قراءة في ديوان "أفول المواجع" للشاعرة خديجة بوعلي

د. محمد الصفى بن عبدالقادر.
2146 مشاهدة
قراءة في ديوان الشاعرة خديجة بوعلي "أفول المواجع" ــ عندما يتحول الألم والوجع وقودا يلهب مشاعر الشاعر ويتذفق شلالا من الأشواق والحنين.
■ ونحن نتصفح ديوان "أفول المواجع" للشاعرة خديجة بوعلي تتضح لنا بشكل جلي الهيمنة الذاتية والموضوعية التي ترتكز عليها الشاعرة من خلال قصائدها ذات النفس الطويل على مستوى الكتابة وسبر أغوارها، من خلال جملة من الكلمات والرموز التي تستخدمها لإيصال الفكرة، قصائد تمثل خلجات أنثوية رقيقة بامتياز، متجلية في الوجد والشوق و لحنين والصفاء العذري، مع استحضار للصورة الذكورية كضرورة حاضرة في شعور الشاعرة ولا شعورها في إطار جدلية إنسانية وجودية، وواقعية، متباينة أساسها الحب والتجاهل، مع عشها للوطن كانتماء وجوهر للهوية، من خلال فضح القذارة التي تلوثه وتجعل مواطنيه تائهين في دوامة الانتظارات. ديوان "أفول المواجع" هو بمثابة لوحة أبدعتها شاعرة مبدعة، رسمتها بمشاعرها الرقيقة وبألوان حروفها المتزنة ومساحات تعبيرية يغلب عليها الأسلوب البسيط والمرن، الذي يجعل المتلقي يهيم في شلال من الأشواق والحنين النابع من قلب نابض بالحياة والروح المرهفة بالمشاعر الحساسة التي تتدفق ألما وحزنا.
ولعل أول ما يثير القارئ لأي كتاب هو عنوانه، كونه مفتاح مختلف مكوناته وعوالمه، وعتبة ديوان خديجة بوعلي الموسوم بـ "أفول المواجع" مفتاح نجاحه لأنه بكل بساطة أثار فضولي، بدءا من اللون الذي خط به، اللون الأبيض، لون البراءة والنقاء والأمل، مما جعلني أشرع في قراءته حال توصلي به، وإذا انتقلنا لمحاورة عتباته نجد أن الشاعرة قد جعلته يتفرع إلى وحدتين دلاليتين، كلمة (أفول) التي تشكل قيمة استثنائية لما تحمله من دلالات ترمز للغروب والزوال، وكلمة (المواجع) المضافة للأفول، وهي مواجع تحملها الذات المنهكة، مواجع قد يتقاسمها معها كل من يذوب في ذات شاعرية، وزوالها وأفولها مرتبط بعنوان العزيمة والإصرار اللذان تتسلح بهما الشاعرة للمواجهة، بغية تحقيق التوازن المرغوب فيه بين طموحات هذه الذات وإحباطات وانكسارات الواقع ولو من خلال الحلم كما عبرت عنه الشاعرة من خلال قصيدة "نكاية في الوجع" :
سأراقص الأغصان والوتر
أطرب ضفاف الحلم
ونوارس البحر
أنظم مع الريح طيب الأمل
سيقاني أفقا بها أحداق الملل
ضفائري
أمشطها بالحب والنغم
يتكون ديوان أفول المواجع من 94 صفحة من الحجم المتوسط، تتخلل محتوياته ثلاثون قصيدة، موزعة بين الحب والشوق والحنين المغلف بنوتات الألم التي تواجهها الشاعرة، كروح وذات، محاولة من خلالها ملامسة مواضيع ترتبط بتيمة الحب في مفهومه الواسع، الذي يحدد جوهر العملية الإبداعية عند الشاعرة خديجة بوعلي، وكقيمة للتشبث بالأمل والانفراج. على العموم فهذه بعض مضامين القصائد الشعرية في ديوان الشاعرة، التي تختزل مختلف الأسئلة التي تؤرق الذات الشاعرة، وتعكس مواقفها الفكرية ورؤيتها الوجودية، العشق والذات، العشق والآخر، العشق والوطن، إنها ثنائية الألم والإبداع كما عبر عنها الكاتب والناقد الجزائري "ابراهيم مشارة" "وإن كانت ثنائية الألم والإبداع ظاهرة موجودة في كل الكتابات الأدبية، قديما وحديثا، وسيظل الألم هو الطريق إلى ذروة الجلجلة على حد وصف شاعرنا إلياس أبي شبكة، ولكن المشكلة أنه ليس في مقدور أي إنسان أن يخلد معاناته ويؤبد ألمه ويفرض على الزمان اسمه وإبداعه وبذلك ينفلت من هاوية النسيان، فالإبداع في الأصل موهبة لها ملكاتها الفطرية في وجدان صاحبها ويكون الألم عند البعض الوقود الذي يلهب مشاعر الأديب فيسابق الريح ويحرق المراحل ويخلد في شرخ الشباب وفي نضارة الصبا".
إنها الذات المشبعة بالهموم والآلام، آلام الذات "والآخر" وآلام الأمة "الوطن العربي"، محولة إياها لسمفونية شعرية تتراقص أوتارها مشكلة لوحات لغوية وتصويرية بالغة الجمال في كل أبعادها الإنسانية والوطنية والوجدانية، جاعلة من العشق ذاك البلسم الذي يشفي كل الجراحات، وقد برعت الشاعرة خديجة بوعلي في تطرقها لموضوع الحب والدفاع عنه معتبرة غياها إكسير وأكسجين ومذاق وطعم الوجود وبدونه لا مكان لكينونة الإنسان لدرجة أنها شبهت في أحلامها محبوبها بالضياء متمنية أن يستمر ذاك الحلم إلى مالا نهاية، تقول في قصيدتها "عفوا" :
فأنت نكهة الحياة ولمعان اللون
أنت شلالات تتفتح بها
أسارير الكون
أنت الحب
مذاق الوجود والطعم
إكسير أنت ...
