المضامين التربوية في صبر إمام الصابرين

د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.
875 مشاهدة
المضامين التربوية في صبر إمام الصابرين.
■ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين. وبعد :
ولى أبوك عن الدنيا ولم تره •=• وأنت مرتهن لا زلت في الرحم
وماتت الأم لمّا أن أنسْت بها •=• ولم تكن حين ولت بالغ الحلم
ومات جدّك من بعد الولوع به •=• فكنت من بعدهم في ذروة اليتم
فجاء عمك حصناً تستكن به •=• فاختاره الموت والأعداء في الأجم
تُرمى وتُؤذى بأصناف العذاب •=• فما رُأيت في ثوب جبار ومنتقم
حتى على كتفيك الطاهرين رموا •=• سلا الجزور بكف المشرك القزم
أما خديجة من أعطتك بهجتها •=• وألبستك رداء العطف والكرم
غدت إلى جنة الباري ورحمته •=• فأسلمتك لجرح غير ملتئم
وشج وجهك ثم الجيش في أحد •=• يعود ما بين مقتول ومنهزم
ورغم تلك الرزايا والخطوب وما •=• رأيت من لوعة كبرى ومن ألم
ما كنت تحمل إلا قلب محتسب •=• في عزم متقد في وجه مبتسم
بليت بالصبر مجدٌ لا يماثله •=• مجدٌ وغيرك عن نهج الرشاد عُم
● صبر الأنبياء عليهم السلام للتأسي بهم :
قص الله تعالى أخبار صبر الأنبياء عليهم السلام للتأسي بهم في ذلك؛ ففي صبر أيوب على مرضه الشديد الطويل قال الله تعالى فيه [إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا] وفي صبر إسماعيل وهو يقدم للذبح [قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ] وفي صبر يعقوب على فقد ولده [قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ] وفي صبر يوسف على ما ناله من البلاء العظيم [قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ]، (وقص الله تعالى ذلك على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليثبت ويصبر) [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا] [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] فحقق عليه الصلاة والسلام أعلى درجات الصبر، وتحمل في سبيل الله تعالى أنواع الأذى، (وكل ما قص الله تعالى علينا من أنواع الابتلاءات التي ابتليت بها الرسل فإن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قد ابتلي بجميعها وبما هو أشد منها)؛ فصبر صبراً جميلا لا جزع فيه ولا سخط ولا شكاية.
لقد صبر عليه الصلاة والسلام على أذى المشركين في مكة، وعلى أذى اليهود والمنافقين في المدينة، وكل هذه الطوائف الثلاث حاولوا قتله غير مرة، وصبر عليه الصلاة والسلام على الابتلاءات العظيمة التي ابتلي بها في نفسه وأهله وولده وقرابته، وصبر على شدة الفاقة، وإلحاح الحاجة، وكان ابتلاؤه منذ نشأته عليه الصلاة والسلام.
(لقد لازمته الابتلاءات منذ صغره فولد يتيما، ونشأ فقيرا)، وفجع بوالدته طفلا لم يتجاوز ست سنوات، فلم ينسها قط، والطفل لا ينسى فقد أمه، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «زَارَ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى من حَوْلَهُ» رواه مسلم. ثم فجع بجده وهو ابن ثماني سنوات، فأعاله عمه الفقير أبو طالب فضمه إلى بنيه، فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل برعي غنم أهل مكة على قراريط.. هذا اليتيم الفقير أراد الله تعالى أن يكون خاتم المرسلين، وخيّره بأن يكون ملكاً رسولا أو عبدا رسولا فاختار الثاني.
ولما بعث بالرسالة وآذاه المكذبون فُجع بموت المدافع عنه عمه أبي طالب، وبموت المواسية له زوجه خديجة رضي الله عنها في عام واحد سمي عام الحزن.
لقد فجع عليه الصلاة والسلام في قرابته وأهل بيته كأشد ما يفجع أحد في أهله فتتابع موتهم عليه منذ صغره عليه الصلاة والسلام، ورزق سبعة من الولد القاسم وعبدالله وإبراهيم ورقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة ماتوا كلهم تباعاً أمامه سوى فاطمة فماتت بعده، ودخل عليه الصلاة والسلام على ابنه إبراهيم وهو في النزع فأخذه « فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ... وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ فقال له عبدالرحمن بن عَوْفٍ رضي الله عنه: وَأَنْتَ يا رَسُولَ الله، فقال: يا بن عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ ولا نَقُولُ إلا ما يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رواه الشيخان.
وصبر عليه الصلاة والسلام على قلة ذات اليد، وعانى شظف العيش، ووجد ألم الحرمان، وأحس بقرص الجوع، أخبر عنه بذلك ألصق الناس به فقالت عائشة رضي الله عنها: «إن كنا لَنَنْظُرُ إلى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ وما أُوقِدَتْ في أَبْيَاتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَارٌ» رواه البخاري. وقالت: «ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ من طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حتى قُبِضَ» متفق عليه، وقالت: «ما أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَكْلَتَيْنِ في يَوْمٍ إلا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ» رواه البخاري وقالت: «وما شَبِعَ من خُبْزٍ وَزَيْتٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» رواه مسلم.
وقال خادمه أنس رضي الله عنه: «ما أَعْلَمُ النبي صلى الله عليه وسلم رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حتى لَحِقَ بِالله ولا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ، أي: شاة مشوية» رواه البخاري.
وأخبر ابن عَبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يَبِيتُ الليالي المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً وَأَهْلُهُ لاَ يَجِدُونَ عَشَاءً قال وكان عَامَّةُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ» رواه أحمد.
وقال النُّعْمَانُ بن بَشِيرٍ رضي الله عنهما: «لقد رأيت نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم وما يَجِدُ من الدَّقَلِ ما يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ»رواه مسلم وفي رواية لأحمد: «لقد رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَظَلُّ الْيَوْمَ يلتوى ما يَجِدُ دَقَلًا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ». مع أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب الطعام الطيب، والشراب الطيب، لكنه لا يجده من قلة ذات اليد؛ فقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، ويحب الذراع من اللحم، ويتتبع الدباء، وهي التي تسمى اليقطين أو القرع.
وذات مرة أتته ابنته فَاطِمَةَ رضي الله عنها بِكَسْرَةٍ فقال: «ما هذه هذا؟ قالت قُرْصٌ خَبَزْتُهُ فلم تَطِبْ نَفْسِي حتى آتِيَكَ بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ قال أَمَا إنه أَوَّلُ طَعَامٍ دخل فَمَ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» رواه الطبراني.
وكان مرضه أشد من مرض غيره، وحماه أحر من حمى سواه، وصداعه ليس كصداع الناس، قال ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «دَخَلْتُ على رسول الله وهو يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فقلت: يا رَسُولَ الله، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فقال رسول الله : أَجَلْ إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ فقلت ذلك أَنَّ لك أَجْرَيْنِ» متفق عليه.
وسمته اليهود في خيبر، وسرى السم في جسده الشريف فعانى منه صداعاً شديدا، وألماً فضيعا وهو صابر على ذلك لا يزيد إذا اشتد به الألم على قوله: وارأساه. ومكث وجعه أربع سنوات حتى قطع عرق قلبه فمات عليه الصلاة والسلام ؛ كما روت عَائِشَةُ رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فيه، يا عَائِشَةُ ما أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الذي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي من ذلك السُّمِّ» رواه البخاري.
فعمل عليه الصلاة والسلام بأمر الله تعالى له، وصبر كصبر أولي العزم من الرسل حتى لقي الله تعالى وهو صابر على أذى الناس له، راض بما قضاه الله تعالى وقدره عليه، فصلوات الله وسلامه عليه صلاة وسلاما تامين دائمين ما تعاقب الليل والنهار.

