■ هل تحتاج أن تكون كاملًا كي تنجح ؟
الحمد لله الذي أنعم علينا بقرآنٍ متعبدٍ به، ومنهج حياة. فكلما قرأت آية تنساب دموعك، ويرتوي قلبك، وتتصاغر كل ضغوط الحياة؛ بل لا يبقى منها شيء.
القرآن الكريم بحر لا تنتهي عجائبه، فقد يحاصرك الخوف والقلق حتى تصبح أسير دائرة مغلقة؛ لا ترى فيها حياة، ولا ترى ما حولك من نعم وإيجابيات.
تخيل أنك مدير مشروع ضخم، أو أب لأسرة، أو مسؤول عن فريق عمل. وكل عين تنظر إليك، تنتظر منك القوة والحكمة والإجابة النهائية. لكن داخلك... داخلك تخاف.
تخاف أن يراك أحدهم متردداً، أن يكتشفوا أنك لست تعرف كل شيء، أن يظهر ضعفك فجأة.
كم من إنسان دخل مشروعًا، أو مسؤولية، أو علاقة، وهو يخفي خوفه خلف قناع القوة!
يحاول أن يبدو كاملًا في عيون الناس بينما يحمل داخله أسئلة كثيرة لا يجرؤ على قولها.
والحوار الذي دار بين موسى عليه السلام ورب العزة عند التكليف بالرسالة يفتح مساحة واسعة لرؤية إيجابيات الحياة، ويعلمنا كيف ننظر إلى أنفسنا بصدق: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٣-٣٤].
في الآية اعتراف بالخطأ ومصدر الخوف بلا تردد: "إني قتلت منهم نفساً فأخاف"، مع أن الله عز وجل كلفه بالرسالة والقيادة. فأظهر موسى عليه السلام الجانب الذي يقلقه والله به عليم.
وهنا تظهر صفات القائد الحق؛ لا يحاول أن يرسم صورة الكمال، ولا يستكبر على الحقيقة الظاهرة التي لا يمكن تجاهلها، فأظهر الشجاعة والصدق والتواضع.
إن الاعتراف بما لا تملكه هو عين العقل والحكمة والصدق، وهو حماية للنفس وسلامة لها حين يتصالح الإنسان مع مواطن النقص لديه، أو مع ما لم يؤته الله من مواهب منحها لغيره. وكما قال الشاعر الأندلسي ظافر الحداد معتذراً معترفاً:
لَعَلَّ اعْتِرَافِي بِاقْتِرَافِي شَافِعُ • • • وَهَيْهَاتَ لَكِنِّي بِذَلِكَ طَامِعُ
إذَا آيَسَتْنِي كَثْرَةُ الذَّنْبِ رَدَّنِي • • • رَجَائِي وَعِلْمِي أَنَّ صَدْرَكَ وَاسِعُ
لقد رأى في اعترافه خلاصاً، لا هزيمة. وهذا هو سر التحرر من سجن الكمال.
وبهذا الاعتراف يحمي الإنسان نفسه من أن يسجن ذاته داخل "غرفة مظلمة صغيرة خانقة" من الأنانية والكبر والحسد والكذب وتزييف الحقائق.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل: كم طاقة أهدرناها ونحن نحاول إثبات الكمال، بدل أن نبحث عن التكامل؟ وكما قيل:
لَوْلَا التَّعَاوُنُ بَيْنَ النَّاسِ مَا شَرُفَتْ • • • نَفْسٌ وَلَا ازْدَهَرَتْ أَرْضٌ بِعُمْرَانِ
فالعمران الحقيقي يولد من التعاون، لا من التنافس المقيت.
وهذا العُمران هو تجسيدٌ حيٌّ لقول الرسول ﷺ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»، فالعمران الحقيقي يولد من التعاون، لا من التنافس المقيت...".
هذا الاعتراف بالخطأ يتبعه اعتراف آخر: نقص موهبة الفصاحة والبيان. وهي صفة مهمة للقائد، لكنها ليست كل شيء. كان موسى عليه السلام يملك القوة والأمانة والثبات وصفات عظيمة أخرى.
