• ×

07:05 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ حدثنا عيسى بن هشام العصر قال : انطلقنا ثلاثة نفر من قريتنا قبل حكم الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ وقد لف علينا الفقر عباءته، وأفرغ علينا العوز سطوته وأطنب علينا اليأس ظلته فقررنا السفر إلى مكة لنعمل في أعمال الحج في ذلك العام لعلنا نجد فيه ما يسد حاجتنا ففي الحج منافع كثيرة، ومواسم خير لا تعوض، وفي أثناء طريقنا إلى البلد الأمين عكر علينا الجوع صفاء الصحبة، وضيق نفوسنا الرحبة، إذ الجوع ـ أعاذكم الله منه ـ خصم جائر، بسببه تفقد البصائر، وبسطوته تموت الضمائر، وبجوره يدع صاحب النظر والبصيرة حائرا، ويطيح بالقوي الصامد ولو كان قادرا، وفي ظل هذه الظروف الجائرة، والأفكار الحائرة، لم يكن هناك بدٌُّ من إعمال الحيلة، وشحذ الفكر والمخيلة، للحصول على زاد يقيم الصلب ويعين على ويلات السفر الصُّعب.
وبينما نحن في طريقنا الطويل إذا بعجوز تهش بعصاها على قطيع لها من الغنم لم تر عين مسكين مثله وبينه خروف سمين يجر إليته جرا، ويتمايل سمنة يمنة ويسرا، وكان على مقربة من ذلك المشهد الرائع بيت صغير في ساحته فتاة معاقة، لا تعرف للسير حذاقة، ولا للطعام فاقة، فهي قعيدة مشلولة، كبكرة في معطنها معقولة، لا تكاد تفقه قولا، ولا تجد لنفسها قوة ولا حولا، فقلت : ظفرنا ـ ورب الكعبة ـ بغداء لذيذ، إما سليق وإما حنيذ، فحبكنا للحيلة سلاسلها، وهززنا للكذبة قلاقلها، فحيينا العجوز بتحية الإسلام ـ السلام عليك ـ فردت في عجل قائلة : وعليكم، ولكن ليس عندي طعام ولا ماء، فاطلبوا خالق الأرض والسماء، فقلت : سامحك الله ـ ومن قال لك إننا نريد ماءً أو طعاما، فنحن إنما نقرئك سلاما، ونعرض عليك بضاعتنا قعودًا وقياما. فقالت : وما بضاعتكم، لا كثر الله أمثالكم. فقلت وقد شحذت للحيلة ذهني، وأطلت على الصدر ذقني : إنني رجل حكيم وفقيه، وبأدواء الناس عالم ونبيه، وقد رأيت ابنتك معلولة، فهل هي مكسورة أو مشلولة ؟ فقال أحد أصدقائي : إنما هي مثل أمها مهبولة، لا تعرف منزلة الأطباء المعقولة، ولا قدر جهودهم المبذولة. فقالت العجوز ـ وقد ساورها العجب والدهشة، تبًا لك يا ابن الجحشة، ترميني وابنتي بالهبال، وأنت وصاحباك عِرة الرجال ! فقال الثالث : وما الذي ستخسرين لو سمحت لحكيمنا يتفحص علة فتاتك، فتسعدي بشفائها قبل أن يختلط أديم الأرض برفاتك ؟ فردت عليه العجوز قائلة : ومن منكم الحكيم، وما مقابل ما يقدمه من دواء ؟ أم أنكم تضربون في الأرض تبتغون رزقكم بما تمليه عليكم الأهواء ؟ فقال صاحب الحيلة واللحية، ومدبر المكيدة والفرية : أنا أيتها العجوز وإنما أريد بعملي هذا الثواب، فاكشفي عن ابنتك الحجاب، واقعدي أنت كالحية على سدة الباب، وسأتفحص داء ابنتك ولا أريد منكما جزاء ولا شكورا سوى إحضار الدواء الذي يصفه الطبيب، ليذهب الله ما بفتاتك من مرض معيب فانزوت إلى ابنتها مسرعة فكشفت عنها الغطاء، وهي تتمتم دواء بلا عطاء، دواء بلا عطاء، فأجلت فيها نظر الطبيب المزعوم، فنظرت إلي نظرت الضعيف المحروم، ثم قالت : يا عم ادع الله لي بالشفاء، وصف لي دواء يذهب ما يتغشاني من أدواء، وأنا في تلك الحال تعارك بداخلي الجوع والرحمة فدعوت للفتاة بقلب خالص، فارتعدت لدي من جور الجوع الفرائص، فمسحت على رأس الفتاة ثم قلت لأمها الرقطاء، التي منعت عني العطاء : إن ابنتك يا خاله سيشفيها الله تعالى فما من داء إلا وله دواء، ولكن لا بد من الأخذ بالأسباب، حتى نفقد بسبب المرض الأهل والأحباب قالت العجوز : وما علاجها إن كنت من الصادقين ؟ قلت : علاجها أن تذبحي خروفًا سمينًا في الحال، ولا يقوم بذبحه إلا صنديد من الرجال، ثم خذي جلده بعد سلخه وهو لا يزال دافئًا، ثم ألبسي فتاتك جلد الخروف، وسيذهب كل ما بها من عجز وخوف، ولا تنزعيه عنها إلا بعد ثلاثة أيام بلياليهن. فقالت : أنا عجوز كما ترى لا أستطيع، فدونك ما تراه صالحًا من هذا القطيع، فأسرعتُ إلى الخروف المقصود، ثم شحذت شفرتي وكبرت باسم الخالق المعبود، وذبحته ثم سلخته وأسرعتُ بالجلد إلى العجوز لتضعه على ابنتها، أما نحن فقد تقاسمنا المهام ما بين من يجمع الحطب ويوقد النار، بين من يهيئ اللحم بين صفيف شواء أو قدير معجل، وقضينا يومنا في بحبوحة من الرزق، ساقه الله إلينا بشيء من النباهة والحذق، فما كاد يتنفس صباح اليوم الثاني حتى فارقنا الديار، لئلا يفضح أمرنا فيجلب علينا الخزي والعار، وخرجنا من القرية على حين غفلة من أهلها خائفين نترقب، لا نملك في سفرنا زادًا ولا مركب، حتى وصلنا مكة المكرمة فمكثنا فيها ما شاء الله أن نمكث فاشتقنا للعودة إلى الديار والأهل، فقررنا العودة ونحن نقطع الجبل والسهل، وعندما اقتربنا من مكان العجوز والفتاة المريضة، ذبلت في نفوسنا فرحة العودة العريضة، إذ ربما ترانا العجوز فتقيم علينا الحجة، وعندها تضيع منا المنافع وتفسد علينا الحجة، فقررنا أن نغير فينا المِرة، ونظهر في هيئة أخرى هذه المرة وبينا نحن في تلك الحال المزرية، إذا بقطيع تسوقه فتاة جميلة مغرية، أفقد جمالها منا الألباب، وساقتنا الدهشة بسببه إلى ثمة الباب، وخرجت فينا العجوز التي لا ننكرها تنادي في الصبية قائلة لها : اسألي هؤلاء الأشباح القادمين من تلقاء مكة عن الحكيم الطيب الذي كان دواؤه سببًا في شفائك علنا نرد عليه بعض جميله، فو الله لم تر عيني حكيمًا بارعًا مثله، وإني لمقسمة بالله إن مر بنا لأملأن بالدراهم جيوبه وحِثله، فما أن سمعنا المقال حتى انتشى فينا الحال، وبلغ منا العجب الغاية والمحال، عندها كشف الفقيه عن وجهه ولحيته، فصاحت العجوز قائلة : هو ورب الكعبة، أعرفه من لحيته وطول عرقوب كعبه. ولكن لم التنكر، وفيك يطيل الناس النظر والتفكر، فقلت لها : سامحك الله يا خالة إنما تنكرت حتى لا يعرفني الناس فيتبركون بي وأنت قد علمتِ ما علمتِ من أمري فاستريني سترك الله ولا تجلبي عليّ جهالة الناس، فيضيق صدري فأدعو على من جر إليّ التعاسة واليأس، فقالت العجوز : لا عليك، لا عليك، وإني لأعلم أن كل ذي نعمة محسود فلن أفضح سرك، ولا عجيب حكمتك وأمرك، ثم غابت غير بعيدة لتعود إلينا بثلاثة أكياس مليئة بالنقود، وقد كانت من قبل تظهر لنا العداوة والجحود، فأخذنا الأكياس، وخرجنا من عندها نمشي مشية العقلاء الأكياس، فما أن برحنا المكان حتى ثارت نفوسنا بالدهشة، وملأنا بالضحك والسرور ما بقي بيننا وبين بيوتنا من بعد ووحشة، مرتجزين قول القائل :
قد بت في فقر ٍ شديدٍ أشكو من الدنيا الدنيئة=فعقدت للسفر المظفر نية المـرء الجريئةْ
والحيلة الدهماء مني قد تولتها المشيئةْ =فالشكر لله الجليلِ على عطيته النســــيئة

 1  0  2208
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-06-23 07:57 صباحًا يزيد خالد العربي :
    سعادة الدكتور الشدوي ، يعلم الله إبداع جمالي أطربني شخصياً لك الدعاء والثناء ( أبو خالد ) .

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:05 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.