• ×

06:25 مساءً , الأحد 24 ذو الحجة 1440 / 25 أغسطس 2019



تاج الحضارة (الهوية) المفهوم ـ الواقع ـ الإشكالية «2» ـ بحث علمي.
على أثر الصراع العالمي في العصر الحديث لم تتبلور وتنضج الهويات المختلفة للأمم على الأغلب بهدوء وفى مناخ صحي فقد كان هناك العنف الذي مورس ضد الضعفاء من قبل الأقوياء ومن ضمنه العنف المعرفي بكافة أشكاله ومنه ذلك العنف الذي مارسه الاستعمار عبر الاستشراق والاسم بريالية المعاصرة عبر الهيمنة الثقافية لتنميط البشر وإخضاع الحضارات الأخرى.
ولهذا التنميط في أفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية واستراليا وفي أوساط المهاجرين إلى البلدان المتقدمة بحثاً عن فرص افضل للحياة وحيث يحملون معهم أنماطهم الثقافية وطرائق عيشهم وأشكال تضامنهم بل وتبرز في أوساطهم سياسات الهوية التي تتوق لعصر ذهبي نشاء في ماض افتراضي تسعى هي لاستعادته بحثا عن أمان مفقود ضمن كفاحها من اجل العيش والحصول على الاعتراف وكأنما تسعى لاستمرار اليوم في الأمس، وهذا لا شك ينطبق على امتنا العربية حيث تعرضت لهذين الشكلين من العنف في العصر الحديث.
لكن لأمتنا واقعاً تاريخياً امتد لعشرات الحقب وتأسس في الحضار والثقافة والأرض المشتركة - البعد الجغرافي - والتاريخ الممتد وصنع وعاء للروح هو اللغة الواحدة، وحين نقول نحن العرب فإنما نعني ذلك التركيب الغني المتجدد بتجدد الحياة ذاتها وإن كنا لا نستطيع إغفال ذلك البعد الميتافيزيقي في كل قومية وفى قوميتنا وهو ذلك البعد الذي يدفعها إلى الإيمان والاعتقاد العميق بان لها جوهرا أصيلا والطموح لجعل هذا الجوهر واقعا وشكلا ملموسا يمكن أن يكون بناءا سياسياً أو تقليدياً أدبياً، وهو كطموح يخلق مشكلات كثيرة ويقال عنه خصوصية وهذه الخصوصية ممكن أن تكون شائكة حين يجرى طرح مفهوم الذات القومية باعتباره النموذج الأمثل الذي لا بد أن يتطابق معه الجميع، وتلك على أي حال خاصية الأمم الإمبريالية ولا يندر أن تشاركها فيها الأغلبيات اللغوية أو الدينية أو الأثنية، أي ميلها إلى تعميم نفسها في سعى ضمني لإخضاع الآخرين ويعيدنا هذا إلى تجلي الهوية كقوة.
وعلى ضوء ما تقدم فنحن كعرب تبرز هويتنا كانها وجدت في الماضي واكتملت في تلك العصور وأصبحت جوهرا صافيا نسعى لعصرنته على اعتبار انعدام إسهاماتنا في العصر الحالي بحيث اصبحنا مستهلكين للفكر بشتى أشكاله اكثر منا مبدعين له. وقولي أن هذا أمرا طبيعيا ما دمنا على هذا المستوى الاقتصادي الذي لا نحسد عليه، فنحن نستورد اكثر مما نصدر ونستهلك اكثر مما ننتج اضف إلى ذلك الانفجار السكاني الذي يأتي حكما على النمو المتواضع، وقد أدى ذلك إلى وقوعنا أسرى للماضي الشيوع الاعتقاد بل رسوخه في انفسنا.
إلى أنه بوسعنا فصل التكنولوجيا التي نستهلك آخر صيحاتها أحياناً بإسراف عن القيم والأفكار التي انتجتها هذه التقنية المتقدمة والتي هي الحداثة والديموقراطية وحرية البحث العلمي والفكر والاعتقاد والضمير والشغف بالأسئلة والمعرفة الاجتماعية التاريخية التي تنهض على أسس عامة وعالمية في علوم التاريخ والسياسة والمجتمع.
