فيلسوف بدون فلسفة ـ دراسة علمية

طارق فايز العجاوي

3081 قراءة 1434/03/01 (06:01 صباحاً)

طارق فايز العجاوي.
۞ عدد المشاركات : «48».
دراسة علمية بعنوان : (فيلسوف بدون فلسفة).
◗الجزء الأول :
فيلسوف بدون فلسفة، حقاً أنه فيلسوف ولكن لا يملك فلسفة الشاهد أنه أخذ من كل روض وردة وهذا واضح من خلال نظرته الفلسفية لكافة الأشياء، إنه صاحب اللزوميات وسقط الزند ورسالة الغفران، ونال أكثر من لقب فكان رهين المحبسين لقوله : (لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث) ولقب أيضاً : (شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء) يستطيع كل دارس لحياة وفكر هذا الرجل أن يدرك أنه جاء في عصر اختطت واختلطت به الآراء وتداخلت واضطربت به المواقف كل ذلك جعله لا ينظر إلى الأشياء بتجرد وكما يراها هو ليضع فلسفة بناءاٍ على ما يرى ويدرك وهذا حقاً ما دعانا إلى القول بانه فليسوف بدون فلسفة، وكانت النتيجة الحتمية لكل ذلك أن يأخذ من هذا ويرفض ذاك ويؤيد موقف ويعارض آخر ويلتزم نهج ويتجنب آخر ويمجد فكرة ويذم أخرى، بعنى مجمل فكره كان تقاطعات ما ساد بذلك العصر على كل الأحوال يدرك كل ممعن ومنعم النظر أنه ذو نزعة إسماعيلية قرمطية لذا كان يؤمن بذهب التقية التي تظهر غير ما تبطن وتسر غير ما تبدى لذا كان التردد سلاحه في يد الحقيقة الباطنية التي لا تبقى ولا تذر وتؤدى بالتالي قطعاً التقلب كافة الأوضاع وعلى كافة الصعد من مذهبية وسياسية واجتماعية .. الخ، وهذا جعل الدارسين يتخبطون في تصنيفه أو فهمه فتردده أوقع الباحثين في حيرة واضحة المعالم وبالتالي أخذ كل منهم طريق في دراسته فبعضهم رجح أن العاطفة والميل النفسى أثر في فكره، وآخر قال أن التطور الفكري هو ما أثر في الرجل وهناك آراء كثيرة بخصوص هذا الموضوع ومهما يكن فالثابت أنه إسماعيلي النزعة قرمطي الهوى التزم نهج أخوان الصفا في كثير من المواقف التي لا تدعم بالشاهد والبينة والغير معللة وهو أيضاً سلك طريق الشك المؤدى إلى التشكيك فيما يعتقده الناس وهذا واضح أنه فيه تعارض مع ما التزمه العقل الإسماعيلي.

■ الجزء الثاني.
