• ×

12:46 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ تطور الأساليب الفنية عبر الزمن في الحضارات الإنسانية المختلفة، يدل دلالة واضحة على تطور الجنس البشري وهذه سمة من السمات التي بفرضها ناموس الحياة، ويتم التطور عادة من مختلف التجارب المتراكمة وخبرات هذا الجنس الذي وقف صامداَ أمام قوة الطبيعة مفكراَ في كيفية ترويضها وسيطرته على بعض معطياتها التي تهمه عبر امتداد طويل من تاريخه، فكانت الإفرازات الفكرية للعقل البشرية أدت إلى تقم المعرفة والعلوم، وفتح أفاق الثقافة على مصراعيها أمامه.
فإذا صح لنا القول : (لا فن بلا إنسان، وجب كذلك القول : لا إنسان بلا فن)، فالفن والإنسان عنصران متلازمان لا يمكن فصل إحداهما عن الأخر، لأن تاريخهما واحد، وعمر الفن يوشك أن يكون هو نفسه عمر الإنسان، أن الأمل من نتاج الثاني، ولا يستطيع الثاني مادام له عقل يفكر وذاتية خاصة به، وإبداع يميزه عن غيره أن يعيش بمعزل عن القين الفنية وجماليات الطبيعة الخلابة، والتي تحيط به من كل حدب وصوب، وتقدم له المرة تلوة الأخرى الجرعات الجمالية التأملية المتتالية المنتظمة طيلة أوقات صحوة ونومه، فالفن والإنسان يسعيان إلى تحقيق هدف واحد هو تحقيق الالتزام بينهما والتأثر المتبادل في علاقتهما الديناميكية التي تشكل معطياتها دائماَ وفقاَ للظروف الحضارية التي يعيشها الفرد داخل المجتمع وما يفرضه هذا المجتمع من ضوابط تساعده على فهم الحياة فهماَ صحيحاَ بما يطلب من معطيات تؤدي به إلى التقدم والتطور المنشود.
وقد ساهمت المجتمعات البشرية في إفراز المبدعين من مفكرين ومثقفين وفنيين وحرفيين، بتسجيل إبداعاتهم على صفحات المورثات الحضارية لخبراتهم المتراكمة التي وصلت إلينا عبر بوابات الزمن وما سمحت به، فادت هذه المساهمات إلى ظهور نقلات نوعية وكيفية في حضارات الشعوب ونمو الرؤية الجديد للإنسان، فكان للفنان دوراَ إيجابياَ وفعالاَ لرؤية حاضره ومعني متفائل لمستقبل مجتمعه.
وهذا ما حدث في أربا أوائل القرن الخامس عشر ميلادي، عندما بدأ الفنان يعتز بفرديته وبفكره ويساهم بهما في تحضر وتقدم مجتمعه، بعد التخلص من الضوابط التي أحاطت به ردحاَ من الزمن والابتعاد عن الفن المتقن والخروج على ما كان سائداَ، فكانت النواة الأولى لنمو مذاهب الفن، إلا أنها لم تكن الانطلاقة الكبرى التي فتحة الإبداعات الفردية والذاتية على مصراعيها، بل كانت محكومة بضوابط وأطر دينية وعقائدية فرضها المجتمع الأدبي في ذلك الوقت والتي أدت بطريق مباشر إلى ظهور فن (الباروك) المهتم بخدمة الطبقة البرجوازية، وساعدت أيضاَ على ظهور الطراز أخر من الفن كان مهتماَ بخدمة الطبقة الحاكمة المعروفة بالطراز (الروكوكو).
وبهذا تحررت الحركات الفنية والفنان من قيود الكلاسيكية القديمة المفروضة عليه والتي كانت تعيق الفنان في التعرف على فرديته وذاته وطرح أفكاره، وكيف يكون له ذلك وقد كان يسخر مجهوده وفكره وكيانه لخدمة الكنيسة ورجالات الدين وتصوير كلما يملوه عليه.
إلا أن طراز الروكوكو اختفى شيئاَ فشيئاَ من بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789م، وظهر بها طراز فني استمد مقوماته من الفنون الإغريقية والرومانية عرف باسم الكلاسيكية ثم الطبيعية ومن ثم بالواقعية وبعد هذا خضع مفهوم الفن ولأول مرة للتأثير العلمي والاكتشافات الحديثة، بعد نظرية الضوء وعلاقته بالألوان، واختراع آلة التصوير ، فساهمت هذه الأحداث في ازدهار المذهب التأثيري وفي أوائل القرن العشرين بزغت بزور مذاهب جديدة ومتعددة من أهمها التكعيبية والتعبيرية والوحشية والمستقبلية، وعندما قامت الحرب العالمية الأولى أثرة الفوضى التي عمت البلاد في المجتمعات الإنسانية فثارت طائفة من الفنانين من شدة المآسي والأهوال التي خلفتها الحرب فتمردوا على القيم الإنسانية والجمالية الموروثة عن أجدادهم والمنزلة في شرائعهم وضربوا بها عرض الحائط، فاخرجوا أعمالاَ شاذة تحارب الفن أولاَ والأخلاق ثانياَ وكل ما هو جميل، فكان المذهب الدادائي والذي هيأ بدوره للمذهب السريالي والتجريدي، فهدف الأول إلى الغوص في اللاشعور على حين هدف الثاني للبحث في جمال الأشكال اللاموضوعية والهندسية ثم امتدت الحركات الفنية الحديثة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق هجرة الفنانين إليها أو الاقتناء من بعض محبي الفن الأمريكيين أو الذين زاروا الغرب من الفنانين وتأثروا بالفنون السائدة به فنقلوها إلى بلادهم، ولم تكن هذه الأعمال صور مطابقة لمثيلاتها في الغرب بل عولجت بطرق ملائمة لهذا البلد ولهذا العصر، فطهر الكثير من التحريف والابتكار والتجديد في الأعمال الفنية التشكيلية، واتسم معظمها بالسرعة والتلقائية، بعد أن تسلح فنان هذا العصر بالحرية التي لم ينعم بها قط فنان في سائر العصور السابقة، وما زالت الإفرازات الإبداعية تتوالى إلينا وتطالعنا كل يوم بما هو جديد ومفيد ومتقدم ومتطور في مجال الفن التشكيلي وجميع أنواع المعرفة والثقافة، كيف لا إذا ما عرفنا أن الإنسان والفن يسيران جنبناَ إلى جنب يأخذ كل منهما بزمام الآخر في تقدم متجدد للحياة على الدوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 0  0  4962
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:46 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.