أكسجين في ذروة الحر
وكما للعشق لذة عند "بوعلي" فله شهقة عذاب مقرونة بموت المشاعر خصوصا عندما يحتد غياب الحبيب، وهو ما استأثر كثيرا على قصائد الديوان، ففي قصيدة "للغياب رنين" نقرأ ذاك الحزن العميق الصادر عن شوق وحنين للحبيب من أعماق الذات الشاعرة، جاعلة من الغياب جسدا فضا أحدث كسرا في هذه الذات "كسرني الغياب / أجلاني بين الهضاب/ والوهاد .. كسر مرآتي الغياب / ..." (1). وتارة نجدها تشبهه بالخريف العاصف الذي يأتي على الأخضر واليابس من العواطف والأحاسيس "عم الضباب العين والفؤاد/ غادرت البلابل الأغصان / تعطلت عن البوحو الغناء/ هل للربيع عود بعدك؟ / غيابك خريف للأبد " (2)، غياب حرك كل فصولها وتضاريسها وألهبها نارا تتلظى شوقا وحنينا ورعشة تجوبها طولا وعرضان محولا كل الأشياء الجميلة لمصدر حزن وألمن غياب يسلب للروح قدرتها على الحياة في ذاتها تاركا لها سوى أحلام متناثرة بأهداب عيونها كنور هادئ وعرشا لأمير روحها الغائب، معلنة له ولائها ورضاها، حين تقول :
أميرا للروح توجتك
بين الهدب والجفن
أسكنتك
عرشا رصعته بالزمرد
من أجلك
أهل و أهل أنت لذلك (3)
ورغم دروب الألم التي تسبح فيها الذات من غياب وبعد يبقى خيط الأمل معلقا من خلال الأخبار التي تأتيها عنه، أخبار بمثابة معبر أمان واطمئنان للذات المعلقة بسحر الحبيب وضياء وشحنة أمل في الحياة والبقاء، كونه بلسما شافيا من كل العلل والأوضاع، وربيعا تزهر به روحها (تنشر نورا يبدد ظلمة / اللوعة والاحتراق / بلسم أنت لكل الجراح / بك أفلت المواجع / وغادرت كواكب الحياة / سلسبيل أنت / تروي الأماني / وتبرعم المسرات )(4) لتدخل في حالة تضاد لما عليه بفعل المواجع التي تحاصرها من حين لحين، فرغم الغياب فتذكره بلسم من كل الأوجاع، وهو في نفس الآن موقظ لهذه الأوجاع (متى تتفتح الأماني / ويملأ عبقها أرجاء روح / مؤثثة بالضياع؟ / متى أستجمع أنفاسا / أذبلها الخريف) (5).
ويتضمن الديوان مجموعة همسات عاطفية وصور بلاغية تحاكي الذات "الجماعية"، بلغة عبرت من خلالها خديجة بوعلي عن حالات وأوضاع يومية يعيشها المواطن في ظل انتظار إصلاحات لم يكتب لها الانجاز على أرض الواقع، والتي تبقى من أسباب تخلفنا، انتظارات عبرت عنها بالهرم ووأد الأماني، كما جاء في قصيدتها "عندما تشيخ الأماني" ( هرمنا .. هرمنا / وشاخت أمانينا / ظننا أن التقدم / إلأى الأمام / لا، إلى الخلف / حتما سيؤوينا / هتكت شرائق آمالنا / فما اكتملت/ ولا أنارت عتماتنا) ليبقى التطلع للغد الأفضل حق مشروع، (سنظل ننشده / ما حيينا..).
وفي صورة شعرية بليغة المعاني نجد خديجة في غمار الحلم العربي المنشود، وهي تصرخ (كفى) مما تعانيه الشعوب العربية من استبداد وظلم وجور وقتل وتعذيب وفقر، لم يعد معها المواطن العربي يشعر بالأمان في موطنه وهو ما عبرت عنه في قصيدة "صدى الوجع" :
رمي الأمان بسهام
الغدر ظلما وجورا
هلع ... خوف ... وجع
بل خجل
في عيون
كل ذي نخوة
فبكل لغات العالم
كفى!
عموما وعلى سبيل الختم، فديوان "أفول المواجع" هو تعبير صادق عن أحاسيس مختمرة في الذات العاشقة (عشق للروح، عشق للآخر، عشق للحياة) بعمق أنين المواجع والمأساة الإنسانية، وعن الاغتراب الوجودي للإنسان في زحمة أسئلة أنطولوجية لدى الشاعرة "خديجة بوعلي"، محاولة فك خيوطها والوصول للحقيقة لإزالة حلكة البياض بأسلوب شاعري رقيق يتميز بالتكثيف والاختزال، والمزج بين ضراوة الواقع المعيش والتطلعات للغد الأفضل الذي نشده البشرية جمعاء حيث الحب والصفاء والرخاء والعدالة الاجتماعية والأمن بكل تلاوينه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ مراجع وهوامش :
(1) من قصيدة : للغياب رنين.
(2) من قصيدة : للغياب رنين.
(3) من قصيدة : أميرا أعلنتك.
(4) من قصيدة : أفول المواجع.
(5) من قصيدة : تساؤلات.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :