• ×

09:19 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ توطئة :
كثيراً ما نتشدق بأصوات مرتفعة عن الأعداد الهائلة التي تقبل على المدرسة بداية السنة الدراسية من كل عام. كل وسائل الإعلام تجند لهذا الحدث العظيم، وإنه لعظيم حقاً، فلا تنكر العين ضوء الشمس إلا من رمد. ولكن كثيراً ما تخفت أصواتنا مع نهاية السنة نفسها عن الأعداد الهائلة التي تغادر المدرسة ليحتضنها الشارع بكل عيوبه وتشوهاته، ونمر على الحدث وكأنه لا حدث بالرغم من جلال الخطب وعظم المصيبة التي تحل بمدرستنا.
وكثيراً ما تقيم الأسر الولائم والأعياد عندما يكلل نشاط أبنائها بالنجاح، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى. إلا أن أسراً أخرى لم يحالف النجاح أبناءها لأسباب كثيرة توجه جام غضبها على المدرسة والمدرسين. إنّه الفشل المدرسي، هذا الغول الذي بدأ يؤرق مضاجع الكثير من دول العالم.
لم يظهر مفهوم الفشل المدرسي إلا حديثاً، بظهور إجبارية التعليم ومجانيته من الابتدائي إلى نهاية التعليم الثانوي، رغم أن كلمة الفشل لازمت الإنسان منذ عصور خلت، واكتوى بنارها الكثير من التلاميذ، إلا أنّها كانت محدودة المعنى والدلالة ولا تطلق إلا على مستوى الفرد، فنقول : رسب فلان في دراسته، رفض الدراسة، وجد صعوبة في التعلم، قليل الذكاء. وغيرها من المعاني. وبظهور المدرسة وتوافد الملايين من التلاميذ عليها، بدأت المهام تكبر والمسؤوليات تتعاظم والتكاليف تتفاقم.

■ حددت مهام المدرسة فيما يلي :
1 ـ مهمة تربوية تساعد الطفل ليكون مواطناً صالحاً.
2 ـ مهمة تعليمية توفر للطفل زاداً علمياً.
وأيّ تقصير في المهمتين تبدأ الملامح الأولى للفشل المدرسي في الظهور، وعلى سبيل الإيضاح : إذا لم ينجح الطفل في التعلم أو يتعلم بصعوبة مقارنة بزملائه التلاميذ، إذا لم يستطع التأقلم مع مجموعته والتكيف مع محيطه بسبب اختلال في تصرفاته واضطراب في علاقاته. في هذه الحال يتكلم الأساتذة والمربون عن الفشل الدراسي، ويعرفه البعض بأنه النتائج السيئة المتحصل عليها من طرف التلميذ التي تكون أدنى من الأهداف المسطرة له في التعليم، وفي مستوى سنه .. هو فشل مدرسي إذا كان على مستوى مجموعة صغيرة أو كبيرة من التلاميذ، وصعوبة في التعلم إذا كان على مستوى خاص بتلميذ واحد. وعلى أيّة حال هو خلل يقع في مسار التلميذ التعليمي.
عندما نرغب في تعليم الطفل السباحة أو ركوب الدراجة، لا نشك أبداً في عدم قدرة الطفل على التعلم، لأن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة فنجاحاً ثم إتقاناً، وهذا أكيد ! فلمَ يكون الأمر مختلفا بالنسبة للتعليم المدرسي ؟
الفشل ليس قدراً محتوماً كما يقول البعض. إنّ الرؤية الواضحة والتخطيط الجيد وتضافر جهود الجميع كفيل بتجاوز هذا الحاجز الذي يحول دون نجاح الكثير من التلاميذ.
إنّ توجيه أصابع الاتهام إلى المدرسة ينمّ عن قصور معرفي بهذا الموضوع، ولا يعقل أن تكون المدرسة وحدها صانعة لهذا الرجل الفاشل أو الناجح على حد سواء. فالأطراف كثيرة ومتشعبة ومحاولة التقرب منها لمعرفتها جيدا عملية صعبة ومعقدة.

● الانقطاع عن الدراسة : décrochage scolaire
هو انقطاع عن الدراسة قبل الحصول على شهادة نهاية التعليم الثانوي، نهاية التعليم الإجباري، ولا يتكلم المربون والسياسيون عن الانقطاع الدراسي إلا في المراحل التي تعد إجبارية بحكم القانون.
يكون قرار مقاطعة الدراسة نتيجة تراكم ظروف دراسية معقدة واجتماعية خاصة. هذه الظاهرة نصادفها في مرحلة التعليم الثانوي أكثر من المراحل التعليمية الأخرى.

● السببان الرئيسان اللذان يحددان قرار التلميذ بالتوقف عن الدراسة :
*1- صعوبة التعلم .
*2- اضطراب في السلوك .
إنّ معظم الدراسات التي تناولت هذا الجانب من الفشل المدرسي وجدت أن التلاميذ الراغبين في التوقف، مشاركتهم محدودة في القسم، اهتمامهم ضعيف بالدراسة، واجباتهم المنزلية مهملة، غياباتهم كثيرة، سلوكهم مرفوض من الأساتذة ومن إدارة المؤسسة، نتائجهم الدراسية هزيلة، رغبتهم في الخروج من القسم قوية بسبب الملل الذي ينتابهم.
إن الوسط العائلي شديد الصلة بالنجاح المدرسي، وكل خلل ينتاب العائلة قد تكون نتائجه مباشرة على التلميذ. فالمستوى العلمي المحدود للوالدين، الصراعات داخل البيت، العنف، الطلاق أسباب رئيسية تؤدي إلى الفشل في التحصيل العلمي للتلميذ وبالتالي إلى الانقطاع والتوقف عن الدراسة.
قام بعض الباحثين بتقصي التلاميذ الذين ينتابهم خطر الانقطاع فوجدوا معظمهم من المجموعات التالية :
الذكور أكثر عرضة من الإناث، الريف والمناطق النائية يمثلان النسبة الكبيرة للانقطاع الدراسي مقارنة بالمناطق الحضرية، معاناة الأسر من التهميش والفقر، كثرة العيال، المستوى الدراسي المحدود للوالدين، معاناة التعليم العام من هذه الظاهرة أكثر من التعليم الخاص، الانقطاع عن الدراسة وليد أزمة القيم، انهيار الأسرة والأزمة الاقتصادية، تفاوت المدارس والثانويات من حيث نسبة المنقطعين، مما يوحي بعمل بعض الثانويات وتقاعس البعض الآخر.

