• ×

08:56 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

◄ في البداية فإنني أعني المدرسة في وطننا الغالي تحديداً.
وفي البداية أيضاً فالمدرسة ليست المبنى ولا الطلاب ولا طاقم التعليم ولا المختبرات والملاعب.
ولكن ذلك كله.
والمدرسة كما يتفق الجميع هي الأسلوب الوحيد والعملي والمناسب لصناعة الجيل ..
وبالتالي فإننا سننجح في الفشل حين لا نأبه لها !
إنني عبر الكلمات القادمات سأعرض أمامكم ما أعتقد أنها أسباب رئيسة لفشل المدرسة في تحقيق الأهداف التي رسمت في سياسة التعليم في وطننا الغالي.
وإن العنوان وما تلاه يتضمن اعترافاً مؤسفاً ومخيفاً أن المدرسة : (تفشل)
وهذا يؤذينا لكنّه يدعونا ألا ننتظر حتى نرى بشكل أكثر إيذاء نتائج الفشل.
وإن كانت تلوح بشكل بائس.
ويدعونا جميعاً دون استثناء لأن نتغيّر !
أول خطوة في العلاج هي دائماً التشخيص الصحيح.
ومع أنني لا أزعم امتلاك دراسة عملية أو بحثاً تشخيصياً استقصائياً أو أي شيء يشبه ذلك كما لم أجد أثناء بحثي المتواصل ما يخدم الأمر. إلا أنني أؤكد للجميع أن الحديث لم يأت انطلاقا من نظرة انطباعية أو رؤية مزاجية أو تنظير عائم أو نقد لأجل النقد أو ..
كما يمكنني أن أعتبر تجوزاً أن عملي على مدى سنوات في إدارة التقويم الشامل وقبل ذلك في المدرسة يمنحني قدراً معقولاً لكي أكوّن رؤية ولو جزئية عما يحدث بل عن تفاصيل ما يجري في المدرسة تحديداً.
وبعد هذه المقدمة التي تمشي على استحياء فإن الأسباب متفرعة ومترابطة بشكل معقد لكن الذين يبحثون عن تحقيق الأهداف ويؤمنون بسمو الرسالة يمكنهم تحويل جميع المعيقات إلى حلول !

■ المعلم :
باختصار فإن المدرسة وفي قلب مفيد للسبب والنتيجة إذا نجحت فسيكون المعلم أيضاً الرقم الأول والصعب في طريق النجاح لكنّه وبحق سيكون ذات الرقم حين الفشل.
لا يمكن للقائد أن ينتصر حين تكون رماح الجنود مقلوبة وسيوفهم مغمدة وحين تكون رقابهم معقوفة طول الوقت للوراء !
وكما سبق وبما أن الأمور متشابكة فإن المعلم أيضاً ضمن سلسلة طويلة من الحلقات المتماسكة.
وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه.
فلا يمكننا أن ننتظر من المعلم أداء مميزاً ومستوى متقدماً إذا كانت الجامعة التي منحته رخصة القيادة لم تبنه كما يجب.
ثم لم يتلق تدريباً حقيقياً كما ينبغي.
والأهم من ذلك كله أنه يتساوى مع أكثر زملائه تفوقاً وتميزاً في جميع الصفات المالية ويتفوق عليهم ـ بحسب نظرة انهزامية كالحة ـ في كونه سيحظى بالقليل من الأعمال والأنشطة !
ضعف المستوى وغبش الرؤية وهزال الدافعية وفقد المنافسة وغياب الرقابة وانعدام المحاسبة.
كل ذلك وأكثر تراه وتكاد تمسه بيمينك حين تتجول بين الفصول أو تحظى بالبقاء لدقائق في غرفة المعلمين.
لم يعد الوقت مبكراً لنتحاور حول أهمية بناء نظام محكم يراقب ثم يحاسب الجميع وفق منهجية عادلة ومحكمة ومتوازنة, تمنح المقصر ردعاً والمبدع المتميز تكريماً ودفعاً.
سيصبح المعلمون أفضل وسيبحثون هم عما يطوّر أداءهم وينمي مهاراتهم إذا وجدوا أن الأمر يستحق, وأن للمتميز الكثير من الحوافز وللمقصر الكثير من العقوبات, إن التعويل على حياة الضمير, والمراهنة على الرقابة الذاتية, أثبتت خسارتها, وإن المنهج الرباني لم يرسل الرسل ويشرع الشرائع ثم يترك الناس يعملون وفق نواياهم الحسنة وطبائعهم التي يفترض أنها طيبة !
بل إنك لتجد نظاماً ربانياً محكماً في رصد أقل الحسنات ومضاعفتها وأقل السيئات وتسجيلها في كتاب لا يغادر.
وإن ذلك المطلب ببناء نظام محكم لا يقتصر على المعلمين فحسب, بل يجب أن يكون ذلك نظاماً عاماً في كل القطاعات, وإن الشركات الأجنبية لدينا تعرف جيداً كيف تأخذ من العاملين لديها لصالح تحقيق أهدافها لكنّها أيضاً توفر لهم حقوقهم كاملة من علاج وسكن وحوافز متعددة.
وهذا ما أدعو إليه, وهذا ما يجعل الأمور تستقيم ولو أننا نضع أمامه الكثير من العراقيل الوهمية فإن ذلك لا يعني أنه أقرب الطرق للوصول.
إن المطالبة ببناء نظام محاسبي ورقابي هي العنوان الكبير للنجاح, وهي التحدي الصعب لكي يتحول العمل الحكومي من جمعية خيرية لإعالة الموظفين والإنفاق عليهم تحت مظلة العمل إلى عمل مؤسسي محكم متوازن يحقق العدالة بمفهومها الواسع الذي لا يعني بالتأكيد التعسف والقسوة لكنه لا يعني قطعاً الفوضى والتهاون والتسيب.
إن ضعف الدافعية لدى الكثير من المعلمين, ووصف العمل التعليمي التربوي بالرتابة والخمول, ولغة التذمر ذات الصوت المرتفع في الأنحاء بين قطاع كبير من العاملين في الميدان التربوي, وحالة الإحباط واليأس تجاه دافعية الطلاب للتعلم والبحث والتفوق, إن كل ذلك ليس عذراً مقبولاً وليس سبباً مقنعاً لنتيجة أكثر ألماً وفجيعة.
ولو أن الجميع أدرك جيداً أن هناك ارتباط كبير بين تنقلهم من مستوى إلى آخر ومن علاوة إلى أخرى ومن موقع إلى موقع أفضل منه وبين مستوى الأداء لكان الأمر مختلفاً كثيراً عن واقع الحال !
إنك تعجب ويطول عجبك حين تنظر إلى واقع الكثير من المعلمين وهم يمضون العام الدراسي كاملاً دون أن يكون هناك كبير أثر على طلابهم في كلا الجانبين التربوي والتعليمي وتتساءل بعمق عن جدوى كل ما يبذل من وقت ومال !
ومع أن الصورة ليست دائماً قاتمة, وأن هناك الكثير من النماذج الإيجابية لكنّ حديثاً كهذا لا يغطي إلا أكبر مساحة معروضة من الصورة !

