• ×

01:25 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ إن من أعظم الجرائم واخطرها ـ فبعض الأفراد والمجتمعات لا يرونها جريمة؛ لعدم وجود عقوبة شرعية أو قانونية عليها ـ جريمة التربص وتصيد الأخطاء. جريمة تؤجج النفوس وتوغِر الصدور (المتربصون) الذين ينقلون لكم أو عنكم الأراجيف، يفرحون أشد الفرح عند نزول المصائب والبلايا، إنهم يثيرون النفوس ويُشعلون نار الحقد بكلمات توافق الأهواء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصفهم الله بقوله : (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح قالوا ألم نكن معكم) صفة ذميمة من صفات أهل النفاق.

المتربص بإخوانه المسلمين الباحث عن أخطائهم والـمُعَظِمَ زلاتهم هو منافق في قلبه سواد عظيم لا ينجلي إلا بحب الخير لإخوانه المسلمين ولا يغسله إلا بإيجاد العذر لمن أساء لهم.

إن تصيد الأخطاء من الأمور التي لا ترضاها النفوس مهما كانت سامية، فما لا تحبه لنفسك لا تحبه لغير قال صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه) إن أصحاب القلوب الطيبة لا تحمل في داخلها الضغينة والحقد، ولا توافق أصحاب القلوب الخبيثة الذين يتكلمون في أعراض إخوانهم ويلمزونهم بكلمات ظاهرها الخير والصلاح.

ليست هناك مشكلة، هناك شخص يبحث لإثارة المشكلة وتبعاتها، فكل الأشياء تحمل عدة وجوه وتفسيرات، ولكن نحن نحدد رؤيتنا لها من خلال طريقة تفكيرنا، هناك من يتصيّد الأخطاء، ويستمتع في البحث عنها وإثارتها، وآخر يتغافل عن الأخطاء، ويوجه نظره نحو الإيجابيات.

الفرق بينهما أن الأول يخلق المشاكل لذاته قبل الآخرين، تصبح علاقاته متوترة، يعيش هاجس الشك والمؤامرة فيخسر القريب قبل البعيد. أما الآخر فإنه يتجاوز أخطاء الغير ويحاول أن يوجد المبرر لأخطائهم فهو يساعد نفسه في العيش بسعادة والبعد عن المنغصات، هو في الواقع يساعد نفسه قبل غيره.

الأخطاء تقع ونحن لسنا ملائكة، وتقبل وقوع الأخطاء والتجاوزات جزء من واقعية الحياة، والأشخاص الكبار من الداخل، الواثقون من أنفسهم هم الأكثر ميلاً للتسامح والترفع عن تصيّد أخطاء الآخرين، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، هؤلاء يتمتعون دائماً بأريحية واسعة، تجعلهم دائماً متصالحين مع أنفسهم، بعيدين عن التوتر والصراع.

تصيد الأخطاء أسلوب سلبي، يلجأ إليه البعض ليثبت لنفسه أن بقية الناس ليسوا أفضل منه، فهم أيضاً يخطئون، وربما يكون مبرره عند البعض هاجسه الخوف والشك، وأحياناً يكون المبرر بحثاً عن مثالية وهمية لكن بغض النظر عن المبررات، فالنتيجة أن تصّيد الأخطاء يباعد بين هذا الشخص والآخرين، ويزرع بذور خلافات يكون الناس في كثير من الأحيان في غنى عنها.

التسامح يمنح الإنسان فضاء واسعاً، ويجعل القضايا مهما كبرت صغيرة في نظره، وبالتالي تختصر على الإنسان الكثير من المسائل التي تستهلك طاقة ووقتاً، فالعمر أقصر مما نتخيل، ومن الظلم أن نخسر جزءاً منه في صراعات لا تجدي.
كل واقع في الحياة يحمل عدة تفسيرات، ولكن من الخطأ أن ننسى كل الضوء لننشغل بالظلال، الخير موجود في داخلنا، نحتاج فقط أن نجعل هذا النور يصل للآخرين،
أن نمد الجسور بدلاً من أن ننسفها، عندما نمنح الحب للآخرين فنحن بطريقة غير مباشرة نهدي السعادة لأنفسنا، قد لا تستطيع أن تكسب هذا الشخص كصديق اليوم؛ ولكن هذا لا يعني أبداً تصنيفه في خانة الأعداء، يقول بشار بن بُرد :
إذا كنتَ في كُلِّ الأُمُورِ مُعاتِباً ● ● ● صَدِيقَكَ، لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُهْ
فعِشْ واِحداً، أو صِلْ أخاك، فإنَّهُ ● ● ● مُقارِفُ ذَنْبٍ تارَةً ومُجانِبُهْ
فبعض الناس يُحب أن يتصيد أخطاء الآخرين فتجده يقول : (لو أنه قال كذا أو لم يقل كذا) بل أن تصيٌد أخطاء غيره أصبح فيروس أُصيب به، فتجده يبحث عن أيِّ خطأ ويفرح به ويمسكه عليه.
رحم الله الإمام أحمد عندما قيل له إن التغافل تسعة أعشار العقل, قال : (بل هو العقل كله).

■ متى نستخدم فن التغافل بدلاً من التصٌيد وكيف ؟ جواب هذا السؤال في المقال القادم بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

 0  0  7475
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:25 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.