• ×

09:48 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ أحمد الله تعالى وأثني عليه، وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبدالله وعلى آله وأزواجه الأطهار.
لكل شيئ عمر افتراضي, وطاقة محدودة نافدة مصيرها إلى الفناء؛ وليست قابلة إلى الاسترجاع؛ فهذا رجل قد بلغ التسعين من العمر، وشعر بأنه أصبح يبذل جهداً مضاعفاً في محاولة تذكر بعض أسماء أصدقائه القدامى، أو الأماكن التي كان يرتادها معهم، في أيام خلت، بالإضافة إلى ضعف عام يكسو جسده الذي غدا أرضاً خصبة للكثير من الأمراض؛ لضعف المناعة بشكل عام، فالأمراض غدت كالنوازل المفاجئة، تداهم ذلك الجسد الضعيف، ولا غرو فإنها من سنن الله عز وجل التي سير بها كافة مخلوقاته : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (1).

■ ثقافة (مشي الحال !) :
إن بعض الأمراض والفيروسات التي يتعرض لها الإنسان والتي تهاجم جهازه المناعي، تكسب الإنسان مناعة قوية ضد نوع الفيروس المسبب لها، وقد يتوقف ذلك على نوع معين من الفيروسات، دون أنواع أخرى؛ وعلى سبيل المثال, فإن ما يعرف بمرض (الايبولا النزفية) الذي يصيب الإنسان عن طريق العدوى بين العاملين في المرافق الصحية، أو الاتصال المباشر بين الشخص المصاب والسليم؛ له الميزة التي ذكرناها (2).
وعليه، فإن الله تعالى منح الإنسان مقاومة ضد بعض الفيروسات التي تتوغل في جسمه؛ بغية الفتك بجهازه المناعي، ومن ثم إتلاف باقي الأعضاء والخلايا، ولكن من لطفه جلت قدرته؛ أن هيأ للإنسان جهازاً دفاعياً يقف للحيلولة دون تعرضه للإصابة بالمرض؛ ولنا أن نتأمل قول النبي عليه الصلاة والسلام : (ما أنزل الله داءاً إلا و أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله) (3) حيث أنها دعوة لأخذ العلاج والتداوي، الذي يتضافر مع مناعة الإنسان - بعد مشيئة الله - للقضاء على المرض.
والتداوي من الأمراض أمر لا بد منه للتغلب عليها؛ وللعيش بهناء؛ يقول المصطفى صلى الله عليه و سلم : (عباد الله تداووا ولا تتداووا بحرام).
أما ما يلاحظ على كثير من الناس، الإهمال في الفحص الدوري للجسم ولوظائف الأعضاء مثل الكلى والكبد والقلب وغيرها، تاركين ذلك للزمن أو لأسباب قد لا يوجد لها تفسير غير الجهل وضعف الوعي والتثقيف الصحي؛ وقد يتذرع البعض لذلك في ارتفاع كلفة الفحوص الطبية والتحاليل المخبرية - وقد يكون ذلك صحيحاً - بينما ينفق بعضهم الآلاف في وسائل الترفيه والسفر وغيره ! ضاربين الصحة والعناية بها عرض الحائط؛ أو يضعونها في آخر القائمة !
ونحن نعرف أن كثيراً مما ورثناه من المعتقدات والمفاهيم من الآباء والأجداد؛ يلعب دوراً ليس بالبسيط في تشكيل وعينا العام بالحياة، وأنماط العيش، لكن ليس كل ما في تلك صحيح ومما يعد واقعياً ويناسب روح العصر ! فالعيش على نمط (الموت واحد والرب واحد !) كما يردد البعض؛ ليس من العقلانية في شيء، ولا يعد من التوكل على الله تعالى؛ لأن التوكل على الله يكون مع اتخاذ الأسباب، وليس بالتفريط فيها أو الجهل بها .. ومما حسنه الألباني رحمه الله، أن رجلاً قال : (يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل قال أعقلها وتوكل) رواه الترمذي.
ومما يسترعي الانتباه تغلغل هذا الإهمال واللامبالاة في العناية بالصحة، حتى بين بعض المتعلمين والمثقين؛ ومن المدهش أن بعضهم يعتقد أنه عندما يذهب للطبيب، لإجراء الفحوصات اللازمة؛ ربما يكتشف أنه مريض بالداء الفلاني، أو به علة ما، وأنه بمعرفته ذلك؛ سوف تتكدر حياته، وسوف يفقد صفاء الذهن أو يصاب بنوع من الاحباط ! ويجهل أنه من أفضل وسائل العلاج للأمراض؛ الاكتشاف المبكر لها؛ مما يساعد على معرفة أفضل السبل للتعامل معها، ومن ثم الشفاء منها بعد مشيئة الله.
