• ×

05:14 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد :
ففي الموضوع همسة «2» السابق كنا قد تحدثنا عن بعض الحقائق وبعض المقترحات عن كيفية التعامل مع الأبناء في سن المراهقة، ونستكمل بعون الله تعالى جزءا من نفس الموضوع ثم ننتقل إلى مواضيع أخرى لعلي أسردها تحت عناوين فرعية، وبالله نستعين.

■ قلنا فيما سبق :
أن التعامل مع الأبناء في سن المراهقة يحتاج إلى كثير من التعقل وعدم التسرع في اتخاذ القرارات، لا سيما وأن كثيراً من الأبناء يعمدون ببعض أفعالهم إلى إثارة أعصابنا مما يضطرنا إلى الانفعال والذي قد ينتج منه رد فعل معاكس، كثيراً ما نلوم عليه أنفسنا، فيما بعد، حيث لا ينفع الندم، وأود هنا الإشارة إلى نقطة مهمة؛ حيث أن الأبناء ومما لا يغيب على كثير من الآباء والمربين - يختلفون عن بعضهم في تقبل النقد وأحياناً في العقاب، فتجد بعض الأبناء ممن يتأثرون على نحو ايجابي لمجرد أننا نغضب من تصرفاتهم السلبية، وأذكر أن أحد الآباء يقول : "إن واحداً من أبنائي الذكور ممن يحزن إذا رآني أعنفه وأوبخه لخطأ ارتكبه هو، فيسارع بإرضائي والاعتذار فور ما أنتهي من توبيخي له، أما الآخر فيبدي نوعاً من اللامبالاة وعدم الاكتراث للأمر برمته !".
ومما سبق يتضح الآتي : لكل ابن طريقة خاصة في التعامل، فبعض الأبناء قد يجدي معه مجرد التوبيخ والتأنيب كعقاب، ولا يشترط أن يكون نفس الأسلوب في العقاب فعالاً مع بقية إخوانه.

كما ذكرت في المقال السابق، كل إنسان له كيانه المستقل، وتركيبته النفسية الخاصة به، وقد يكون من المفيد كثيراً في التعامل مع الأبناء، معرفة ما يمكن أن نطلق عليه (الشيفرة) الخاصة لكل واحد منهم، وبمعرفة الكثير عنها، قد يساعدنا في التغلغل إلى أغوار نفوسهم، ومعرفة ما يجول فيها، فنجعلها جسراً للتواصل في تكوين علاقة حميمة معهم.
أكرر أن الحرية التي نمنحها للأبناء ليست نوعاً من التفلت وترك الحبل على الغارب، ولكن ثقة نهديها لهم، مع قلة عملية المراقبة غير الملحوظة، مع شيء من ابداء النصح والارشاد.

■ عنق الزجاجة.
بما أن الأبناء يكبرون وبمرورهم مرحلة المراهقة، وبتجاوزهم إياها هم يكتسبون شيئاً من الخبرة، ونحن كذلك نكبر معهم ونتجاوز مرحلة من العمر، هي تضيف إلى خبرتنا بعض الآفاق الجديدة، وقد قررت أن أطلق على المرحلتين (عنق الزجاجة) وأقصد بهذا المسمى هو أن الأبناء بعد تلك المرحلة أي المراهقة، قد تشكل كثير من أبعاد شخصياتهم وتبلور كثير من ملامحها، ويعدون بذلك أشخاصاً تكون لديهم كثير من النضج، واتضحت أمامهم بعض رؤى قد تساعدهم في عملية الاختيار وفهم الكثير من أمور الحياة العامة، ولا يعني أنهم أصبحوا مستقلين تمام الاستقلال ولم يعد الواحد منهم يحتاج إلى الإرشاد والتوجيه، ولكن أقصد أنه اتضحت لديهم كثير من الأمور التي كانوا يجهلون تبعاتها عندما كانوا أقرب إلى سن الأطفال منهم إلى سن الراشدين .. وبتجاوزهم بعد ذلك مزيداً من العمر، قد يصبح الواحد منهم شخصاً يمكن أن يوكل إليه بعض المهام والواجبات، بما أنه قد أصبحت لديه رؤية أوضح للحياة، وكأنه قد أخرج رأسه من فوهة القنينة وهذا الذي قصدته من المسمى - وهنا يساعده ما اكتسبه من خبرات تكونت لديه، والتي قد أسهمنا نحن الكثير منها كآباء في عملية التربية، بالإضافة إلى المدرسة ووسائل الإعلام، ليشقوا بعد ذلك الطريق، أما نحن بتجاوزنا نفس المرحلة، حيث أن العمليتين كليهما تتمان مع بعضهما البعض، وليستا بمعزل عن بعضهما؛ فقد نكون بذلك قد وصلنا عنق الزجاجة وكأننا أخرجنا رؤوسنا منها، لننظر إلى آفاق جديدة، ونتطلع إلى بعض خفايا وزوايا في الحياة، لم تتوفر لنا من قبل الفرصة للقيام بذلك، نظراً لانشغالنا بتربية الأبناء، وتوفير متطلبات العيش المختلفة، وهذا ما رغبت بالتحدث عنه في هذا المقال، ومن الله العون و السداد.

ونحن إذ نتحدث عن أنفسنا، لا نبتعد كثيراً عن دائرة التربية، إذ أن مظاهر التربية الجيدة والسيئة لا تغيب عن أعيننا أينما ذهبنا، وهي أعمق مما نتصور، فكثيراً مما نراه أمام أعيننا من تصرفات وسلوك وردود، هو خميرة تكونت من التربية والمعرفة والثقافة، ونظم قد ارتضعها المرء من لبان مجتمعه، فتكونت بناء عليها شخصيته، بابعادها الاجتماعية والنفسية والانفعالية، ونحن لا نغفل الوازع الديني عن مجمل العملية، حيث لا تقل أهمية ما اكتسبه الفرد من وازع ديني، في تكوين شخصيته ككل.

■ الإنسان مثل الكهف المظلم.
قد لا يتسنى للكثير منا فهم الدوافع والطبائع لكثير من الناس، حتى لمن هم قريبين منا إلا بعد تعرضنا نحن وهم لمواقف خاصة، تجلي لنا بعض خصائصهم وطبائعهم، وبالمقابل تجلي لهم هم شيئاً من طبائعنا ودوافعنا، وقد لا تسنح الفرصة لكلينا للحصول على ذلك، وبناء عليه، فإنه يظل الآخر بالنسبة لنا مثل اللغز الذي يحتاج الى تمحيص وتركيز لفك أجزائه، وقراءة ما بين سطوره، أو كالكهف المظلم الذي لا يرى ما بداخله للناظر من الخارج، حتى يبدأ بالدخول وسبر أغواره، فيتضح له بعد ذلك ما يمكن أن يكون مفاجآت وأمور لم تكن في الحسبان ! وقد قيل إن من الناس من لا يعرف إلا في السفر والترحال !

ذكر لي أحد الأصدقاء أنه ذات يوم كان يقف أمام اشارة المرور وقد كانت مضاءة (حمراء) لكلا الاتجاهين، الأيمن والأمام، فما كان من السائق الذي كان يقف خلفه إلا أن بادر باستخدام بوق سيارته، رغبة منه بالسير في الاتجاه الأيمن- والاشارة ما زالت حمراء - فنبهه صديقي بأن الاشارة ما زالت مضاءة باللون الأحمر، مما يعني الانتظار حتى تضاء بالأخضر ومن ثم يسمح لجميع السيارات، بالانطلاق، فلم يأبه السائق لذلك وظل يستخدم بوق السيارة وبدا عليه الضجر وأخذ يطلق عبارات، يُفهم من خلالها أنه غير سعيد بالتقيد بالنظام ! مما لفت انتباه بقية السائقين . فهذا الموقف كشف حقيقة من كان يجلس خلق المقود !، والذي كان من الممكن أن يتسبب في كارثة، قد يكون هو أول ضحاياها، بكسر النظام والعبور الممنوع، لولا عناية الله تعالى، ثم إصرار صديقي الحكيم، على التقيد بالنظام، الذي لم يوضع إلا لحماية الناس وأمنهم، وهب أن موقفاً مثل ذلك لم يحدث؛ لما عرف كيف يفكر ذلك السائق المشاكس.