● أرجع بعض الباحثين أسباب الانقطاع عن الدراسة إلى :
1. الرغبة في التوقف والانقطاع عن الدراسة.
2. الرغبة في العمل.
3. البلادة وعدم القدرة على الأعمال الفكرية.
سنحاول تحليل هذه الأسباب وتوضيح بعض ما يكتنفها من غموض، فالرغبة في الانقطاع دون مبرر يجعل الكلمة فضفاضة تحتمل أكثر من معنى. وكذلك الرغبة في العمل دون سبب مقبول.
لعل التحصيل الدراسي الهزيل هو السبب الرئيسي للانقطاع الدراسي، إلا أن التلاميذ يحاولون التملص من تبعات الفشل، وبالتالي يبررون سلوكهم وانقطاعهم عن الدراسة. لا يعترف الطالب بضعفه ولا بفشله، كل ما في الأمر يرجعه إلى ظروف دفعته إلى الخروج المبكر من المدرسة أو الثانوية.
إعادة السنة فرصة للتلميذ لدراسة البرنامج من جديد إلا أنها كثيرا ما تعطي نتائج سلبية، فتدفع بالطالب إلى التوقف عن الدراسة.
العامل السوسيو اقتصادي، فالأسر التي تعاني من الفقر والحرمان تدفع أبناءها إلى العمل لتقديم يد المساعدة لها، وكذلك العائلات المحرومة من الثقافة والتعليم، إهمالها وتقاعسها في تربية الأبناء يشجع هؤلاء على التوقف والانقطاع. وكذلك العائلات التي تعاني من الطلاق والأمراض الوراثية، كثيراً ما تكون عرضة للانقطاع عن الدراسة.
هذه العوامل الأساسية تضاف إليها عوامل أخرى خاصة مثل القيم التي تحاول المدرسة نشرها في أوساط التلاميذ تناسب فئة الإناث أكثر من فئة الذكور. فالنظام، الهدوء، الاستماع، الانضباط. كلها قيم كثيراً ما يتمرد عليها الذكور وبالتالي تترتب عليها اضطرابات في السلوك.
من خلال هذه الأسباب يتضح دور الأسرة والمدرسة جلياً، فالرغبة في الانقطاع عن الدراسة دون مبرر واضح، تتحمل تبعاته المدرسة، لأنها لم توفر للتلميذ الجو الملائم للتعليم، ولم تسع إلى معرفة مشاكله الاجتماعية والتربوية، ولم تقدم له يد المساعدة لتخطي العراقيل التي تنتابه ولا يقوى على تجاوزها.
كذلك يظهر دور الأسرة في عدم متابعتها لنشاط هذا التلميذ داخل المدرسة وعدم اقترابها منها وإيصال جسر المودة والتعارف بينهما خدمة للتلميذ. إلى جانب الأسباب الاقتصادية التي تعاني منها الأسرة كالفقر والحاجة فتشجع الطفل على العمل بدل الدراسة، وهذا ما يقع في كثير من دول العالم.
الفشل يتيم الأبويين، كما يقول المثل .. لا أحد من الناس يملك الشجاعة فيتبناه. ناهيك عن الفشل المدرسي الذي تحاول المدرسة من جهة والأسرة من جهة أخرى التنصل من تبعاته ولو إلى حين لأن الفاعلين الرئيسيين في خصام عنيد، لم يجلسا إلى طاولة واحدة فيتحاورا، ويأخذ كل ذي حق حقه، ويتحمل كل ذي مسؤولية مسؤوليته.
يرى لويس باستور أن الجسم إذا خلّص من جميع الميكروبات والجراثيم، أصبح سليماً معافى، وأصبحت جميع أعضائه تشتغل على ما يرام. يضيف كلود برنار الأهم هو ملاحظة هذا الجسم ومراقبته عندما يشتغل على هذه الصورة الجيدة.
كذلك هي علوم التربية التي من أولوياتها البحث عن أحسن الظروف الملائمة للتعليم وأنجع الطرق والوسائل التربوية لصناعة رجل الغد. ولكن، إن كانت المدرسة تعاني من أسباب الفشل والتسرب المدرسي، والأسرة تتقاعس في تحمل رسالتها تجاه أبنائها وبناتها، أيكون لما توصلت إليه أرقى النظريات التربوية فائدة ترجى ؟!
مهما يكن فالتلميذ الذي يفشل في دراسته سيفشل ـ عموماً ـ في حياته المستقبلية، وإذا سلمنا بسلامة الفكرة وصوابها فإن المدرسة والأسرة ينتجان الفاشلين في حياتهم أكثر من الناجحين ؟!
إنّ المقام لا يليق للبكاء ولا للعويل بقدر ما يليق بمحاولة تفهم هذه الظاهرة وتقديم الحلول الناجعة لها.

 0  0  3017
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:19 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.