نحن نحتاج إلى تثقيف صحي مستمر؛ بالإضافة إلى الاعتدال في تناول الطعام، وممارسة الرياضة بشكل منتظم، لما لها من تعزيز لمناعة الجسم، والحفاظ على حيويته وصلاحه؛ للتقوي على طاعة الله تعالى أولاً، ثم العيش بسعادة وهناء.

■ وقد يكون في الكلمات المختصرة التالية؛ بعض الاستنتاجات المهمة :
التفكير بجدية في الفحص الطبي المستمر، وزيارة الطبيب كل ستة أشهر، أو حسب الاستطاعة.
التعامل والتعايش الصحيح مع الأمراض؛ وذلك بالتهيؤ النفسي وتقبلها، لأنها من قبيل الابتلاء الذي يمتحن الله تعالى به عباده، ليرى العبد الصابر المحتسب، ومن يضجر.
في حال الإصابة بمرض خطير - لا قدر الله - يفضل المتابعة الجادة والمستمرة، لمعرفة تطور المرض، وتاريخ بدايته، حيث يفضل أن يكون هناك طبيب مختص، يتفرغ للجلوس مع المريض، والتحدث إليه والتلاطف معه، وإبداء النصح له على الدوام. ومما يعد خطوة رائدة في نفس المجال؛ ما يعرف بلجنة أصدقاء المرضى، التي خصصت بعض أنشطتها لبعض الأمراض مثل الزهايمر؛ حيث أن من ضمن اهتماماتها؛ تثقيف وتدريب عائلات المصابين بهذا المرض، وتقديم المشورة اللازمة للتعامل الصحيح مع المريض، بالإضافة إلى الأنشطة الترفيهية، والنوادي الصحية؛ التي كثيراً ما تساعد على تحسين وضعية مرضى الزهايمر النفسية، وغيرهم من المرضى المصابين بأمراض أخرى.
أن تكون هناك أنشطة ثقافية أو ترفيهية أو تطوعية، يمارسها من يعانون أو يشتركون في نفس المرض؛ ليشعر جميعهم أنهم متكاتفون، ومتعاونون في تحقيق أهداف معينة؛ أولها التخفيف من غلواء الإصابة بالمرض، ثم المردود الإيجابي النفسي الذي ينعكس من خلال التفاعل والتعاون مع الآخرين، كجماعة واحدة لها نفس الهواجس والآمال. إن ذلك لا يخفف من آثار الأمراض السلبية فحسب؛ بل يمد روح المريض ونفسه بالغذاء الروحاني الذي يحتاجه؛ للتوكل على الله تعالى، الذي يشعره بالاطمئنان والسكينة؛ واحتساب الأجر والمثوبة منه.
إمداد المريض بجرعات تربوية تزيد من ثقته بنفسه، حيث من المحبذ أن يكون في المستشفيات والمراكز الطبية؛ قاعات عامة يجتمع فيها المرضى؛ وينصتون إلى محاضرة توعوية مثلاً، أو يتبادلون الأحاديث الودية فيما بينهم؛ أو التحدث عن بعض الهوايات والاهتمامات، وإن كان هناك مجال لممارستها؛ فهو أفضل.
إن الله تعالى فطر الإنسان على حب الحياة والترفه بملاذها؛ ولكن المفارقة الغريبة تكمن في أن الكثير من الناس، مع حبهم للحياة؛ لا يعرفون كيف يعيشون، بل لدى البعض منهم إحجام وكسل عجيبين في الاعتناء والرعاية الصحية اللازمة لأبدانهم وحتى عقولهم، وفي تطوير أنماط تفكيرهم !
وأخيراً فمن المهم أن يخصص المرء جزءاً من مرتبه الشهري؛ كادخار لتكاليف الفحص الطبي الذي يحتاجه؛ أو أي عمليات جراحية طارئة، يمكن أن يحتاجها في المستقبل - لا سمح الله - كأحد الخيارات الممكن اتخاذها حيال ذلك.