وهنا يعترف بأن هناك من يتفوق عليه في جانب محدد.
لم يفكر: لماذا ليس أنا؟
ولم يقل: سأخفي ذلك حتى لا يبدو نقصًا.
بل كان يفكر في الرسالة والهدف.
موسى عليه السلام لم يكن منشغلاً بصورته، بل كان منشغلاً بنجاح المهمة.
ولهذا فإن ثناءه على فصاحة أخيه يعلمنا أمانة الوفاء، وعدم تنكر الإنسان لمن يسانده، أو إغفال فضل من يملك مهارة تتجاوز مهاراته في جانب ما. وقد أدرك الشعراء هذه الحقيقة الإنسانية العميقة، فقالوا:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُ • • • كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ
فأنت بطلبك للدعم، إنما تتسلح لمعركة النجاح. وموسى لم ير في نقص فصاحته عيباً، بل رأى فرصة لتكامل.
إن إبراز كفاءة الشريك لا يقلل من مكانة القائد، بل يزيد ثقة الناس به؛ لأن الناس تطمئن لمن يملك من النضج ما يجعله يقدّر الكفاءات المحيطة به دون خوف من فقدان الصدارة.
وفي ذروة هذا التكامل، قال الشاعر :
نَكُونُ كَرُوحٍ بَيْنَ جِسْمَيْنِ قُسِمَتْ • • • فَجِسْمَاهُمَا جِسْمَانِ وَالرُّوحُ وَاحِدُ
هذه هي هندسة التكامل بعينها: أنت وهو لستما نفس الشخص، لكنكما تسعيان لهدف واحد بروح واحدة.
والتأمل لا نهاية له، وأجد في الآيتين خلاصة إرشادية:
• الصدق يرفعك: الاعتراف بالأخطاء ومصادر الخوف لا ينتقص منك، بل يزيد الثقة بك. وكما قال الشاعر:
الصِّدْقَ قُلْ وَذَرِ الْكَذِبْ • • • فَالصِّدْقُ يُنْجِي فِي الْعُقُبْ
• التحرر من النرجسية: البعد عن الاستكبار والأنانية ونسب كل فضيلة للنفس.
• القيادة ليست كمالًا: القائد ليس نسخة بشرية بلا نقص.
• التركيز على الهدف: الاهتمام بالهدف يدفعك لاختيار الأنسب ليكون عونًا لك.
• الفطنة الاستراتيجية: توقع العقبات جزء من الذكاء.
● حاول لو كنت مسجونًا في تلك الغرفة المظلمة، كيف تتحرر منها؟
♦ الخطوة الأولى: المكاشفة الشجاعة (إِنِّي أَخَافُ).
أحضر ورقة واكتب بصدق: ما الشيء الذي تخاف حقًا أن يكتشفه الناس فيك؟ ما الجانب الذي ترى أنه قد يسبب تعثرك؟ ثم اسأل: هل يحتاج إلى ترميم؟ أم إلى مهارة جديدة؟
♦ الخطوة الثانية: جرد القوة والأمانة.
اكتب ثلاث مواهب حقيقية أنعم الله بها عليك. تصالح مع الحقيقة الجميلة: أنت تملك الكثير، لكنك لست كاملًا.
♦ الخطوة الثالثة: تحديد "الرِّدْء".
من الشخص الذي يمتلك المهارة التي تنقصك؟ أخ؟ صديق؟ شريك؟ زميل؟
♦ الخطوة الرابعة: التمكين والتفويض.
اطلب الدعم بوعي ووفاء، وقدّم التقدير علنًا لمن يستحقه.
وربما لم تكن المشكلة يومًا في نقصك، بل في أنك حاولت حمل الرسالة وحدك.
وربما لم تكن الغرفة مغلقة من الخارج أصلًا… كنا فقط نخشى أن نفتح الباب.