• ×

02:55 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ (وقفوهم إنهم مسئولون) (الصافات : 24) فهذه كلمة تربوية أوجهها إلى زملائي قادة الميدان التربوي مديري المدارس الكرام.
■ أولاً : مدير المدرسة ملكٌ في مملكة.
أخي مدير المدرسة أنت ملك في مملكة صغيرة، تأمر فيها وتنهى، ولَّاك الله أمرهم، ولك على الطلاب والمعلمين وجميع العملين حق السمع والطاعة. فاتق الله فيهم. فهم في رعايتك وأنت إمامهم (والْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) و (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة).
فالطلاب رعية، والمعلمون رعية، وترك المهمل منهم على إهماله غش له، وهضم حق أي : فرد منهم غش له، وغيبة أي : واحد منهم ظلم له.
فانْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَصْرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ : تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ. نسأل الله العفو والعافية.
وهذه الولاية يا إخوتي ابتلاءٌ واختبارٌ من الله تعالى لك. فالذي بوأك هذه المنزلة هو الله تعالى لم تأتك بجهدك ولا بذكائك ولا حتى بواسطة مخلوق مثلك بل الله هو الذي ابتلاك بهذا المنصب قال تعالى : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران : 26) بوأك هذه المنزلة ليبلوك فيما آتاك.
قال نبي الله سليمان ـ عليه السلام ـ في سورة النمل (38 - 41) : (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)).
فاتق الله تعالى فيها قال صلى الله عليه وسلم : (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ) صحيح البخاري.
قال ابن حجر في فتح الباري (13 / 126) قوله : (فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) أي : في الدنيا، (وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ)، أي : بعد الموت؛ لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يُفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه.
وقال غيره : (فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها. (وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ) عند الانفصال عنها بموت، أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه قال : (ما من رجل ولي عشرة إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يقضى بينه وبينهم) (حديث حسن صحيح) رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (مَا مِنْ وَالِي عَشَرَةٍ إِلاَّ يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولة يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ) مسند أحمد.
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا جِيءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةٌ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ حَتَّى يُطْلِقَهُ الْحَقُّ أَوْ يُوبِقَهُ) رواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة.
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَصَاعِدًا، إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلاَمَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية (إلا من عدل) رواه أحمد والطبراني في الكبير، وصححه الألباني.
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (يَا أَبَا ذَرٍّ , إنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي, وَإِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا, فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ, وَلَا تَلِيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.
أسأل الله العظيم أن يعينكم على أداء هذه الأمانة العظيمة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها إشفاقاً منها.

■ ثانياً : مدير المدرسة والأجر العظيم.
أحسب أنَّ أخي مدير المدرسة على خيرٍ عظيم، وسينال بمشيئة الله تعالى الأجر العظيم من الله إن احتسب الثواب منه سبحانه وتعالى.
فمدير المدرسة هو المنفِّذ الحقيقي لسياسات التعليم على أرض الواقع، ويجد من الجهد والعناء في سبيل ذلك الشيء الكثير. فكل كتاب وكرسي وسبورة وقلم وبرادة ماء، وكل حرْفٍ أو وعِلْم يُنتفع به يُلقى في هذه مدرستك ويُفيد منه الطلاب لينتفعوا به في حياتهم وبعد مماتهم لك مثل أجره، كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
فمدير المدرسة سببٌ في كل خيرٍ يحصل للطالب في المدرسة، فهو المعلم الأول فيها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير) المعجم الكبير للطبراني (8 / 234) و(إنَّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره) رواه ابن ماجه، وابن خزيمه، وصححه الألباني، فياله من أجرٍ عظيم !

■ سيرةٌ وعبرةٌ.
الإمام محمد بن أحمد بن الخياط القارئ عالمٌ من علماء القراءات، قضي من عمره نيفاًَ وستين عاماً في تعليم الناس علم القراءات العشر توفي في سنة 449 هـ، رآه أحد طلابه بعد وفاته في المنام فقال له : ما صنع الله بك يا إمام ؟
قال : غفر لي ورحمني.
فقال : بأي عملٍ غفر الله لك ورحمك ؟
فقال : بتعليمي صبيان المسلمين سورة الفاتحة. من كتاب معرفة القراء الكبار للذهبي.