■ قاعدة (1 1 = 2) :
لو طلبت من مجموعة من الأشخاص أن يأتوك بناتج عملية حسابية، ولنقل مثلاً : (1 1) فإنهم قطعاً سيجزمون بأن الناتج هو (2)، لأن في تعامل العقل مع القيم الثابتة مثل الأرقام؛ وضوح وثبات شديدين؛ مما يجعل ثمة عملية سهلة جداً، وبالتالي فلا مجال للتباين والاختلاف، وتعدد الآراء. ولكن إذا طلبت من كل واحد منهم أن يصف لك رد فعله أو تصرفه مع شخص غير مهذب أو سيء الأخلاق؛ فلربما تتفاجىئ من تباين ردود الأفعال والانطباعات، عن ذلك الشخص، وتصنيفهم له.
والمقصد من هذا القول؛ أن التعامل مع الماديات هو تعامل يمكن أن نطلق عليه تعامل أحادي؛ أو ذو زاوية واحدة؛ مما يجعل الأشياء تبدو جامدة وتنزع إلى الثبات ولا تحتاج إلى كثير جهد للتمييز بين الجيد والرديء، والجميل والقبيح في معطياتها؛ ومن ثم توقع النتائج التي تتمخض عنها. غير أن التعامل مع ما يمكن أن نسميه القيم النسبية؛ فهو غير واضح ومبهم؛ ومعالجته ليست مناط اتفاق بل اجتهاد؛ يختلف التعاطي معها من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، بحسب التنشئة والعادات والتقاليد والثقافة التي درج عليها الناس.
والجوهري في هذه النقطة؛ هو أن نضع في وعينا أن العلاقات الاجتماعية؛ سواء القريبة جداً، مثل العلاقة بين الزوجين، أو الآباء والأمهات بأبنائهم، أو الإخوة أو ذوي القربى؛ هي غير متموضعة على فلسفة (1 1 =2) الرياضية.
نحن نعرف ونجزم بأن الصدق والحلم والصبر، وتحمل الأذى وسوء الأخلاق من أحد الزوجين مثلاً، أو الأبناء أو أحد الأقارب، أو الزملاء في العمل أو الجيران؛ يعد من صميم الأخلاق الإسلامية التي حثنا على التمسك والتحلي بها؛ نبينا صلوات الله عليه وسلامه، لكن لا يمكن أن نتوحد في التعاطي معها؛ لأن كل واحد منا له من المكتسبات والموروثات، والسمات الشخصية المختلفة؛ والتي تعد هي الأدوات والمفاتيح والمسوغات التي نستخدمها في فك شيفرات المواقف والحالات الإنسانية، التي تتجاذبنا أقطابها على مر الزمن !
ومما يلفت النظر في هذه المسألة المهمة؛ هو أنه من المستحيل أن ينفصل الواحد منا عن واقعه وتقلباته المختلفة؛ التي لها دور كبير في تشكيل نمط حياتنا - مع إيمانه و إيقانه بأكثر القيم والأخلاق الحميدة التي تدعو للتدين وحسن التعامل مع الآخر - ويتعامل مع أكثر القضايا في أشبه ما يكون (بكوكب ملائكي !) يتشح بالمثالية؛ وعلى سبيل المثال : كل المسلمين يعرفون أن الغيبة محرمة، ولكن كم منهم من يلتزم بالذب عن عرض أخيه المسلم، أو أن يمسك لسانه منها ؟
فهذا شخص يغتاب أحدهم، وإذا قيل له إن ذلك لا يجوز؛ فلربما قال : أعرف أن الغيبة حرام ولكن ما دعاني إلى ذلك؛ هو من شدة ما أجده من غيظ تجاه ذلك الرجل ! وهو بالطبع ليس سبيلاً لأن يتمادى في الغيبة .. و لكن كثيراً ما نلجأ للتسويغ والتبرير؛ لتحقيق حاجات تتوق لها أنفسنا؛ مع العلم بأنه ليس لنا الحق المطلق في ذلك، والأمثلة في هذا الباب كثيرة.
ولتقريب المعنى من خلال ذلك الرأي نقول :
في تعاملنا مع الآخرين وعلاقتنا بهم، أو التعامل مع القيم النسبية، على الطريقة التي ذكرناها (1 1=2) قد نخسر أكثر العلاقات، بل ربما كلها؛ لأن لها فلسفة مغايرة للفلسفة التي تسير عليها القيم الثابتة.