● واقعنا المعاصر مع الصبر :
رغم ما يعيشه كثير من الناس من رغد العيش، وتتابع النعم عليهم، وما رزقوا من وسائل الراحة والرفاهية، إلا أن القلوب قلقة، والنفوس ضيقة، والبركة تكاد تكون منزوعة من أوقاتهم وأعمالهم وأعمارهم وأموالهم، ويزعجهم واقعهم بتفصيلاته وتعقيداته، ويخافون المستقبل المجهول، ولا يدرون ما خبئ لهم من الأقدر.
كل أولئك كان سبباً في أمراض القلق والاكتئاب التي قد تودي بأصحابها إلى الهلاك أو الجنون.. ولا وقاية من ذلك كله إلا بالصبر الذي أرشد الله تعالى إليه، والصبر يكتسب كما تكتسب سائر الأخلاق، فمن أراد النجاة فليتروض على الصبر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله» متفق عليه.

● المضامين التربوية من صبره عليه الصلاة والسلام :
1- إن من عاش اليتم فعليه أن يتذكر يتم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره،
2- ومن تألم لفراق أحبته وقرابته فليتذكر فراق أحبة النبي صلى الله عليه وسلم له، وصبره على ذلك؛ فلقد فارقه صلى الله عليه وسلم أمه وجده وعمه وزوجه وثلاثة من بنيه وثلاث من بناته ولم يبق له إلا واحدة.
3- ومن عالج مرضا مزمنا فليتذكر مرض النبي صلى الله عليه وسلم والسم الذي كان يسري في جسده حتى قتله.
4- ومن عانى قلة ذات اليد، واهتم لديون ركبته؛ فليتذكر جوع النبي صلى الله عليه وسلم حين كانت تمر عليه ثلاث ليال طاوياً، وليعلم أنه عليه الصلاة والسلام مات ودرعه مرهونة في شيء من شعير.
5- ومن أوذي في الله تعالى لدعوته، وصدعه بالحق، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فليتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوذي بما هو أشد وأكثر، فقابل الأذى بالحلم والصفح والصبر؛ حتى أظهر الله تعالى دينه، وأعلى شأنه، ورفع ذكره، ودحر أعداءه، وما نال عليه الصلاة والسلام ذلك إلا بالصبر والتقوى.
6- إن مقومات العيش الكريم ثلاث جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ مُعَافًى في جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ له الدُّنْيَا» رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وكل هذه الثلاث افتقدها النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من فترات حياته؛ فكان لا يأمن غدر المشركين واليهود والمنافقين، وكانت الأمراض تصيبه حتى فتك به السم، وكان يجوع كثيرا من قلة ذات اليد، ولا يأتيه مال إلا أنفقه ولم يدخر لنفسه منه شيئاً، فمن تذكر اجتماع ذلك على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وهو خير خلق الله تعالى أجمعين هانت مصائبه ولو كانت عظيمة، وتأسى به في الصبر والرضا.. والابتلاء لا بد منه للتمحيص والتطهير، ولا ينجو في أمواج الابتلاء، ومحارق الفتن إلا من تسلح بالتقوى واستعان بالصبر والصلاة [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ].
وصلى الله وسلم على سيد الصابرين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :