• ×

08:25 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ انصب اهتمام علماء النفس بفهم قابليات الطفل الإبداعية والمساعدة على تنميتها بل هم حقيقة تجاوزا ذلك إلى الأهتمام بالقدرات الإبداعية لدى الراشدين واقترحوا طرائق عدة لتعليم الأطفال والمراهقين والراشدين كيفية التفكير بطرق أكثر إبداعاً.
ويُعد النصف الأول من القرن العشرين هو الزمان الذى درس فيه الذكاء وبحثت طبيعته ووضعت اسسه أما النصف الثانى من نفس القرن يُعد الزمان الذى درس فيه الإبداع والمبدعون فرسمت صيغة الإبداع وصيغت أسسه فوضعت الدراسات وكثر الكلام على تربية المبدعين. على كل الأحوال لسنا بحاجة للبحث بتلك الأبحاث والدراسات التي طالت ذات الموضوع أو عن تلك العلاقة الطبيعية بين الذكاء والإبداع كون هذا الموضوع يتناوله كل مختص أراد الشرح المفصل عن الإبداع بكل جوانبه لذلك نكتفى برسم الخطوط العريضة التي تهم العامة بحيث يمتلك من خلال هذه السطور فكرة عامة عن الإبداع وما له وما عليه.
مقدمة كان لا بد منها لارتباطها الوثيق بما سنتناول بهذه السطور، فنقول أن كل مبدع ذكى وليس كل ذكى مبدعاً بالضرورة على اعتبار أن الذكاء هو الشرط الأساس من شروط الإبداع لذلك فالذكاء بحد ذاته غير كاف للإبداع وهناك علماء كثر تناولوا الإبداع من كافة الزوايا وتحديداً طبيعة الإبداع فيرى (تورانس) أنه منذ الولادة يبدو بعض الأطفال أكثر إبداعاً من البعض الآخر فتجدهم نشيطون وفعْالون وكذلك نلمح فيهم ملاحظة الأشياء المحيطة بهم لذلك تراهم يستجيبون لكل صوت أو صورة أو حتى للرائحة ونلمح فيهم أيضاً أنهم يتعلمون وبسرعة فائقة كيف ينقلون طلباتهم وحاجاتهم إلى من حولهم وكيف يفسرون سلوك هؤلاء الذين يحيطون بهم فتراهم يتفحصون كل الأشياء وما أن يبدأوا بالحبو حتى يحشروا انفسهم في كل أمر لذلك ندعوهم بالفضولييون.
والعجيب أن هذه الفروق الفردية في الإبداع تمحى بواسطة الطريقة التي يلجأ إليها الأهل في مواجهتهم لهذا الفضول وتلك القدرة الإبداعية وبطبيعة الحال فأن الأمر - اقصد مواجهة القدرة الإبداعية - لا يقتصر على الأهل فحسب بل يتجاوزهم بحيث تطال كل ما هو محيط بالطفل ويلعب دوراً فى حياته والملاحظ أيها السادة أنه كلما تقدم العمر بالطفل فأن الفروق الفردية التي يمكن ملاحظتها بينه وبين سواه من الأطفال وتحديداً فيما يخص الإبداع تبدو وكأنها عائدة بمجملها إلى الخبرة وليس إلى الوراثة. وهذا النشاط الملحوظ لدى الأطفال في صغرهم أمراً يزعج الراشدين من المحيط ويتعبهم وبالتالى فهم لا يشجعون مثل هذه النشاطات والفعاليات ولا نبالغ في قولنا أن الطفل النشيط يعاقب على سلوكه أكثر من الطفل الطيع الوديع .. ولذلك قال (كاتينا) أنه لو كان السلوك الإبداعى مرتبطاً بالعامل الوراثى فلما استطاع الأهل والمعلمين فعل الشىء الكثير لزيادته وتنميته فالحقائق تدل على خطأ هذا الاعتقاد كما تدل على أن كيفية معاملة السلوك الإبداعى للطفل من قبل ذويه وغبرهم ممن يحيطون به هي أكثر أهمية.

■ ولقد اجمع العلماء الذين بحثوا في الإبداع واسسه واهمهم (تورنس) و (غيلفورد) و (كاتينا) أن قدرات التفكير المبدع الأربع هي :
● الأولى : الطلاقة. وهى القدرة على انتاج العديد من الأفكار فيما يخص مهمة ما وهنا كلما ازداد عدد الأفكار المعطاة ارتفع مستوى الإنسان في الطلاقة.
● الثانية : المرونة. وهى القدرة على انتاج الأفكار التي تظهر تحرك الإنسان من مستوى تفكير إلى آخر أو نقلاته التفكيرية بالنسبة إلى مهمة معينة والواضح أن الأفكار التي تكرر الأعمال ذاتها لا تظهر مثل هذه النقلات التفكيرية.
● الثالثة : التوسع. وهى القدرة على اضافة التفاصيل إلى فكرة اساسية ثم إنتاحها.
● الرابعة : الأصالة. وهى القدرة على إنتاج أفكار غير عادية ولا يستطيع انتاجها الكثيرون من الناس وهي أفكار بعيدة وذكية.

ولقد جاء (تورانس) ومساعديه فأضاف قدرات جديدة علاوة على القدرات الأربع التي ذكرناها سابقاً ألا وهي :
القدرة على التحليل والتجريد والقدرة على الأغلاق أي القدرة على تأجيل اكمال مهمة ما إلى وقت يسمح بانتاج الأفكار الأصيلة، ولقد ميز علماء النفس بين نوعين من التفكير هما :
● الأول : التفكير المطابق. وهو التفكير وفق الطرق العادية المألوفة المعروفة لدينا.
● الثانى : التفكير المجانف. وهو التفكير وفق الطرق غير المألوفة ولا المكررة - التي يعرفها العامة -.
وبناءا على ذلك يقسم بني البشر الأصحاء إلى قسمين اساسيين هما المفكرون تفكيراً مطابقاً والمفكرون تفكيراً مجانفاً وعليه فأن المبدعين الأصليين هم ذوو التفكير المجانف .
والسائد أيها السادة أن التفكير المطابق هو ما يشجعه المربون غير الواعين من أباء وأمهات ومعلمين وسواهم وهذا بالتالي يقتل في الطفل القدرات الإبداعية ويجعله بالتالي إنساناً عادياً غير مبتكر ولا مبدع فهو الذى لا يغاير ولا يثور وهو في التالي في نظرهم طفل (مثالى) وهو الجدير بالنجاح والتقدم.
والثابت أن التفكير المجانف هو التفكير الذى يقود إلى الأبتكار والإبداع والأختراع ولذلك فأن علماء النفس والتربية في أيامنا هذه يشجعون هذا النوع من التفكير ويوجدون الوسائل والطرق التى تعين على استغلال هذا النوع من التفكير.
ونحن بهذا الصدد لا بد من الإشارة الى ما قام به (غيلفورد) ويُعد من الأمور الهامة المتعلقة بذات الموضوع الا وهو توجيه اهتمام علماء النفس لا إلى الطرق المختلفة التى تظهر ذكاء الإنسان وإبداعه فحسب وإنما إضافة إلى ذلك إلى التفكير الذى يستطيع أن يقود إلى العديد من البدائل المختلفة الموصلة حكماً إلى الأجوبة عن التساؤلات وحلول المشكلات وبالتالى إلى الإبداع، ومن المؤكد أن هذه القدرة متصلة اتصالاً وثيقاً بالتفكير المجانف والقدرة على التحويل والتركيب وإعادة التعريف.
ويمكن أن يكون كل إنسان منا مبدعاً فى مجال أو مجالات بعينها ولكن يبقى أن تعنى التربية والمربون باظهار قدرات الإنسان وأن تشجعها وتفتحها بمعنى إرشادهم إلى الطرق الصحيحة التى من خلالها يبرز إبداعهم ونهيىء لها الفرص المناسبة واللازمة والظروف الملائمة وعندها يقدم الفرد إبداعه وابتكاراته لمجتمعه وخاصة أن الأمم تتنافس فى أيامنا هذه فى عدد المبدعين فى كل منها ونوعهم وقدرتهم على العطاء والإبداع فى شتى صنوف المعرفة.

■ معوقات الابداع فى عالمنا العربى.