■ المدير :
الحديث يتقاطع كثيراً مع ما سبق حين نتحدث عن مديري المدارس.
ولو أن هناك فرقاً حاسماً بين الحالتين يتعلق بجانب القيادة وفقدان هذا المعنى في تفاصيل العمل التعليمي التربوي حين تتبع واقع الكثير من مديري المدارس.
وإذا كنا نفترض أن مدير المدرسة يجب أن يكون قائداً بالمفهوم الصحيح والواسع للقيادة تحت مظلة كل الشروط والمتطلبات التي يجب أن تتحقق فإننا من خلال دراسة منصفة تشخيصية سنذهل إذا علمنا أن نسبة كبيرة من أولئك يفتقدون الحد الأدنى من هذا الجانب الكبير والهام !
ومع أن نتائج دراسة مفترضة لن تكون مفاجئة لي فإن الأمر يبدو منطقياً إذا علمنا الطريقة التي تتبع حين اختيار أصحاب هذه المواقع ذات الخطر الكبير والمسئولية المضاعفة, كما لن نعجب إذا علمنا عن الميزات المخصصة لمثل هذه المواقع والصلاحيات الممنوحة !
وبالتالي فإن تلك المواقع لن تكون ذات بريق إلا للذين يريدون الابتعاد عن الفصل أو يرون أن هذه المواقع تخدم لديهم أمراً خاصاً لا يمكن أن يكون مفضياً إلى تميز أو تقدم أو إنجاز عدا بعض الحالات المميزة التي تمنح الأمر على المدى البعيد شيئاً من تفاؤل.
إن موقع مدير المدرسة ليعد أهم ما في المعادلة من حيث القيادة والإشراف على العمل التربوي التعليمي ولذلك فإن منحه الكثير من الميزات والصلاحيات مقدمة ضرورية لصناعة جيل كامل من المديرين الميدانيين ثم الفرز الدقيق للجميع والمحاسبة والمراقبة لأن المواقع ستبدو أفضل وبالتالي فإن الراغبين سيزدادون ومن هنا فلن نصبح في الجانب الأضعف من حيث الصبر على العديد من المديرين لأنهم وحدهم من وافق على تحمل الأعباء وتسيير الحال !
المعلم والمدير هما الجانب الإنساني الفعال في المدرسة, فيما سنعتبر أن البقية من الطاقم في حكمهم كالوكيل والمرشد الطلابي و ..
ومع أهمية بقية الجوانب الأخرى كالتجهيزات والمبنى إلا أنها لن تكون سبباً رئيساً للفشل, ولن تكون عائقاً للنجاح إذا ضمنّا تميّز ورغبة الجانب الإنساني في النجاح والعمل وتقديم الرسالة كما يجب.
وبما أنني حددت المدرسة في عنوان المقال فإنني لن أتحدث عن أطراف ذات علاقة وأهمية تشترك في تفاصيل العمل على رأسها الإشراف التربوي الذي يبدو كمقاتل بسيف من خشب !
وسيعيدنا للحديث عن جانب بناء النظام الرقابي المحاسبي من جديد, وإلى أن نتذكر أن بناء المشرف التربوي جيداً ليكون ناقلاً أميناً ومقوّماً رشيداً ومحاسباً دقيقاً مع دعمه تحفيزاً وتدريباً أجدى بكثير من بقاء الحال على ما هو عليه وإلا فإن قراراً منصفاً بإلغاء الإشراف سيكون أجدى من بعثرة الكثير من الجهود دون طائل, وإنفاق المزيد من الوقت في عملية باردة من الروتين الأشهب !
إنني من خلال ما مضى أحدد المشكلة في العنصر البشري من اللوحة, وأدعو ألا تذهب الأيام من جديد ونحن نراوح في أماكننا ونتشاور في جدوى أن نحول الأمر من عمل عشوائي شعاري رتيب إلى عمل مؤسسي متقن بني على أرض صلبة منظمة أساسها العدل والمراقبة والمحاسبة.

■ وكونوا بخير والوطن من خير إلى خير.

 0  0  3249
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:56 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.