأن شيئاً لم يكن !
أما الإنسان صاحب الحضارات والاختراعات والعلوم، وكذلك الحروب أو الابادات ضد أخيه الإنسان، وضد الحرث والنسل؛ فإنه يولد ضعيفاً هزيلاً لا يملك لنفسه نفعاً، فضلاً عن أن يدفع عن نفسه ضراً، فهو يحتاج إلى من يوليه رعاية وتربية كاملتين، حتى ينمو طبيعياً، لأنه حامل رسالة الإنسانية التي خصه الله تعالى بها، وكلفه بحمل الأمانة العظيمة، بعد أن تبرأت منها السماوات والأرض والجبال.
والإنسانية تلك التي تقوم على ركائز أولها هذا الإنسان والتربية التي يحتاجها، ثم الأرض التي يحيا على ظهرها؛ لا تتحقق إلا بمبادىء عظمى أولها؛ عبادة الله تعالى وحده، والتبرؤ من كل ما من شأنه الإشراك بالله، ثم إقامة العدل على الأرض للعباد والبلاد، والدعوة إلى دين التوحيد خالصاً لله تعالى، وتحقيق الإنسانية والرقي بها، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد : 25).
والإنسانية لا تتحقق إلا باحترام الإنسان وإعطائه مكانته وحقوقه، وحريته التي تمنحه أن يعيش كإنسان له كيانه وذاته، وله حرية الاختيار، من غير تقييد وحصر؛ وفي أطر تحددها التربية الإسلامية، والله تعالى لم يأمر أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بإكراه الناس وإجبارهم على الدخول في الإسلام (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة : 256) وقال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس : 99).
ولو كان الدخول في الاسلام بالإكراه؛ لكان كثير من الناس قد آمنوا من غير رغبة واقتناع، وذلك ما لا يرتضيه رب العباد، ولا نبي من أنبيائه، فالقناعة العقلية والنفسية بوجود الخالق، وقدرته وإرادته، ومن ثم عبادته وحده؛ هي من مقتضيات التربية الإسلامية ونحن نقول هنا التربية الإسلامية؛ لأن هناك تربية غير إسلامية لا تحقق تلك القناعة العقلية والنفسية، بل تجعل ذلك الانسان عبداً للطبيعة أو للشهوات والأهواء.
وما يجري في العالم اليوم من جرائم وانتهاكات صارخة؛ هو وأد للإنسانية جمعاء، واعتداء على مخلوق قد كرمه خالقه، وميزه من بين الخلائق، فهو ليس جريمة واحدة بل جريمتان؛ الأولى ضد إرادة إلهية اقتضت خلق هذا الإنسان من لدن إله عظيم، لا راد لقضائه وهو سبحانه يفعل ما يشاء، وليس لكائن من كان أن يسأله عما يفعل، أو يعترض عليه في فعل أو قول، والجريمة الثانية؛ إزهاق لنفس زكية من غير حق يبيح ذلك القتل، ويشرع له.
وفي عمليات الإبادة والتصفية الشاملة التي يمارسها أعداء الإنسانية هو ليس فقط قتل للبشر؛ بل قتل لجميع ركائز الإنسانية من تربية وحضارة وأرض، وتحطيم للوعاء الذي يحوي كل ما يتعلق بثقافة الانسان وحرياته وحضاراته وتطلعاته وعقله، يقول مالك بن نبي رحمه الله وهو من أعلام الفكر الإسلامي في القرن العشرين : ليس من التطرف من شيء القول بصفة عامة : إن الحضارة تنتهي عندما نفقد من شعورها الإنسان.
فالتربية القاصرة التي لا تمنح الإنسان ما يحتاجه من احتواء واحتضان، منذ نعومة الأظفار، إلى سن الرشد؛ هي نوع من قتل للإنسانية؛ لأنها قصرت في توجيهه وتنشئته في وقت هو في أشد الحاجة إليها، فتخلت عنه.
والأرض التي يقيم عليها البشر ومن تولوا أمر الإنسان؛ إذا لم يراعوا ويرعوا ذلك الإنسان الذي يحيا عليها؛ ولم يعطوه الأمن، ولم يوفروا له حياة كريمة تعينه على واجبات العبادة، والعيش الكريم لإعداد أجيال مؤمنة تؤدي واجبات الاستخلاف في الأرض، كما قضى الله تعالى ذلك؛ وأوكل تلك المهمة لبني الإنسان؛ هم يقتلون أسمى معاني الإنسانية، وينزعونها من جذورها.
وإذا سلبت حقوق ذلك الإنسان وحرياته واعتدي عليه وأنهي؛ فستكون الإنسانية مجرد كلمة يتغنى بها في المجالس والمحافل .. قال الله تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الأسراء : 70) الله تعالى ولي الأمر والتدبير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيح الجامع، ص7517.
مسند الطيالسي، ج1، ص256.
روضة العقلاء لابن حبان.
فتح الباري، ج1، ص74.
دراسة ناقدة للفلسفة البرجماتية في ضوء المعايير الاسلامية، رسالة ماجستير لمحمد خضر عوض شبير، الجامعة الإسلامية بغزة، لعام 1431هـ - 2010م.

 0  0  2536
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:54 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.