والفصل الذي اشرنا إليه يكمن بين القيم والتكنولوجيا في رسوخ الطابع الخرافي للزمن في الذهنية العربية حيث الإيمان العميق المتجرد - حبذا كان ذلك في الاتجاه الصح - بقدرتنا على استعادة الزمن الجميل الذي اصبح طي النسيان في غياهب الماضي السحيق، وعلى أثر ذلك نشاء الزمن المزدوج السريع - البطيء السريع لأنه يعيش واقعيا في العصر، والبطيء لأنه مشدود للخلف.
أما حجة أننا كنا بلدانا مستعمرة حتى وقت قريب - وأنا باعتقادي قد اتخذ الاستعمار في العصر الحالي أشكالا أخرى لا تخفى على احد - لا نستطيع أن نتكئ على هذه الحقيقة باعتبار أننا كغيرنا نحتمي من الغريب، بماضيها التليد بحيث يصبح هذا هو المفهوم والحال كذلك أن تصبح هويتها ماضيا. ونسوق ونحن بهذا الصدد نموذج الهند فقد كانت مستعمرة ومع ذلك استطاعت النهوض وان تبدع هوية جديدة رغم نسيجها المتعدد منطلقة إلى المستقبل متعظة من الماضي دون أن يقيدها - مع فارق نحن كعرب إرثنا أعظم من أن ينسى لكي يستبدل بهوية جديدة بل المطلوب منا فقط هو إحياء هويتنا العظيمة الجليلة الثرية - وبعد ذلك وإن جاز لنا اعتبار العامل المشترك بين كل من الهند وأمريكا كنموذجين متطرفين للتنوع الديني والطائفي والإثني واللغوي يؤسس لهويات صغرى ومع ذلك تتعايش وتتفاعل هذه الهويات الصغرى فيما بينها خالقة هوية عامة مفتوحة على المستقبل سوف نجد عنصرين رئيسيين هما : (الديموقراطية ــ الحرية الفكرية) نجد انهما بلا سقف بل سقفهما السماء وكلتاهما آليتان لإطلاق روح إبداع الذات في الوقت الراهن وفي المستقبل في وقت يعطلنا الاستبداد والقيود وهما وثيقا الصلة بتدهور إنتاجنا كله المادي والمعرفي.
وقولي بإضافة عنصر آخر ألا وهو نشوء طبقة رأسمالية قوية ومنتجة احترمت قواعد الحرية والديموقراطية في صلب النموذج الأمريكي وأيضاً الهندي، وبناء على ما تقدم نجد أن هناك مفتاح رئيس لتطور الثقافة والإبداع وإنتاج القيم ولقدرتها جميعا على الإسهام الخلاق في الثقافة الإنسانية كعلامة على الهوية الإيجابية، الهوية بمعناها المطلق الشامل، فالشعوب والأمم المكبلة بالقوانين المقيدة للحريات والاستبداد السياسي وبالفقر والبطالة والتي تتحكم بها رأسمالية - تابعة - هزيلة وضعيفة أن تنتج ثقافة جديدة وهوية عصرية متقدمة ومتطورة حتى لو كانت هذه الأمة صاحبة إسهام عظيم ومرموق في الماضي بل تبقى مثل هذه الثقافة الجديدة والعصرية، أما في حالة جنينية أو في حالة دفاع عن النفس ولا خيار ثالث.
أما في وضعنا العربي فإذا ما استطاعت القوى الحية في الوطن العربي أن تستجمع صفوفها وتحتشد لهزيمة العقبات والمعوقات وتخطيها بعقلية مفتوحة منطلقة لأفق جديد سوف تخلق هوية توحد، لأنها ستكون مبدعة وحرة تتحقق في المستقبل لا في الماضي متجاوزة ضعف الرأسمالية البنيوي منفتحة على عالم جديد ومشروع متكامل حتى تتجاوز الرأسمالية ذاتها وفى هذه الحالة يكون لنا مشروعنا الثقافي القادر على إيجاد هوية كاملة متكاملة قائمة على أزكان متينة ثابتة تضيف إلى الإرث الإنساني اهم لبناته على الإطلاق، فحبذا لو نسعى ونجد في سبيل ذلك. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
image الثقافة والإعلام وما بينهما.
image الثقافة المرجعية : البحوث العلمية.
image تاج الحضارة (الهوية) المفهوم : الواقع ـ الإشكالية «1» ــ بحث علمي.
image تاج الحضارة (الهوية) المفهوم : الواقع ـ الإشكالية «2» ــ بحث علمي.
 0  0  6595

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.