واقع الحال يقول أن الأمم المتقدمة وعلى مر الأزمان والعصور تختار المبدعين من أبناء جلدتها فى كل مناحى الإبداع وتكفلهم وتذلل لهم كافة المصاعب لحثهم على الابتكار والإبداع وزيادة نشاطهم لأبعد مدى ولا تألوا جهداً فى الإنعام عليهم بالغالى والنفيس وبكافة صور التكريم المادى منه والأدبى حتى تنفسح أمامهم أفاق الإبداع والانطلاق فى شتى صنوف الفكر والمعرفة والثقافة بابوابها وعليه لا يعد خروجاً عن المألوف أن نكتب فى هذا المجال وضمن هذا السياق بحثاً نتناول فيه معوقات الإبداع فى وطننا العربى وأن نوضح كافة الوسائل والأساليب التى تكفل إزالة أو تذليل هذه المعوقات على الأقل وذلك بقصد تحقيق الهدف المنشود الا وهو التطور والتقدم التى تسعى اليه أمم الأرض كافة.
بطبيعة الحال أن المناخ والبيئة الصحية للإبداع لا تتوفر بتعديل الظروف الراهنة الماثلة وعلى كافة الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .. الخ فهذه على الرغم من أهميتها يوجد ما يعلو عليها فى الأهمية نذكر منها عوامل التنشئة الاجتماعية الأولى لأطفالنا وشبابنا ضمن إطار الرؤية المستقبلية للمجتمع من طرق ملائمة للتربية والتعليم وتحليل القيم والاتجاهات الاجتماعية حتى يتبين منها مدى الدفع أو الاعاقة لنمو الإبداع بين أفراد المجتمع.
على كل الأحوال لن تستطيع هذه السطور أن تستوعب الأعداد الكثيرة والهائلة للمبدعين فى الثقافة بشتى صنوفها وفروعها فى أقطار وطننا العربى من المحيط إلى الخليج فهناك مئات بل ألوف منهم يغزون ميادين المقالة والشعر والقصة والنقد والرسم .. الخ وفى ميادين كثيرة بشتى صنوف الثقافة والمعرفة ولكن هذا النتاج الإبداعى يتراجع بين مختلف الأقطار على اعتبار أن فى بعضها ما زال هشاً لم يشتد عوده ولم تضرب جذوره فى عمق الأرض وقد يكون فى البعض الآخر متدثراً بالرمز فى فنون القول خاصة وربما استغرقته الرمزية الغامضة حتى أوصلته إلى الطلاسم المستعصية على الفهم فى أقطار ثالثة وقد يقصر كل ذلك عن الوقوف على قدم المساواة مع الإبداع الجيد من الأدباء والفنانين فى أقطار عربية أخرى.
وكما هو معروف فى دراسات الإبداع فان التصورات الجديدة قد قاربت الشقة بين المبدعين فى سائر البشر واوضحت أن الفوارق بينهم سواء، سواء تعلقت بالكم أو بالكيف، إنما تخضع حكما لتباين ظروف البيئة والمستوى الثقافى والعلمى للشعوب وأن جميع هذه العوامل الاجتماعية والبيئية تمثل مؤثراً فى الإبداع إما بدفعه وانطلاقه وإما بتعطيله وانكفائه.
ولا بد من الإشارة إلى نقطة غاية فى الأهمية فى هذا المجال الا وهى ظاهرة الانتشار النسبى لبعض الأشكال الإبداعية الثقافية شابتها وخالطتها فى جل الأقطار العربية ظاهرة غاية فى الخطورة وهى دون أدنى شك ظاهرة مرضية خطيرة لا ينبغى أن نغض الطرف عنها الا وهى ظاهرة استئجار الطاقات الإبداعية وخصوصاً فى التأليف العلمى أو مجالات فنون الكتابة الأخرى فلا شك أن هذه الظاهرة ستترك ندوباً على صفحة تاريخنا الثقافى العربى وهى بلا شك مؤشر إدانة لإبداعنا المعاصر فى ميدان الفكر.
ومن المؤكد أن ممارسة الإبداع الثقافى حق لا يمكن لأى دارس موضوعى محايد أن يسلبه من أى شعب أو منطقة جغرافية والقدر الثابت أن من طبيعة كل مجتمع افراز طاقات مبدعة من أبنائه تتشكل فى كمها ونوعها على استواء تطوره الحضارى والثقافى إلا أنه يجب القول بمراعاة التدرج والانضاج فلا يتوقع من هذه الطاقات الإبداعية أن تحرق المراحل وتطوى الزمن لاهثة متعجلة لتعوض فيما بين عشية وضحاها سنوات التخلف المثقلة بالفاقة والجهل.