العواطف والمشاعر والهواجس، كل ذلك له تأثير في تشكيل حياتنا، وفي تحديد الأطر التي نتنقل داخلها؛ وفي بلورة الصورة الخارجية لشخصياتنا؛ وكثيراً ما تكون هي المرشد والقائد لنا في الحياة، وهي من جملة أهواء النفس؛ وقد نهينا أن نتبع أهوائنا لما قد يفضي ذلك إلى سوء العاقبة - عياذا بالله - يقول الله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (4) وإذا أدركنا أن الناس تحتل عواطفهم، جل حياتهم بل وتؤثر على سلوكهم بشكل يكاد يكون كاملاً لأنهم عاطفيون؛ قد نلتمس لهم العذر في أكثر الأحيان.
يقال : إذا غاب صوت العقل؛ ظهر صوت العاطفة؛ وذلك لأن في محاكمتنا لما نتعرض له من مواقف ومشكلات ومفاجآت .. يكون هناك أشبه بالصراع بين العاطفة والعقل، والغلبة قد لا تعرف لأي واحد منهم !
من الضروري فهم سنن الله تعالى في الخلق؛ لكيفية التعامل معها، لأن التعامل معها بوعي جيد؛ يجنبنا الاصطدام بها؛ مما يحقق لنا الشعور بالرضى والسعادة.

■ إذا اقتربت أسرعت الخطى ! وإذا ابتعدت تمهلت !
لطالما أننا نتحدث عن سنن الله تبارك وتعالى في خلقه؛ فهذه البسيطة التي نحيا على ظهرها، قد فطرها الله جلت قدرته على الدوران والحركة - وجميع الكواكب والنجوم وبقية الأجرام السماوية - فهي تدور حول نفسها بالطبع كما هو معروف، وتدور حول الشمس؛ لينتج عن ذلك الفصول الأربعة.
وقد ثبت فلكياً أن الأرض تدور حول الشمس في مدار يعرف (باللاهليلجي) أو البيضاوي الشكل؛ وأن الأرض عندما تقترب من الشمس - على حسب طريقة الدوران تلك - تزيد من سرعتها، لكي لا تجذبها الشمس بكتلتها الهائلة و تبتلعها - بحسب الدراسات الفلكية ذات الصلة - وعندما تبتعد عن الشمس؛ تبطء من سرعتها حتى لا تخرج من عقال الجاذيبة؛ فتضيع في الفضاء السحيق إلى الأبد ! (5)
ولا يسعنا حيال ذلك إلا أن نشكر الله تعالى على لطفه بنا و فضله علينا، وأن نتأمل طلاقة القدرة الإلهية العظيمة، وروعة الخلق والابداع، قال تعالى : (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (6).
وفي تصور شخصي لتلك العلاقة بين الكرة الأرضية، وبين الشمس؛ قد نستنتج لمحة فريدة، ولكن قبل ذلك أود التنويه إلى نقطة مهمة؛ وهي أننا كبشر كثيراً ما ننزع إلى حب التملك والفردية والتسلط، والأثرة والتميز على غيرنا؛ ونميل إلى التسيد في أغلب الأحيان، ولا نرغب في المنافسة أو المراهنة على أشياء وعلاقات؛ نعدها من المسائل التي لا سبيل إلى الجدال فيها؛ ولا غرو فإن أغلب ذلك هو من طبع البشر، ومما جبلت عليه النفوس؛ وهذه الطبيعة المتأصلة في البشر؛ تحدد الكثير من نوعية العلاقات التي نكونها مع الآخرين، وربما المدة الزمنية التي نحافظ فيها على استمرار تلك العلائق.
فالطفل ابن الثانية مثلاً يغار من أخيه الرضيع؛ لأنه يدرك تماماً أن ما يراه من محبة وتدليل زائدين من أبويه؛ ما هو إلا تفسير واضح للتفضيل وبالتالي الاستحواذ على كل المحبة، وكل أنواع المحبوبات والمرغوبات من أخيه المدلل؛ بينما يكون هو في المرتبة الثانية .. وهو يسعى دائماً في لفت انتباه أبويه؛ ليزيل ذلك الاهتمام والرعاية الزائدة التي تؤرقه؛ بل ربما يسعى إلى التخلص من ذلك الضيف ثقيل الظل ! والقصص التي تجسد غيرة الأطفال من إخوانهم الصغار كثيرة وعجيبة.

■ وبالعودة إلى الحديث عن الومضة البراقة التي تشع من سنة الله تعالى في الخلق (علاقة الأرض بالشمس) حيث أستشف منها الآتي :
نحن مطالبون بإيجاد نوع من التوازن والتوسط في علاقتنا ببعضنا البعض؛ فلا نميل كل الميل، ولا نقطع تلك العلاقة إلى الأبد؛ لأن في الاقتراب الزائد عن الحد؛ قد نضع أنفسنا في مواقف لم نكن نتوقع لها أن تحدث، وكذا في قطع العلاقات؛ فلربما نحرم أنفسنا وغيرنا مما يمكن لنا أن نستفيده من الآخرين، ومما يمكن لهم هم أن يجنوه من علاقتهم بنا.
وقد نلمح ذلك من خلال قوله تعالى : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (7) وكل ذلك يشير إلى التوسط في الأمر وعدم المبالغة وتجاوز الحد، إلا فيما كان مضمون النتائج؛ كالأعمال التي تقربنا إلى الله تعالى، وتزيد من أرصدتنا لما ندخره للآخرة.
كثيرة هي العلائق التي تبنى على المصالح العارية؛ فلا تلبث أن تزول بمجرد انتهاء الحاجة، فالعطاء دون انتظار المقابل، والحب الصافي المبذول دون مصالح موقوتة، أو ممزوج بأهواء مختلفة؛ يكاد يكون غير موجود إلا في أطر ضيقة جداً، فتلك أم يغالب جفنيها النوم فتقاومه؛ لتبقى على مراقبة ابنها الذي ارتفعت درجة حرارة جسمه؛ مما أرقها فآثرت السهر على النوم في الليل أو ربما النهار، وهي مملوئة أملا في أن يشافي الله ذلك الابن الحبيب إلى قلبها، والمفضل على روحها, وبينما يكبر ذلك الابن ويصبح شاباً فتياً؛ وقد يبدي من الضجر والانزعاج الشيء الكثير؛ عندما يقدم لأمه التي صارت عجوزاً الدواء أو الطعام !
قال حكيم : اجعل بينك وبين بعض الأشياء مسافة لا تتجاوزها في الاقتراب منها؛ لكي لا ترى عيوبها فتكرهها ! وفي ذلك القول الكثير من الحكمة والصواب؛ فكم من أناس عرفناهم عن بعد، وأعجبنا الكثير من صفاتهم وتعاملهم، ولكن عندما اقتربنا منهم؛ تغيرت تلك الصورة ورأينا ما لم يكن في الحسبان !
وفي أساليب وطرق الاعلانات والدعايات عن المنتجات التجارية؛ خير دليل وبرهان؛ حيث يرى المشاهد بريق وجمال المنتج التجاري؛ وقد سلطت الأضواء عليه بشكل جذاب وجميل، ولكن المفاجأة تحدث في بعض الأحيان؛ عندما نذهب ونشتري ذلك المنتج، فنكتشف الحقيقة التي لم تقع تحت دائرة الضوء !
وفي فهمنا للكثير من طباع الآخرين، وثقافاتهم وأنماط تفكيرهم، والنظم والبيئات التي ترعرعوا فيها يتخلق لدينا أرضية معرفية تساعدنا على فهم آفاق وأبعاد أكثر نضجاً وتبصراً في معالجة الكثير من الأمور والمسائل التي تواجهنا، على مسار الأيام، حيث لا تتركنا تلك المواجهات المختلفة مع الآخرين؛ في حيرة لا آخر لها، أو تجعلنا نقف مشدوهين، لا نعرف كيف نختار الحلول الأكثر فعالية تجاهها؛ بل تغذينا ببعض الطرق والوسائل التي تساعدنا في معالجة مشاكل الحياة المتنوعة؛ بشكل جيد.
وفي واقع الأمر، الكثير من المواقف والمشاكل والأزمات التي مر، ويمر بها أغلب الناس؛ هي متكررة ومتشابهة بشكل من الأشكال؛ فأغلب الأسر مثلاً تعاني من أبنائها المراهقين، بسبب تمردهم وحدة انفعالاتهم أو خروجهم عن طاعة الأبوين، أو بسبب سوء استخدامهم للتقنية، وهناك من يعاني من رئيسه في العمل؛ بسبب سوء معاملته مثلاً، أو تفضيله بعض الزملاء عن البعض الآخر، من غير وجه حق وهكذا.