أراءه الفلسفية أو ما يعتقد بكل ما حوله - نظرته إلى الطبيعة - بداية قال في العناصر الأربعة وأظهر قضية قدم العالم، فتراه يقول بها تارة وينفيها تارة أخرى وهذا طبعاً يثبت أنه متأثر بالسائد من الآراء في ذلك الوقت بخصوصها، ولكن قوله : (وليس اعتقادي خلود النجوم ولا مذهبي قدم العالم) يجعل القول بأن العالم محدث. - هذا التردد الذي أوقع الدارسين في الحيرة - وبرهانه على ذلك حركة حدوثه هو ما رجحه كل من انعم النظر بخصوص نظرته إلى الطبيعة، وهنا جلى وواضح تأثره بإخوان الصفا ويؤيد اعتقادهم بأن للعالم العلوي نفساً وعقلاً وأن ذلك واضح في العالم الأرضي، هو القائل : (لعالم العلو فعل لا خفاء به في عالم الأرض من وحش ومن أنس) وعليه فهو يقول بتعظيم الكواكب وهذا يؤيد قولنا بأنه إسماعيلي النزعة، أما نظرته إلى النفس والجسد فهو أفلاطوني النزعة فينظر إلى الجسد أنه من تراب وإلى تراب وقوله : (أما الجسوم فللتراب ما لها وعييت بالأرواح أنى تسلك) ويعتبر الجسد وعاء دنس بقوله : (لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث) وقوله أيضاً : (فكيف لا تخبث النفس التي جعلت من جسمها في وعاء كله دنس) ولهذا المذهب اعتقاد بأن النفس تحب الموت ولا تهابه لأن ذلك يطهرها على اعتبار أنها تخلص من الجسد. - أما حرية النفس - فتراه ينزع إلى الجبرية وقال : (ما باختياري ميلادي ولا هرمي ولا حياتي فهل لي بعد تخيير)، وعليه هو المكره في كل شيء الولادة والهرم والعيش والإقامة والسير، ويظهر تطرفاً في هذه النظرة لدرجة قوله : (وما فسدت أخلاقنا باختيارنا ولكن بأمر سببته المقادير) فيرى أن الإنسان مكره على الفساد لأنه بطبعه فاسد أما مصير - النفس - عند المعري غير واضح اعتقاده بذلك فلم يكون لنفسه رأياً بل كانت الشكوك والحيرة على الدوام جلية بخصوص ذلك، فتارة تراه يعتقد بخلود النفس وتارة ينكر هذا الخلود. أما - التناسخ - فقد رفضه وسخر ممن يدينون به أمثال أفلاطون والبوذيون والبراهمة .. الخ، فجاء في رسالة الغفران قوله : (التناسخ مذهب عتيق يقول به أهل الهند والخ نسال الله التوفيق والكفاية). أما نظرته إلى - العقل - يمكن تلخيصها بالتالي أنه أعظم من شأن العقل حتى كان فينظره الإمام الفرد والنبي الذي يهدى إلى الحق والحقيقة فقال : (كذب الناس لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء أيها الغر أن خصصت بعقل فاسألنه فكل عقل نبي) وعليه يرى أن يتم تحكيم العقل في كل أمر الآني والمستجد ولكن أوضح بأن العقل خاضع بالحكم لحدود المادة الجسدية ومتفاوت بين بنى البشر واعتبر أن الحقيقة اليقينية مفقودة على اعتبار أن الخطاء شائع بين بنى البشر ولهذا يقول : (أما اليقين فلا يقين وأنما أقصى اجتهادي أن أظن واحدسا).

■ الجزء الثالث.