ومن المتعارف عليه أن الإبداع الثقافي ليس هدفاً بداته وإنما هو وسيلة ضمن وسائل أخرى تهدف بالمحصلة جميعها إلى تقدم الأمة ورقيها والحاقها بركب الحضارة المعاصرة والإبداع إلى دلك مبشر بالتغيير وناقد للقائم وجالب للبديل الأفضل والانجع.
وغالباً ما يكون المبدع متفاعل مع قضايا امته ويعتبر هدا هو الدافع الأساس في الإبداع وإدا كانت حاجتنا الملحة والماسة في بناء مجتمعاتنا الجديدة تتجه اولاً إلى المبدعين وأرباب الفكر فجدير بنا أن نسعى إليهم وأن ندلل ما يعترضهم من عقبات على اعتبار أن المبدع المحاصر بالمعوقات طاقة غامضةُ راكدة ولا يمكن التعرف عليه بمجرد ادعائه وإنما نقتنع بنتاج إبداعه سواء كان بالأدب أو العلم أو الفن ومن حقه علينا في الوقت داته أن نهيء له فرصة الانطلاق في المجال الإبداعي ونطلق طاقته في مجال ابتكاره فيمضي باسهامه الخلاق في قافلة المبدعين الحقيقيين الدين يصنعون الحياة الجديدة ويتركون العالم في غير الصورة التي الفوه عليها ولن يتسنا لهم دلك إلا بانطلاقهم ومد الجسور مع مواطنيهم وخوضهم مشكلاتهم في جو اجتماعيٍ مشبع بنسمات الحرية تلك الحرية الملتزمة المنتظمة النابدة للفوضى والعبث.
ويجب أن نعي جيداً أن الإبداع لا يتطور ويزدهر في ظل أجواء يسودها التسلط والقهر والاستبداد وإدا قدر له أن يعيش في ظل مثل هده الأجواء فانه يستبغ بمرارة الكفاح وخطورة التحدي والمناضلة وعليه فالمبدع الدي يستطيع أن يحقق هدفه أو جزء منه في ظل هده الظروف الصعبة فانه يستحق من الإنسانية مزيداً من التكريم والاعزاز والتبجيل والتقدير.
ويشترط لتحقيق الإبداع أيضاً قيام الصلة بين المبدع ومحيطه في شتى طوائفه وفئاته وأن يضاعف عنايته واحتكاكه بالطبقة الواسعة من أغلبية الشعب، فمشكلات وهموم المجتمع ومتطلباته والمصالح العامة التي يبتغيها والمفاسد التي يعاني منها والحياة التي يرنو إلى تحقيقها لابد أن يلامسها المبدع ويتحسسها في معايشة صادقة تتفاعل مع حسه وفكره وتجاربه ومعارفه وتصوراته الملهمة ووعييه برسالته المتميزة وينتج من دلك كله إبداع يخدم حياة المجتمع ويرسم الخطوات الأمينة على طريق التغيير والنهوض فضلاً عما يبثه المبدع فى مجتمعه من معارف جديدة وأفكار مضيئة ومشاعر مجتمعة ودلك ما نطلبه من مبدعينا إزاء المتغيرات التى داهمت حياتنا ويرتكب المبدع خطاً فادحا حينما ينفصل عن مجتمعه ومواطنيه لأنه يحرم نفسه من معين الصدق فى إبداعه ومن المجالات الحية النابضة التي ترفد هدا الإبداع وتهييء له البيئة الخصبة للازدهار والاثمار كما إن مجافات المجتمع اخلال بأمانة الرسالة التي تقتضيه أن يندمج في مجتمعه ويتحسس احواله ليعبر بصدق عن موقف أو يعطي لهدا المجتمع ما يتطلبه أو يواجه إرادته لتغيير لمس ضرورته.
وحينما ينسلخ المبدع عن مجتمعه ويغترب عن بني قومه بفكره وروحه واستلهامه وتجاربه فإن إبداعه يأتي مفرغاً أجوفاً لا ينطوي على المضمون الحقيقي للإبداع وغالباً ما يجنح هدا الإبداع العاق ليكون صدى للسطة يعبر عن نظرتها ويتخد مواقفها فلا يلمس منه المجتمع إلا سلبياً عقيمة مراوغة لا تبني رأياً ولا تحرك إرادة ولا تبلغ هدفاً. والله نسأل الا يسير مبدعوا هذا الطريق والهاوية الخطيرة.

 0  0  4732
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:25 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.