■ ثالثاً : يد الله مع الجماعة.
أخي مدير المدرسة لن تروم نجاحاً، ولن تدرك فلاحاً في مدرستك إلا بتوفيق الله لك، ثم بتعاون زملائك المعلمين والإداريين معك !! وحتى تكونوا جميعاً في خندق واحدٍ؛ فعليك بأسر قلوبهم : بدماثة خلقك، ورجاحة عقلك، وبراعة حكمتك، ونور عدلك، ووقوفك معهم في كل محنة وشدة.
قال الله تبارك وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران : 159، 160) فضلاً اجعل هذه الآية دستورك في عملك الإداري، وفي تعاملك مع جميع من حولك، فقد جمعت الآية محاور الإدارة الناجحة من أطرافها. فالرحمة بهم، ولين الجانب لهم من غير ضعف، والبعد عن الغلظة والفظاظة في تعاملك معهم، والدعاء لهم بالتوفيق في أداء عملهم، والعفو عن المخطئ منهم، والاستغفار لهم في صلاتك وسجودك، وإشعارهم بقيمتهم وبوجودهم بمشاورتك لهم، ثم العزم الأكيد، وبعد هذه الأسباب لا تنس التوكل على الله؛ فالتوفيق بيده سبحانه وتعالى.
كل ذلك سيأسر قلوبهم، فتكونون عندئذ صفاً واحداً، تحققون النجاح وتجنون ثمرته بإذن الله.

■ رابعاً : إن لم تندفع إلى الأمام فإن تيار الحياة سيجرفك إلى الخلف.
س / ما هو آخر كتاب قرأته في عالم التربية ؟
أخي مدير المدرسة : أنت في عصر العلوم المتنوعة المتجددة، وعليك أن تحدد موقعك في عالم الحرف لتعرف أين أنت منه. ثم تعمل جاهداً على مواكبة الجديد والمفيد. فاقرأ، وواصل تعليمك، واحضر المنتديات، وشارك في برامج التدريب، واكتب، وألِّف، ولا تقف عند حد أبداً، حتى تكون متجدداً ومتألقاً. فالماء إذا بقي في مكانه يأْسنْ.
فالطبيب ـ مثلاً ـ يتابع الجديد في عالم الطب بعد تخرجه من كلية الطب، ويحضر المحاضرات والمنتديات التخصصية، بل يسافر في أصقاع المعمورة ليتعلم الجديد في مجال عمله، فلا يتسامع بمعرض للأدوات الطبية الحديثة إلا بادر إليه، ولا يسمع بندوة طبية أو مؤتمر طبي هنا أو هناك إلا سارع إليه، ينفق من ماله، ويبذل من جهده ووقته في سبيل معرفة الجديد في عالم الطب. فنحن التربويون أحق بذلك من باب أولى؛ لأنَّ المادة التي نتعامل معها ونعالجها هي. عقول أبنائنا الطلاب الغالية.

■ خامساً : العاقل الحصيف يفيد من أخطائه في المستقبل.
ولأننا بشر يصدر من الخطأ ويجرى علينا النسيان فحبذا أن تدوِّن كل خطأ وقع منك في هذا العام الدراسي الحالي، ثم تعمل على تلافيه في العام القادم بمشية الله تعالى : (فلَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ) رواه البخاري ومسلم.

■ سادساً : الحس الأبوي لدى مدير المدرسة.
من الضروري جداً أن يكون مدير المدرسة على اطلاع كامل بكل ما يدور في ميدان الطلاب خارج المدرسة قبل داخلها. كيف يفكرون ؟ وماذا يقرؤون ؟ وما هي شواغلهم واهتماماتهم ؟ وما هو الجديد من المصطلحات التي ينطقون بها ؟ وما هي المواقع التي يرتادونها على شبكة النت ؟ لأنه أبٌ مشفق على أبنائه، ويريد الخير لهم، فلابد أن يعرف كيف يخاطبهم ؟ وبأي لغة يحدثهم ؟ ولا سبيل لذلك إلا بالاطلاع على أحوالهم وأفكارهم عن كثب.

■ أخي مدير المدرسة :
ماذا تعرف عن التوت الأسود (البلاك بيري) أو ما يسمونه الماسنجر المفتوح ؟ وما هي استخدامات الطلاب له ؟ هل اطلعت على موقع (الفيس بك) لتعرف كم هو خطير على أخلاق الطلاب ؟
لقد أُجريت دراسة علمية تربوية على طلاب من سن (14-20) سنة في دول الخليج، نتج عنها أن أكثر من 60 % منهم يدخلون على شبكة النت بعد نوم آبائهم ليلاً ويستمرون كذلك حتى قُبيل الفجر بقليل، ومنهم من يواصل السهر إلى أن يذهب إلى المدرسة، وأنَّ 38 % منهم يشاهدون الأفلام الإباحية في هذا الوقت.
أخي الكريم : لابد أن تحيط علماً بكل ما يدور في أوساط الطلاب لتعرف كيف تتعامل معهم.
وحتى تكون مربياً مؤثراً في طلابك لأبد أن تكون محبوباً لديهم، وحتى تكون محبوباً لا بد أن تقترب منهم أكثر. فهل أنت متواجد في حس طلابك ؟ ألديك كلمة أسبوعية معهم ؟ هل تتناول كوب الشاي أثناء الفسحة الكبرى معهم في فناء المدرسة ؟ فكر وتأمل ولن تعدم فكرة نافعة.

■ أسأل الله تعالى أن يجعلك مباركاً نافعاً كالغيث أينما وقع نفع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 0  0  2241
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:55 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.