وفي قراءة واعية للتاريخ؛ يتجلى لنا الكثير من تلك المواجهات والملابسات للقضايا التي تقض مضاجع الكثير من العقلاء والحكماء، والذين يهتمون بتفاصيل الأمور ويقرؤون ما بين السطور، ويتوقون للتمسك بطرف الخيط الذي يوصلهم لمعرفة الحقيقة، أما من كان همه لا يتعدى لقمة العيش، أو ما يجنيه في يومه وحسب؛ فربما يظل على حاله تلك إلى ما شاء الله، بل يعتبر ما ذكرناه من الاهتمامات العليا للإنسان؛ إنما هو في نظره من سقط المتاع !

■ محاربة الجهل والغمغمة :
من نزعات النفس الفضول وحب الاستطلاع؛ فعندما نذهب إلى مكان ما، لأول مرة وليكن مثلاً إحدى المطاعم؛ فإننا نبادر إلى محاولة أن نتعرف على موقع ذلك المطعم بدقة، وكم يبعد عن منزلنا مثلاً بالكيلومترات، ومن ثم معرفة أقرب مكان نعرفه؛ لنقارن المسافة التي تفصل بين الاثنين، ثم نقارن أنواع الطعام التي يقدمها ذلك المطعم، ومدى تشابهها أو اختلافها بأنواع الطعام التي تقدم في المطاعم الأخرى، ثم نقارن بين أسعار الأطباق التي يقدمها، ونحكم بينها وبين أسعار المطاعم الأخرى وهكذا.
إننا في هذه الحال نعمل على تقصي المعلومات التي ترسخت في أذهاننا خلال المواقف والخبرات التي مررنا بها عبر الزمن؛ ونقارن بينها وبين مستجدات الواقع، وذلك يحدث بلا وعي وشعور منا، أي على وجه التلقائية.
ولكن عندما تكون المعلومات التي اكتسبناها، قد أكل عليها الدهر وشرب، وأصبحت من مخلفات التاريخ؛ فإنها حتماً لن تساعدنا كثيراً في معالجة قضايا الواقع، بل ربما كان ضررها أكثر من نفعها؛ لأن الواقع في تغير مستمر، ولكل عصر روح، وروح العصر الذي نعيشه هو حضارة مندفعة نحو دمار شامل للإنسانية؛ إذا ما أحسن تثقيف وتوعية الإنسان، وإبعاده بقدر الإمكان عن مواطن الجهل ومنابعه، وتجلية الحقائق وإزالة الغبش الذي يكسوها، والغمغمة التي تسكنها.
يقول الرصافي :
وإذا ما الجهل خيم في البلاد • • • رأيت أسودها مسخت قرودا

وذلك لأن الجهل يصور الواقع خلافاً لما هو عليه؛ والجهل الذي نقصده هنا لا يكون بالضرورة هو عدم القراءة والكتابة، ولكن عدم معرفة الإنسان للأشياء، أو المعرفة الناقصة لها، أو الرؤية العمشاء لها، وإن للشيطان من المداخل والوسوسة للإنسان، واختلاق الصور والتهويمات الشيء الكثير؛ ولم يكن التوجيه النبوي - على صاحبه الصلاة والسلام - للرجلين الذين رأياه مع صفية بنت حيي زوجه - رضي الله عنها - إلا لتجلية الحقيقة وإزالة الغبش الذي يمكن للشيطان أن يلبسه عليهما، مما يدعوهما لسوء الظن، ولما نفيا ذلك؛ فقال لهما عليه الصلاة والسلام : (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا) رواه البخاري ومسلم.
وعليه فإن من محاربة الجهل في الصورة التي ذكرناها؛ هو تجلية وتوضيح الأمور بقدر الإمكان والتثبت؛ حتى لا نقع فريسة للأوهام والشكوك، ووسوسة الشيطان، وإلصاق الحقائق ما ليس فيها، وكما يقال : إن الطبيعة تكره الفراغ؛ وإذا لم تملأ العقول بالمعرفة والعلم الصحيحين، لم يبق لها إلا الأوهام والشكوك، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الروم الآية (54).
(2) مجلة العلوم والتقنية عدد (91) شهر رجب سنة 1430هـ.
(3) صحيح البخاري في الطب.
(4) سورة الكهف الآية (28).
(5) محاضرة عن الإعجاز العلمي ـ للدكتور محمد راتب النابلسي عن الأجرام السماوية.
(6) سورة لقمان الآية (11).
(7) سورة الإسراء الآية (29).

 0  0  4596
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:48 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.