وذاك موقف من عدة مواقف هي في الواقع، تجلي حقيقة مؤلمة يعيشها كثير من الناس، وتشرح نوعاً من مظاهر التخلف والرجعية التي عششت في نفوس الكثير مع الأسف.
وهي تعود لعدة أسباب قد يكون منها :
الضمور في بعض جوانب الوازع الداخلي، والسطحية في التفكير، حيث أن بعض الناس لم يتكون في أنفسهم جزء كبير من الضمير الذي يحثهم على احترام الأنظمة واحترام من يحترم النظام، ففي داخلهم شيء من التمرد عليها، وقد يرجع الى أسباب ليس المجال هنا للخوض فيها.
الجهل المعرفي والذي كون نوعاً من الانغلاق الفكري لدى بعض الناس، وهؤلاء الناس هو يعيش حياة أشبه بالسوائم التي تتحكم فيها غرائزها وأهوائها، وهذا خلاف لما خص الله تعالى به بني البشر حيث قال جل شأنه : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الاسراء : 70) والتفضيل هنا بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك. ومن معنى غير ذلك، يمكن لنا أن ندرج كل ما من شأنه الارتقاء بالإنسان وتحضره بعيداً عن كل ما يمكن أن يساويه ببقية المخلوقات، لأنه قد كلف بالخلافة واعمار الأرض، واعمار الأرض لا يمكن أن يكون من غير علم ومعرفة ونظام يسمو به الانسان ويرقيه ويجعله صاحب حضارات و تقدم.
قلة النماذج المشرقة والايجابية وندرتها، في هذا الزمن والتي يمكن أن تعد نموذجاً وقدوة، يسير على نهجها الآخرون، وأود أن أشير إلى أمر هنا مهم، وهو أن كثيراً من الناس لا يستوعب بعض الأخلاقيات والسلوكات بشكل واضح ومفهوم، إلا بعد رؤيتها متجسدة في قوالب سلوكية، والذي أقصده من هذا، أن كثيراً من الناس - مثلاً - لا يستوعب كيف يكون بر الوالدين إلا بعد رؤيته كسلوك واضح، في شخص يتودد الى والديه بالطاعة والرفق والكلام الطيب، والمؤانسة والتحبب لهما، ورعاية لشؤونهما، وحفظ أسرارهما والانفاق عليهما من ماله، واسكانهما في منزله وهكذا، حيث أن الناس لا يستوون في درجة الفهم والاستيعاب، لكثير من الأمور، ما لم تتوفر القدوات والنماذج الإيجابية، والأمثلة الحية، التي ترشدهم للسلوك الحسن، وقد كان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، خير قدوة، وأعظم نموذج، وضح كثيراً من المسائل والقضايا بالأمثلة الواضحة البسيطة التي راعى فيها صلوات ربي وسلامه عليه، جميع مستويات العقول والفهوم، ومنها ما روته عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وجمع بين السبابة والوسطى) حديث صحيح.
وذلك تبسيط منه صلى الله عليه وسلم، لأصحابه لفهم الفكرة من عظم أجر كفالة اليتيم، تغني عن شرح طويل، وقد يتسبب في التشويش للأذهان.
ذكرت بعض الدراسات في الشأن ذاته، أن كثيراً من المبادئ التي يؤمن بها الانسان لا تظهر على نحو مباشر، ولا تتحكم في تصرفاته بدون أن يكون هناك مؤثرات أخرى، مثل التربية والعادات الموروثة، والوراثة والتركيبة النفسية، والمصالح الشخصية .. لذلك الإنسان مما قد توجد تلك المؤثرات نوعاً من التشويه والتحريف لتلك المبادئ؛ فذلك أب يطلب من ابنه الصغير أن يخبر من جاء طارقاً للباب، بأنه غير موجود، لأنه يعرف أن الشخص الذي يقف بالخارج قد أدانه مبلغاً من المال، وجاء ليأخذ حقه، وهو أي الأب لا يملك المال، وفي نفس الوقت هو يعلم ما قد يتسبب عدم اعطائه المال للشخص الدائن، من قطيعة وانتهاء لعلاقة حميمة، وصداقة بين الاثنين، تترتب عليها أمورا أبعد من مجرد مبلغ من المال، ولذلك فهو يؤثر الكذب على الصدق، الذي قد يتسبب بكل تلك القطيعة ! ولا يعني ذلك أن موقفاً كهذا يعتبر مسوغاً للكذب، أو يبيحه، لكن الفكرة التي أود ايصالها للقارئ الكريم، أننا حين نشعر بالخطر ونوع من التهديد الذي قد يضر بنا ويمس أمننا قد نلجأ لخروقات للمبادئ والقيم التي نشأنا عليها، بل ونربي عليها أبنائنا، وهذا يجعلنا ندرك أن التزامنا للمبادئ نسبي، وغير كامل وواضح.

■ المصلحة أو المبدأ ؟
عندما نجد مجتمعاً أفراده ينتشر بينهم الفقر والعوز، وقلة ذات اليد ؛ فإن كثيراً منهم يلجأ إلى أخذ الرشوة والاستهانة بفعلها؛ مما يشكل ذلك ضغطاً شديداً على من هو متمسك بمبادئه العليا، ويجعله يتأرجح بين المبدأ أو المصلحة؛ فينظر إلى فقره والحاجة التي هو فيها، وربما من هم في وضعه؛ قد تحسن حالهم بسبب أنهم أخذوا الرشوة، وهو لا يزال يعاني من الفقر، ومن ناحية ثانية؛ يسمع صوت ضميره؛ مؤنباً إياه لمجرد أنه فكر بأخذ الرشوة، ويستمر ذلك الصراع حتى ربما تغلب المصلحة جميع المبادئ، ويتنازل عنها دفعة واحدة، ويقع في المحظور، وقد يجد المبرر المناسب لذلك ليسوغ له ما يجده فيه مصلحته، ويبقى بعد ذلك المبدأ؛ مجرد نظرية غير قابلة للتطبيق ! والله ولي الأمر والتدبير.

 0  0  2497
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:14 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.