أما الزمان والمكان عند المعري فهما الظرفان اللذان يحتويان كل ما تدركه العقول وهو القائل : (مكان ودهراً حرز كل مدرك • • وما لهما لون يحس ولا حجم) وقد حاول المعري تعريف الزمان والمكان في لزوم مالا يلزم ورسالة الغفران فقال : (وقول بعض الناس الزمان حركة الفلك لفظ لا حقيقة له وفي كتاب سيبويه ما يدل على أن الزمان عنده معنى الليل والنهار وقد حددته حداً ما اجدره أن يكون قد سبق إليه إلا أنى لم اسمعه وهو أن يقال الزمان شيء أقل جزء منه يشتمل على جميع المدركات وهو في ذلك ضد المكان لأن أقل جزء منه لا يمكنه أن يشتمل على شيء كما تشتمل عليه الظروف فأما الكون فلا بد من تشبثه بما قل أو كثر). ونجده في لزومياته يقول : (ومولد هذى الشمس أعياك حده وخبر لب أنه متقادم وأيسر كون تحته كل عام ولا تدرك الأكوان جرد صادم)، الملاحظ أن هذا التعريف يطغى عليه صفة الإبهام وعدم الوضوح، فالمعري واقعاً لم يلتزم المعايير التي التزمها عمالقة الفلسفة في تعريفهم للزمان، فها هو أرسطو يعتبر الزمان هو مقياس الحركة بحسب ما قبل وما بعد إذن التعاقب والتتالي هو جوهر الوقت فالتصور الفعلي للزمان هو الحركة ولا حركة بدون المادة وعليه عناصر الزمان هي كونه الماضي والحاضر والمستقبل وبذلك يكون الحاضر موجود أما الماضي فقد زال والمستقبل لم يحصل بعد، فالمعري يقول : (أرى زمناً تقادم غير فأن فسبحان المهيمن ذي الكمال) هنا الواضح أن المعري يعتبر الزمان قديماً غير فان، أما الفلاسفة يعتبرون الزمان يزول مع المادة. وللتوضيح نورد ما اعتقده طه حسين بما يخص الزمان عند المعري فيقول : (هو مجرد الاستمرار ذي الصورة الواحدة الذي لا ينقسم إلى ليل ولا نهار ولا يقاس بشهر ولا عام ولا تختلف فيه الفصول) واستدراكاً ومن منظور فلسفي بحت يكون الزمان استمرارا في الخالق والمخلوق في تعاقب الماضي والحاضر والمستقبل بين ماض اندثر وحاضر يندثر ومستقبل سيندثر أذن قطعاً الوجود فيه الاستمرار قل أم كثر بغض النظر عن القياس، أما - المكان - فينظر إليه بقوله : (أما المكان فثابت لا ينطوى لكن زمانك ذاهب لا يثبت) وعليه يكون الزمان استمرار حركة والمكان استمرار قرار في الذات فمن الملاحظ أن ذلك مبهم عند أبو العلاء فلا هو ثابت ولا هو واضح الفكرة والرؤيا.

■ الجزء الرابع (الأخير).
كيف ينظر المعري لما وراء الطبيعة ؟ الواضح أن موقفه لا إرادياً في كل ما خرج عن حد المحسوس، وهذا ما ولد الحيرة في شأن المعتقد وصحة الإيمان عند المعري واقع الباحثين في اللغط وتضارب الآراء بشأنه، ولكن الدارس بتجرد لموقفه يعده من الباطنية ولذلك عليه بالحتم أن يلتزم مذهب التأويل وهذا فقط بصيص الأمل أمام الباحث ليفهم الرجل. أما الله جل شأنه عند المعري فإيمانه بوجوده قطعي صادق وأن المح بجهل طبيعته - تعالى الله عن ذلك - وبهذا يقول : (اثبت لي خالقاً حكيماً ولست من معشر نفاة) ودلالات هذا الإيمان واضحة فيما ابدع هذا الرجل من مؤلفات ونم ذلك أن الله فرد لا شريك له لطيف كامل سرمدي غير متنقل من حال إلى حال حكيم قدير خلق الجميع لغاية وأنه يجازى كل أحد وعليه المعول وأنه عادل عليم لا يجرى شيء إلا بأذنه، ودليلنا على ذلك : (ويلي لجيلي والأخيال أن بعثوا إلى حساب قديم اللطف علام محصى الجرائم فعال العظائم نصار الهضائم جاز غير ظلام)، ويرى المعري أن الإله لا ينتقل من حال إلى حال لأنه كامل على اعتبار أنه يجعل الانتقال صفة أما للاكتساب وأما للخسارة وهذا ينتج عنه عدم الكمال لأن الكامل لا يحتاج إلى شيء ولا يضيع شيء. ونحن نقول ما دامت هذه نظرته إلى الله كان الأجدر به أن ينفي عن الله الزمان والمكان ولكن هذا التخبط أوقع دارسيه بالحيرة فأنظر ماذا يقول : (قلتم لنا خالق