د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.
عدد المشاركات : 21
عدد المشاهدات : 3285


المضامين التربوية في العشر من ذي الحجة وثمارها اليانعة.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ..
فإن من فضل الله علينا ورحمته بنا أن جعل لنا مواسم للطاعات ودعانا إلى الاستفادة منها واستثمارها في تزكية النفس وتربيتها وإن من الأيام العظيمة والمباركة والتي يتضاعف فيها الأجر والثواب أيام عشر ذي الحجة التي حلت بنا هذه الأيام والتي لها ثمار يانعة ومضامين تربوية تعود على الفرد والمجتمع والأمة وقد ورد فضلها في الكتاب والسنة فقال تعالى: (وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة و قال تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) قال ابن عباس: أيام العشر وفيها العمل الصالح يتضاعف إلى أضعاف كثيرة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء") رواه البخاري.
ومن أراد أن يستشعر فضل هذه الأيام ويتصور ذلك فليتدبر ما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد وفضله فعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ؟ قَالَ: ((لا أَجِدُهُ))، قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلا تُفْطِرَ؟)) قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ !رواه البخاري ومسلم، ومع ما للجهاد من هذه المكانة يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة في العشر أفضل منه، فعلى المسلم أن يغتنم هذه الأيام المباركة.. بالتقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل كالصلاة والصيام وقراءة القرآن والصدقة والبذل والعطاء والإحسان للآخرين، قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، ومن ذلك بر الوالدين وصلة الأرحام وإصلاح ذات البين والعفو والتسامح وتقديم النفع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الأعمال الصالحات بالإضافة إلى قيام المسلم بالاستكثار من الدعاء وذكر الله وتحميده وتهليله وتمجيده خلال هذه الأيام في بيته وشارعه فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ) رواه أحمد، قال البخاري رحمه الله: "كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناسُ بتكبيرهما" رواه البخاري، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم منهم ـ ما يقول عبادي ؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني ؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني ؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا. قال: يقول: فما يسألوني ؟ قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها ؟ قال: يقولون: لا والله يارب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها ؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون "لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أنى قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) رواه البخاري.

■ أخي القارئ :
لا بد لنا من وقفة مع النفس وتزكيتها بالتوبة والعمل الصالح وخاصة هذه الأيام العشر من ذي الحجة والتي يعتبر قيام المسلم فيها بالعمل الصالح من أعظم الثمار ذلك أن ثواب العمل الصالح وبركته وفضله وآثاره ينالها الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وهي سبب لسعادة وراحته ففي الدنيا العمل الصالح سبب مباشر في الحياة الطيبة يقول سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهم أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وهو سبب في الأمن والتمكين في الأرض يقول سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا. وبالعمل الصالح تتنزل البركات ويحل الأمن وتتآلف القلوب وتغفر الزلات وترفع الدرجات ويطيب العيش، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) وكذلك فإن للعمل الصالح أثر ودور كبير في تفريج الكربات، ودفع البلاء والفتن ودفع الهموم وشرح الصدور وما أكثر همومنا ومصائبنا نحن المسلمين فما من بلد إلا وتجد فيه حروب وصراعات ونزاعات وفقر وأمراض ومشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية وكلها بسبب سوء أعمالنا وجرأتنا على حدود الله وحرماته قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) وقال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فكان لا بد من العمل الصالح بكل صوره من صلاة وصيام وقراءة للقرآن وذكر ودعاء وصدقة وبذل المعروف وتقديم النفع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر ثقافة الحب والتراحم واستغلال مواسم الطاعات التي تتضاعف فيها الحسنات لعل الله أن يفرج مصائبنا ويدفع عنا البلاء فمن ذلك أن علمنا الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام دعاء في لحظات الهم والحزن فقال: «ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحًا» أخرجه أحمد, وقال سبحانه مبيناً أثر العمل الصالح في هدوء النفس وطمأنينة القلب: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

■ أخي القارئ :
إن القلب الخاشع واللسان الذاكر والجوارح القائمة في طاعة الله كفيلة بإخراج صاحبها من الكربات التي تصيبه في الحياة الدنيا، قال جل ذكره: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) ثم يقول جل وعلا في آية أخرى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) ويقول عليه الصلاة والسلام: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» أخرجه الترمذي ويقول سبحانه (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) والمظلوم بعمله الصالح وبإخلاصه لربه وتضرعه ودعائه يفرج الله كربته ويرفع عنه الظلم ويقتص من ظالمه فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» أخرجه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما بعث إلى اليمن: «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجه البخاري، وجد أحد السلف رجل في الكوفة يصيح بأعلى صوته في سوق المدينة ألا من رآني فلا يظلمن أحد وكانت يداه في حالة شلل تام: فقلت له ما بك يا رجل: قال دعوة مظلوم سرت في جوف الليل قلت: كيف ذلك قال ظلمت رجل وأخذت ماله عنوة وما هي إلا ثلاثة أيام وإذا بالمرض يصيب أعضائي فشعرت بأن ذلك بسبب الذنب الذي اقترفته في حق ذلك المسكين فخرجت أبحث عنه وأرد ماله ويسامحني ومكثت سنة كاملة حتى أصبت بالشلل فلما وجدته ارتميت تحت قدميه وقلت له أسألك بالله ماذا دعوت علي قال: قلت اللهم يا من لا يحول ولا يزول يا جبار السماوات والأرض ظلمني هذا الرجل وأخذ حقي وأراني قوته فأرني قوتك فيه يا قديم الإحسان. فقال الظالم والله لقد استجاب الله لدعائك وها هي آثار قوته في جسدي فسامحني وخذ مالك فسامحه.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً . . . فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه . . . يدعو عليك وعين الله لم تنم

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر قام إلى الصلاة وقال أرحنا بها يا بلال وهي من أعظم الأعمال الصالحة.. وصنائع المعروف وصدقة السر تدفع عن الإنسان كل شر وهلاك بإذن الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام (صنائع المعروف تقي مصارع السوء و صدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر) صححه الألباني، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء) رواه الترمذي، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، بل إن هم الأولاد ومستقبلهم وحفظهم مرتبط بأعمال الوالدين الصالحة قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ فحفظ الله للغلامين كنزهما الذي هو من متاع الدنيا الزائل لصلاح أبيهما.. وهكذا يثمر العمل الصالح وتظهر بركته وثمرته.
اللهم وفقنا إلى العمل الصالح في هذه الأيام المباركات وثبتنا عليه حتى نلقاك
هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فمني ومن الشيطان واستغفر الله من زلل وخطأ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب لله رب العالمين.

تاريخ النشر : 1443/12/01 (06:01 صباحاً).

من أحدث المقالات المضافة في القسم.

◂يلتزم منتدى منهل الثقافة التربوية بحفظ حقوق الملكية الفكرية للجهات والأفراد وفق نظام حماية حقوق المؤلف بالمملكة العربية السعودية ولائحته التنفيذية. ونأمل ممن لديه ملاحظة على أي مادة في المنتدى تخالف نظام حقوق الملكية الفكرية مراسلتنا بالنقر على الرابط التالي ◂◂◂ ﴿هنا﴾.