• ×

03:08 صباحًا , الأربعاء 6 شوال 1439 / 20 يونيو 2018

◄ صناعة اﻹرجاف.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد ..
فهذا بحث متمم لما سبقه "الرجم بالغيب والكهانة"، حيث كثرت الأراجيف التي يتزعمها كثير من الناس، والتي تتنبأ بكوارث تقضي على البشرية، وتنذر بفناء الدنيا وزوالها في أيام من هذه السنة أو التي تليها، وبعضهم يربط تلك الأراجيف بما يحصل اليوم في أمريكا وبعض دول الغرب من دمار وغرق وأعاصير، مما سمعنا عنه وشاهدنا بعض صوره.
يزعم كثير من المرجفين، ومعهم بعض الكهنة والمنجمين، أن هذه الشهور القريبة القادمة فيها دمار وهلاك ومصائب كونية، وزوال لممالك معينة، وكل ذلك مما يوحيه الشيطان لهم من أكاذيب، الغرض منها قذف الرعب في الناس، خاصة المؤمنين، وإشعال الفتن في البلاد والعباد.
وما يحدث في بلاد الغرب من هلاك ودمار؛ ليس بخارج عن السنن الكونية، وإن كان له إرهاصات سابقة فلكية وجيوغرافية، مما يمكن معرفة شيء منه بحساب ذوي الخبرة؛ ولكن - كما ذكرنا من قبل - إن هذا لا يقتضي أنه محتم حصوله، كما أنه لا يتعارض مع كونه تخويفاً للناس؛ ليتضرعوا إلى الله تعالى لكشفه أو تحويله، أو تخفيفه.

● فكلا أخذنا بذنبه,
وقد زعم بعض الجهال ممن ينتسب إلى الإسلام، أن ما يحصل في البلاد الغربية من مثل إعصار (هارفي) و (إرما) وما قد يتلوهما من أعاصير مدمرة، أن ذلك من الكوارث الطبيعية البحتة، التي لا ارتباط بها بالكفر والمعاصي والظلم الذي تقترفه تلكم الدول، حكومات وشعوباً، وينكر الجهال أن يكون هلاك أمريكا -مثلاً- علامة على غضب رباني، لما يقترفونه من عتو وتجبر وظلم في اﻷرض. وهؤلاء الجهال لو كانوا لا ينتسبون للإسلام لعذرناهم، أما وإنهم مسلمون ويزعمون المعرفة؛ فهذا إنما يدل على هجرهم للقرآن وتفسيره، وجهلهم بالسنن الشرعية في الناس.
وقصص القرآن متواترة في ذكر اﻷمم السابقة، قوم نوح، وعاد، وثمود، وشعيب، ولوط، وفرعون، وبني إسرائيل وغيرها، وما حصل لهم من عذاب ودمار وفناء، وأن سببه الكفر والمعاصي. فجاءها أمر الله، وتنوعت وسائل العذاب ومسالك الدمار، ولم يقل الله تعالى إنها مجرد كوارث طبيعية تحدث هكذا دون سبب؛ بل ذكر أنها حدثت بسبب الكفر والمعاصي والظلم والطغيان، وذكر أنه رفعها عن أناس وكشفها عنهم لما تابوا وأنابوا إلى ربهم.
وأنذر سبحانه هذه اﻷمة أن يصيبها مثل ما أصاب اﻷولين إن استمروا في الكفر والظلم وتكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى "وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد" (هود/59).
وقال تعالى "وأما عاد فاستكبروا في اﻷرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون -15- فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب اﻵخرة أخزى وهم لا ينصرون" (فصلت/16-15).
عاد كانوا أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش، ولهذا ذكروا كثيراً في القرآن، وأُنذرت قريش وكفار الجزيرة العربية أن يصيبهم مثل ما أصابهم، وهم يعلمون أنهم أضعف ممن سبقهم من اﻷمم.
وقال تعالى "فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به اﻷرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" (العنكبوت/40).
فذكر سبحانه أن تلك اﻷحداث المدمرة للأمم السابقة لم تكن مجرد كوارث طبيعية تحدث من غير أمر الله؛ بل هي عقوبة ربانية سببها ذنوب اﻷمم.
ولما ذكر الله تعالى ما حصل لقوم لوط، قال بعدها "وما هي من الظالمين ببعيد" (هود/83).
أي : وما هذه الحجارة التي أمطرت على قوم لوط، من مشركي قريش ببعيد أن يمطروا بمثلها؛ إن لم يتبوأ من شركهم. انظر تفسير ابن جرير.

● كشف العذاب بالتوبة.
وذكر سبحانه في كتابه الكريم أن أهل القرى لو تابوا إلى ربهم وتركوا الكفر والمعصية والظلم، وعملوا الصالحات، لكشف عنهم العذاب، وﻷنجاهم من المهالك (حتى لو كانت كوارث طبيعية) ﻷنها كلها مسيرة بأمر الله تعالى؛ فهو وحده من يصرفها حيث يشاء، ويوقعها على من يشاء، ويصرفها عمن يشاء.
قال تعالى "ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ" (هود/58).
فقد أخبر سبحانه أنه نجاهم ورحمهم ﻹيمانهم وصلاحهم.
وقال تعالى "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين -10- يغشى الناس هذا عذاب أليم -11- ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون 12...." إلى أن قال "إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون" (الدخان/15-10).
وقال تعالى عن قوم يونس "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين" (يونس/98) فعرفت قريش أن العذاب إنما يرفع باﻻستغاثة بالله وحده، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أن يدعو الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب.
وقوم فرعون كذلك؛ طلبوا من موسى أن يدعو ربه أن يكشف عنهم العذاب؛ كما قال تعالى "ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل" (اﻷعراف/134).
وقوم يونس لما كاد العذاب أن ينزل عليهم جأروا إلى الله تعالى، فرفع عنهم العذاب ﻹيمانهم ودعائهم، ولم يطلبوا من يونس أن يدعو لهم؛ بل هم دعوه بلا واسطة.

● الشماتة بأهل العذاب.
هل تجوز الشماتة بمن حلت عليهم الكوارث المدمرة؛ كما حصل لبعض الدول الكافرة في الشرق والغرب، وكما يحصل اﻵن في أمريكا؟
والجواب عن هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل وتعليل، وقد يختلف فيه الحال بين أهل الكفر من اﻷمم المتجبرة المعادية للإسلام والمسلمين، وبين اﻵخرين المسالمين أو المعاهدين.
لكن على كل حال؛ فإنه لا شك أن إضعاف قوة الكفار في اﻷرض؛ خاصة المتجبرين منهم والطغاة، مما يفرح له المسلمون وغيرهم ممن وقع عليهم ظلم واضطهاد. وتفصيل الجواب له بحث آخر؛ إن شاء الله تعالى.

● إرجاف الخوارج.
ومن أعظم أنواع اﻹرجاف، ما يقوم به دعاة الخروج على الوﻻة، ونشر اﻷكاذيب، لتهييج العامة ضد وﻻتها، وهذه من أعظم أبواب الفتن، وبسببها تألب الناس على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وقتلوه، وكسر باب الفتنة الكبير من ذلك اليوم ولم يغلق حتى الآن.
وأقرب الفتن المعاصرة في بلاد اﻹسلام اليوم، ما سمي زوراً وبهتاناً "الربيع العربي" قبل نحو ست سنوات، وما خلفه من فتن وحروب، وقتل وفساد في أكثر بلدان العرب: مصر ، وسوريا، وتونس، واليمن، وليبيا، وكادت تعصف ببلاد الحرمين؛ لكن الله بفضله ورحمته سلّم.
وقد سبق أن كتبنا في ذلك سبعة مقالات، وبينا فيها باﻷدلة المتواترة من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف ومذاهب فقهاء اﻷمة، أن الخروج على وﻻة الجور لا يجوز ديانة، ولا مصلحة فيه واقعاً، ومن شواهد آثاره الوخيمة : حال بلاد العرب اليوم التي جربته، وكيف آلت بها الحال إلى فتن وفوضى وسفك للدماء وانتهاك للأعراض وضياع في اﻷموال.
وقد كان السلف يتمثلون في مثل تلك الفتن بقول القائل :
الحرب أول ما تكون فَتيّةً = تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلتْ وشب ضِرامها = ولّت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء ينُكر لونها وتَغيّرت = مكروهةً للشم والتقبيل

● تحريم الخروج على وﻻة الجور.
ومن النصوص الصريحة في ترك الخروج على الوﻻة وإن جاروا :
1- قوله صلى الله عليه وآله وسلّم "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، إﻻ مات ميتة جاهلية" متفق عليه.

2- وقوله صلى الله عليه وآله وسلّم في حديث حذيفة "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي وﻻ يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس.
قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك.
قال : تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع" رواه مسلم.
وتأمل قوله في حديث حذيفة "رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس" كيف جمعت كل ما يمكن أن يحصل من شر وخبث وظلم وطغيان من الوﻻة؛ ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أمر الرعية بالسمع والطاعة، وأكدها مرتين، بالفعل المضارع، وبفعل الأمر، وذكر مثلين من أنواع الظلم : الجسدي والمالي.
فما من ذريعة يتذرع بها دعاة الفتنة والخروج في كل زمان عن جور الوﻻة إﻻ وشملها هذا الحديث.
فبأي حديث بعده يوقنون؟

3- والحديث اﻵخر يؤكده أيضا؛ وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلّم" إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها.
قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله.
قال : أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم" رواه البخاري.
واﻷثرة : هي ما يستأثر به الولاة ﻷنفسهم ولمن يتصل بهم، من أموال ومتاع؛ كما هو حاصل في كل زمان من بعد الخلافة الراشدة إلى يومنا هذا.
واﻷمور المنكرة : هي ما يتعلق بأمور الدين من مخالفات ومعاصي وسياسات تضاد الشريعة.
ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أن يؤدي الرعية الحق الذي عليهم للوﻻة؛ وهو السمع والطاعة في المعروف، وترك الخروج عليهم ومنابذتهم.
وأمرهم أن يسألوا الله تعالى الذي لهم من الحقوق على الوﻻة، وأن يتركوا منازعتهم؛ لأن فيها من الفتن والشرور ما يهلك بسببه العامة.

4- ويؤيد ذلك أيضاً حديث "أتاني جبريل فقال : إن أمتك مفتتنة من بعدك.
فقلت : من أين ؟
قال : من قبل أمرائهم وقرائهم.
يمنع اﻷمراء الناس الحقوق، فيطلبون حقوقهم فيفتنون.
قلت : فكيف يسلم من سلم منهم.
قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه. رواه اﻹسماعيلي من حديث عمر. انظر "فتح الباري".

5- ويؤيده كذلك حديث عدي بن حاتم حيث قال : قلنا يا رسول الله ﻻ نسألك عن طاعة من اتقى، ولكن من فعل وفعل - فذكر الشر - فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم "اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا" رواه ابن أبي عاصم في السنة.

● تكفير الولاة.
وما بقي لمن يدعو إلى الخروج والفتنة إﻻ أن يزعم أن الوﻻة كفار؛ ﻷنهم فعلوا كذا وكذا، وقوانينهم وسياساتهم كذا وكذا، فيكفرونهم متذرعين في ذلك بظواهر بعض النصوص، أو بما ذكره العلماء في إطلاق الكفر على مثل تلك السياسات.
وهنا يؤلفون بين هذا، وبين ما ورد في حديث عبادة "إﻻ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان". وكأن نصوص القرآن والسنة كلها اختزلت واختصرت في هذا النص.
ونحن أحق بهذا الحديث والعمل به منهم؛ فإننا لم نختزل الحق كله في نص واحد، فإن هذه صنيعة أهل الأهواء من الفرق، ممن ضلوا في الصفات والقدر وغير ذلك، وخاصة الخوارج الذين نظروا في بعض النصوص التي هي في ظاهرها قد تدل على ما ذهبوا إليه؛ لكنها في الحقيقة ليست كذلك.
وجماع فقه أهل اﻷهواء هو النظر في بعض النصوص وترك اﻵخر، كما قال ابن القيم :
نظروا بعيني أعور إذ فاتهم • • • نظر البصير وغارت العينان
وعندما صاح الخوارج بالكلمة المشهورة "ﻻ حكم إﻻ لله" رد عليهم علي بن أبي طالب "كلمة حق أريد بها باطل".
ونحن نقول : لو فرضنا -جدﻻً- أن بعض الولاة اليوم قد وقع في الكفر البواح الذي عند اﻷمة فيه من الله برهان، فهل هذا وحده يكفي في إباحة الخروج عليهم ؟
كلا؛ ﻷن هناك أموراً أخرى متعلقة بالمصالح والمفاسد، والقدرة على ذلك، دون إحداث فتنة أعظم في اﻷمة.
وقد أمرت الرسل الكرام أن يصبروا على وﻻة الكفر وأن يكتفوا بالدعوة والنصح باللين وبيان الحق وإقامة الحجة، وترك أمر التغيير بالقوة إلى الله تعالى، في الوقت الذي يشاؤه سبحانه ويختاره، ولم يعهد للرسل أن تختاره.
حتى وصل الأمر ببعض الرسل إلى اﻻستيئاس؛ لما طال أمد انتظارهم للنصر؛ كما قال تعالى "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا .." (يوسف/110).
وصبر نوح ألف سنة إﻻ خمسين عاماً، وصبر بعده موسى على ظلم فرعون عقوداً من الزمان، بل إن بعض الرسل قد قتلوا وكثيرٌ من أتباعهم من المؤمنين.

● الحذر من حراك السفهاء.
دعا بعض سفهاء اﻷحلام، دعاة الفتن إلى حراك يوم غد (15 سبتمبر) وبثوا في الفضائيات وفي مواقع التواصل الاجتماعي عبر النت حلقات يثيرون فيها الغوغاء من الناس على الخروج.
وظلوا يهيجون فيهم الحقد والغل على وﻻة هذه البلاد. ويعدون مثالبهم، بأساليب مثيرة، وتقاسموا اﻷدوار، فأحدهم تبنى الحراك، والآخر أمّن عليه .. وهكذا.
وتناقل الناس مقاطع لمجهولين مؤيدين لهذا الحراك السفيه.
أوَلم يكف هؤلاء ما حصل لتلك الدول العربية المجاورة من فتن ورزايا، وما آل إليه أمرها اﻵن؟ !!
أطاشت عقول الناس، الذين صدقوا مثل هذه الدعوات الجاهلية التي تريد أن تدمر آخر حصن للأمة، ببلاد الحرمين، بعد أن دمروا غيرها؟
انظروا- أيها العقلاء- إلى ما حل في مصر والشام واليمن وليبيا وغيرها من البلاء والفتن، وكيف آل اﻷمر بأهلها وكيف ضاع فيها اﻷمن، وسفكت فيها الدماء وانتهكت المحارم، حتى صار الناس هناك يتمنون أن يعود اﻷمر على ما كان عليه قبل ربيع الدجال!

● سبحان الله !
لو كان عند هؤلاء السفهاء، دعاة الفتن ذرة عقل؛ لنظروا بعين اﻻعتبار إلى حصاد تلك الفتن السابقة، ولعرفوا أن الخروج على الوﻻة ليس فيه خير؛ بل شره ظاهر، وبلاؤه قد عم وطم.
ﻻ تجلس مع مصري غير مفتون إﻻ وتسمعه يقول: عهد مبارك والله أفضل ألف مرة مما بعده، وكذلك الليبي يقول عن القذافي، وكلهم جربوا مثل ذلك الحراك اﻷسبوعي أيام الجمعات، فما رأوا فيه خيراً قط.
أيها الناس، يا أهل بلاد الحرمين، اتقوا الله، وكفوا عن سماع نعيق الدجالين والسفهاء، فوالله لن ينفعوكم بشيء، ولن يردوا لكم مظالم، ولن يعطوكم ذرة من حقوق تطلبونها، إنما هو النعيق من خلف الكاميرات، وهم وأبناؤهم وأهليهم آمنون، ويريدون أن يتاجروا بدمائكم وحرماتكم، ولو كان فيهم نخوة أو رجولة لقادوا هم هذا الحراك بأنفسهم، ﻻ أن يختبئوا في سراديب آمنة، ويجعلوكم حطباً لنار الفتنة هنا.
كل دعوات الخروج السابقة، التي تبناها القادة من قبل، كانوا هم أمام الجموع، وأصابهم وأهليهم البلاء قبل أن يصيب أتباعهم.
هذا الحسين بن علي رضي الله عنه، قتل هو ونفر من بنيه وأهله، وكذلك حفيدا الحسن بن علي، وكل من خرج بعدهم كانوا يتقدمون الجموع ويتلقون أول سهام الردع.
لا كهؤﻻء الجبناء الذين هم آمنون خارج البلاد، أو في سراديب وأماكن خفية.
يؤزونكم أنتم للخروج ويتاجرون بعدها بدمائكم ومصائبكم، كما رأينا صنيع دعاة الفتنة في الربيع الدموي، حين كانوا يصرخون خلف الميكروفونات، ثم يأوون إلى بيوتهم وأهليهم آمنين.
أين ( ... ) وأضرابهم من مئات الدعاة الذين ألبوا الجماهير الغفيرة على الخروج في مصر والشام واليمن وليبيا وغيرها، أين هم من تلك الحراكات والجمعات، جمعة الغضب وغيرها، أين كانوا هم وأوﻻدهم وأهليهم؟
أوليسوا كانوا آمنين يتنعمون، والجماهير تحترق بالنار.
أين الذين أخرجوا اﻷطفال والنساء في رابعة مصر وفي اليمن والشام، فذهب هؤلاء ضحية، وقتلوا بدم بارد، وانتهكت حرماتهم، والدعاة الجبناء قاعدون في بيوتهم مع ذويهم.
أيها العقلاء، ﻻ يغرنكم دعوات الفتن من أفواه الجبناء، فإنكم لن تصلوا إلى الوﻻة بشيء، حتى يقوم بعضكم بالسيف على أخيه وجاره وابن عمه. إي والله العظيم.
أوليس رجال الأمن والجيش منكم، من هذه البلاد، وفيهم من أقاربكم وجيرانكم وأصحابكم، أيرضيكم أن تلتقوا بإخوانكم في الدين والملة، بالسيف فيصدق فيكم الحديث "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"

● خاتمة :
أما بعد؛ فلقد أطلت كثيراً، وﻻ يزال للكلام بقية ..
والخلاصة مما سبق :
أن يتقي الله كل مسلم، ويذعن للحق الواضح البين، ويترك عنه الدخول في الفتن، طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وليصبر كما أمر، فإن الله تعالى سيثيبه على هذه الطاعة والصبر، وسيدخر له في اﻵخرة الباقية ما قد فاته في هذه الدنيا الفانية من زينة ومتاع، وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" فالوعد هناك لكل من صبر ولكل من كف يده ولسانه عن الفتن، ولم يتلطخ بشيء منها.
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
■ سمير بن خليل المالكي الحسني ـ 1438/12/23هــ ـ مكة المكرمة.
 0  0  885
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:08 صباحًا الأربعاء 6 شوال 1439 / 20 يونيو 2018.