حكيم • • • قلنا صدقتم كذا نقول) (زعمتموه بلا مكان ولا زمان إلا فقولوا • • • هذا كلام له خبي معناه ليست لنا عقول)، نقول أن العلماء الذين فسروا هذه الأبيات ذهبوا مذاهب شتى على اعتبار أن الزمان والمكان من وجهة نظر فلسفية لا يخرجان عن حدود المادة وهما أيضاً يحدان ما يحتويان عليه، أما المعري فأما يفهم الزمان كما يفهمه الفلاسفة وأما أنه يتصور له معنى خاصاً وأما أنه لا يفهم معنى الزمان والمكان فهما حقيقياً أو حقيقة الله في كمالاته فأن فهم الزمان كما فهمه الفلاسفة كان كافراً وأن كان المعري يتصور للزمان والمكان معنى خاصاً ينطبق حتى على الخالق كانت محاولته جيدة ومقبولة بشرط أن لا تتجاوز حدود المعقول. أما عميد الآدب العربي طه حسين يرى أن الزمان عند المعري هو الاستمرار والاستمرار والوجود شيء واحد، والثابت وهو ما نرجحه أن المعري يعتقد وجود الله ويعتقد أنه غير محدود فهو القائل : (والله أكبره يدنو القياس له • • • ولا يجوز عليه كان أو صار)، ومن اعترافات المعري أيضاً بأن خالق الجميع هو الله وهو الحكيم في خلقه وأنه لا يجرى أمراً إلا بأذنه وهو الحافظ بعنايته وهو مدبر كل شيء وهو الذي بدون أدنى شك مارس بعض الفرائض الدينية، أما نظرته إلى ما يخص المعجزات والنبوات والشرائع فموقفه واضح إسماعيلي قرمطي، فهو ينكر المعجزات ويقول : (زعم الناس أن قوماً من الأبرار عولوا في الجو بالطيران ومشوا فوق صفة الماء هذا الأفك ما جرى العصران ما مشى فوق لجة الماء لا السعدان فيما مضى ولا العمران) وفى هذا إخضاع الشريعة للعقل خضوعاً تاما، أما البعث فيرى أن الله الذي خلق البشر قادر أن يبعث الموتى من القبور وأن يجمع العظام بعد أن أضحت هباءا وهو القائل : (إذا ما اعظمي كانت هباء فأن الله لا يعييه جمعي)، أما بخصوص نظرته إلى الفلسفة العملية فلا شك أنها مبنية على التشاؤم وممزوجة باليأس فهو القائل : (سواد العين زار سواد قلبي • • • ليتفقا على فهم الأمور) فهو شديد التشاؤم لا حدود لتشاؤمه فهو المتبرم الساخط على الدنيا ويعتبر أن السعادة والسرور غريب عن الدنيا، والمعري يقر بأن الله هو مبدا الإنسان وعلته وغايته ويعتبر أيضاً أن طبيعة الإنسان دنس في دنس وقد كره أبناء جنسه فهم كالبهائم الغافلة وشرورهم كثيرة وينظر إلى قضية التناسل أنها مكمن الشر وفيها التعب للوالدين وشقاء للأولاد وأعتبر الزواج فيه شر ولكنه ضرورة للاتقاء من شر النساء وإذا تزوج يتزوج العقيم، أما المراءة عند المعري فهي مصدر الشرور وهى فتنة الرجل وهي حبل غي بها يضيع الشرف التليد، وقال بحجاب المراءة بما أن الرجل فاسداً أيضاً ويرى أن أصحاب السلطة الروحية والمدنية أصحاب مطامع، ويأمر المعري بالاعتزال وممارسة الفضيلة ويحث على التقوى والعدل والمحبة والصدقة والقناعة والصلاة وهو عاشق الزهد ويكتفى من الدنيا بالقوت والمسكن فهو لا يأكل منتجات الحيوانات ولا يلبس جلودها. ليس الشاهد أن المعري تأثر بالإسماعيلية والمزدكية البابكية والقرمطية على كل الأحوال أن أي دراسة تتناول هذا الرجل سيعتريها النقص لأن هذا الرجل ترك أثر واضحا في تاريخ الفكر العربي والإرث الإنساني والحضاري للبشرية جمعاء.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :