• ×

07:04 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

◄ ليس سراً أن العنوان بعض كلمة خالدة أطلقها الصديق أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ حين نظر للمرة الأخيرة في الدنيا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكد من وفاته، وخرج إلى الناس وهم أشد ما يكونون أسفاً وحيرة، قال كلمته العامرة : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
وإن هذه الكلمة لعمر الحق تحمل الكثير من الدلالات، وليس أولها دلالة استمرارية العبادة، ودلالة صرف التعلق إلى الله وحده، ودلالة انتفاء التقديس للأشخاص والأماكن والأزمان إلا في حدود ما أنزل الله.
وهل أعظم من فراق الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل أكبر من ذلك في الأحداث يمكن أن يتكرر ! لكنها عظمة هذا الدين، في عظمة الخالق جلّ وتبارك وعز.
وها قد رحل رمضان فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد رحل وإن الله سبحانه وبحمده لا تأخذه سنة ولا نوم، ومن كان يعبد مكة، فإنه سيغادرها يوماً وإن الله معبود في كل مكان، ومن كان يعبد الحج فإن الحج سيأتي موسماً مشرقاً جلياً باهراً لكنه هو الآخر لا يلبث إلا أن يغادر وإن الله هو الحي القيوم.
هذه المعاني تمنح شعوراً مختلفا لنوعين من المؤمنين فإن المحبين المكلومين لرحيل رمضان الذين حين فارقهم رأيت وحشة في قلوبهم وإشفاقاً في أكبادهم كذلك الذي يصيب الحبيب إذا فارق حبيبه، فهؤلاء حين يتذكرون أن الله معهم أين ما كانوا حين يمسك أحدهم المصحف فيضمه إليه وحين يقدم رجله للمسجد في كل وقت فإن وحشته تذهب وشفقته تنقضي ويردد في صمت : وما عليّ إذا ذهب رمضان وربي يقبل طاعتي في كل حين ويسمع مناجاتي في كل وقت إن سألته أعطاني وإن دعوته أجابني وإن استغفرته غفر لي وإن تبت إليه تاب عليّ فيجتمع على قلبه ما تفرق منه وتقر عينه ويسكن فؤاده.
وأما النوع الثاني من المؤمنين فهم أولئك الذين تنشط نفوسهم في رمضان ويقوون بمن وما حولهم من إخوانهم ومن الجو العبادي العام فإذا رحل رمضان عادوا إلى الغفلة وعادت القلوب إلى الفتن فاستعرضتها عوداً، عوداً وقبلتها واستقدمتها وأدخلتها حجر القلوب وصوالينها وفرشت لها الأسرة ورمت لها المطارف والحشايا حتى باتت الذنوب في العظام ورجعت القلوب إلى ما يشقيها من الذنوب والخطايا فما هو إلا أن يتذكروا هذه المعاني ويتقرر لديهم أن الله العظيم الذي عبدوه واتقوه في رمضان معهم في كل وقت حتى تتصالح نفوسهم معهم حين تعلم صدقهم.
رحل رمضان وبقيت الصلاة المفروضة مطهرة للقلوب وبقيت صلاة الفجر جماعة مع المسلمين أماناً وضياء للمشائين في الظلم ونوراً إلى يوم القيامة، رحل رمضان والقران بين أيدينا هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، رحل رمضان ولكنّ معانيه التي صنعها في نفوس الطيبين باقية.
وهل جاء رمضان أصلاً إلا ليجدد القلوب للمزيد من الطاعات، ويحّفز النفوس لأيام عامرة بالعبادات.
تقبّل الله من الصائمين والقائمين وجبر كسر قلوب المقصّرين وألهمنا رشدنا.

 2  0  4050
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1432-10-03 12:06 صباحًا عبدالله محمد المالكي :
    موضوع رائع جدا جزاكم الله خير الجزاء وجعل ذلك في موازين حسناتكم وكل عام وأنتم بألف خير ...
  • #2
    1432-10-03 08:05 مساءً عماري جمال الدين :
    بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه،وبعد تقبل الله منا جميعا الصيام والقيام،وجعله في ميزان الحسنات، آمين آمين يارب العالمين. ورد إلينا عنوان: " من كان يعبد رمضان ..." صحيح يا أخي الكريم إنها ظاهرة سلبية مازالت منتشرة في ربوع وطننا العربي والإسلامي. حيث تجد بعض المسلمين يجتهدون ما شاء الله،ويقبلون على عبادة الله عز وجل ذاكرين تالين لكتاب الله عز وجل، وبمجرد أن بلغهم المولى تبارك وتعالى العيد حتى ينفضوا، وفيهجرون بيوت الله،وهنا لابد من طرح السؤال،ماذا حدث؟ أين ذهب هؤلاء العباد؟ لماذا أباحوا لأنفسهم هذا التقصير في الطاعات، لأنهم ربما أصبحوا يصلون في بيوتهم، على كل حال هو موقف مشين وينم عن سوء فهم لهذا الدين الحنيف، ولضعف في العقيدة. وإلا فإن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن يعبد الله فإن الله حي لا يموت. كذلك من كان يعبد رمضان 1432 هجري فإن رمضان 1432 هجري قد انتهى،ومن يعبد رب رمضان فإن رب رمضان حي لا يموت.قال تعالى:" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" (99 الحجر) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اتق الله حيثما كنت ..." (رواه الترمذي) قيل لبشر الحافي: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها" وسئل أحد العلماء: أيما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا.والأصل في صلة المسلم بربه أنها دائمة مستمرة، إلا أنه في هذا الشهر الفضيل يكثر من الذكر، ويزداد إقبالا على الله أكثر. وبعد رمضان يرجع إلى حالته العادية لكن لا يهجر المساجد، ويبقى محافظا على الصلوات والواجبات. أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:" أدومها وإن قل." وزاد مسلم، وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته.والمؤمن في الحقيقة عبد كيس فطن يحافظ على إنجازاته، أما الأحمق فإنه لا يعبأ بها وقد ينسفها في أي لحظة ولا حول ولا قوة إلا بالله.قال تعالى ناصحا لنا وموجها:" ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا..." (92 النحل) فلنحرص دائما على التواصل وتقوية الصلة بالخالق عز وجل، فهي أي الطاعة والعبادة بمثابة الحبل السري الذي يمدنا بسر وجودنا، فنحن أحوج إلى الطاعة من الهاء الذي نتنفسه، والماء البارد الذي نشربه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وألتمس من قاريء هذه الكلمات أن يدعو لصاحبها بالهداية والصلاح. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:04 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.